آخر تحديث:00:03(بيروت)
الإثنين 03/08/2020
share

ذهبُ لبنان ليس طوع يدنا

عصام الجردي | الإثنين 03/08/2020
شارك المقال :
ذهبُ لبنان ليس طوع يدنا المصرف المركزي هو ذراع الدين للدولة اللبنانية (Getty)
يجب المبادرة إلى عمل ما لتصليب الموقف اللبناني المؤسسي من نُذر القلق الشديدة التي تتجمّع على سطح الوطن. اللبنانيون هلعون من موجة كورونا أخرى تصيبهم، وتحدّ من قدرة المستشفيات على استيعابها. قلقون أكثر على نفاد قدراتنا المالية للتعامل مع الموجة المفترضة. يستحضرون مشاهد ضحايا تكدست في أروقة مستشفيات إيطاليا وأسبانيا وغيرهما خلال بداية الموجة الأولى. وهي دول تفوق قدرات لبنان المالية والتقنية بكثير. ترتفع وتيرة القلق جدًا بالنظر إلى تعاطي الإدارة السياسية مع المخاطر، ولو بالحدّ الأدنى من المسؤولية والرصانة والتّرفع. خطاب الكراهية والمؤامرات والعنتريات المشخصنة كارثة بذاته. ويكشف البلد على أزمة إدارة سياسية مؤسسية حكمًا وحكومة. الأبواب مغلقة في وجهنا والمنافذ. ولو أثمرت المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، لن تأتي بمقدار ما تتمنّى السلطة وتستغرق شهورًا.

الذهب. كلام يدور خلف الجدران المغلقة عن احتياط مصرف لبنان من المعدن الأصفر، الوحيد الباقي في "الأيام السود". اليابان اعتبرت الذهب من "مخلّفات البرابرة". وتخلّت عنه لتوفير المال والأولوية للاقتصاد والانتاج ولتغزو العالم بمنتجات التكنولوجيا والصناعات الحديثة. قدر لبنان اليوم المصنّف بين الدول العشرين الأولى في احتياط الذهب عالميًا، أن يتطلّع إلى هذا الاحتياط لدرء موجة جوع بدأت معالمها واقعًا، وللتحوّط من غدر الجائحة. مع ذلك، قلقنا يمتد إلى هذا الاحتياط الآن، المقيّد بعدم المساس به في شكل من الأشكال بموجب القانون 42/1986 الذي أصدره مجلس النوّاب لحمايته من أنفسنا. ليس من جوع السلطة السياسية إلى المال العام والسرقة، بل ومن احتمالات الحجز على الجزء الخارجي منه المودع في أقبية Fort Knox لمجلس الاحتياط الفدرالي في نيويورك، لو صدرت قرارات عن محاكم أميركية. أو قرارات تحكيم دولية لمصلحة مدّعين على مصرف لبنان ومصارف لبنانية أو على الدولة اللبنانية. نحو 60 في المئة أقلّ أو أكثر من احتياط الذهب اللبناني موجود هناك. من أصل نحو 9 ملايين و222 و341 و239 أونصة والباقي في مصرف لبنان. بينها، إلى السبائك، ليرات ذهبية إنجليزية، وعثمانية، وقضبان ذهبية وما شابه. يمكن الجزم بصحة الرقم من مصدره حتى نهاية 1990 حدًا أدنى. ومن قائل أن الحجم ارتفع الى فوق 10 ملايين أونصة بعد ذلك، بافتراض أن مصرف لبنان اشترى المزيد.. في كل الأحوال، لنا أن نسجّل أن الشفافية المنقوصة لا تتوقف عند احتياط مصرف لبنان من العملات، بل ومن الذهب أيضًا. وتبلغ قيمة احتياط الذهب اللبناني السوقية بسعر اليوم أكثر من 17 مليار دولار أميركي.

الدعاوى بدأت دوليًا
المعلومات عن ادّعاء أميركييَن من أصل لبناني، زوج وزوجته، على مصارف لبنانية أربعة وعلى مصرف لبنان أمام إحدى محاكم نيويورك، تبعث على القلق. الزوجان اتهما المصارف المدّعى عليها بممارسة دور Ponzi Scheme. أودعا فيها أكثر من 18 مليون دولار أميركي بفوائد 10 في المئة. ثم توقفت عن سداد الودائع، وسمحت لسياسيين وآخرين من تحويل ودائعهم إلى الخارج. وألحقت بالشركة العقارية التي يملكانها أضرارًا. وأن مصرف لبنان أوقف شيكات مصرفية صادرة عن المصارف المعنية. وكانت على عِلم مسبق بأن الشيكات لن تدفع. واعتبرت الدعوى أن مصرف لبنان مسؤول عن الإشراف على المصارف التي لم تستند في عدم سداد الودائع إلى قانون يتيح لها ذلك. وطالبت الدعوى بـ 150 مليون دولار أميركي أضرارًا وتكلفة الدعوى والمحامين.

لا معلومات عن علاقة الحكومة اللبنانية بدائني اليوروبوندز الخارجيين. ولا عن الاتصالات التي كُلفت إيّاها الاستشاري لازارد معهم. حتى الآن المفاوضات متوقفة والكتمان سائد. لم يدّع أي من حملة اليوروبوندز على الدولة بعد. لا أمام المحاكم الأميركية ولا أمام التحكيم الدولي. الديون السيادية تصدر عن وزارة المال. أي الدولة اللبنانية. الذهب مملوك من مصرف لبنان. وبموجب قانون النقد والتسليف المصرف شخص معنوي من القطاع العام ويتمتّع بالاستقلال المالي. لكن المصرف انخرط في دين الدولة، ونظّم الهندسات المالية التي اجتذبت ودائع خارجية. وهو ذراع الدين للدولة اللبنانية. هل يعتبر دائنو اليوروبوندز الخارجيون الذين توقفت الحكومة اللبنانية في قرارها الصادر في 7 آذار 2020 عن سدادهم 1.2 مليار دولار أميركي استحقت في 9 من الشهر نفسه، أن خفض مصرف لبنان خسائره من ديون الدولة اللبنانية والمصارف عبر اعتبار الذهب جزءًا من أصوله، وكذلك تحويل أرباح ناجمة عن ارتفاع قيمة الذهب السوقية إلى وزارة المال، دليلًا إلى أن الدولة تشترك مع مصرف لبنان في ملكية الذهب؟ مصرف لبنان في حواره مع الحكومة والمصارف يحاول خفض خسائره إلى نحو 33 مليار دولار أميركي بعد تنزيل احتياط الذهب. صحيح إنّه لم يمسّ الذهب، لكنه استخدمه واقعًا ضمانة لإطفاء جزء من دينه. ولا ندري ما إذا كان ذلك يتعارض مع القانون اللبناني 42/1986 قبل أن يشكل الأمر ذريعة في متناول الدائنين الدوليين. الشأن نفسه ينسحب على توظيفات المصارف اللبنانية لدى مصرف لبنان. وهي جزء من ديونها للمصرف التي يحملها على الدولة. وملكية المدين ضمانة الدائن.

القضاء ثم القضاء
كنا لنطمئن قليلًا، لو كانت دولتنا ومؤسساتها في المكان الصحيح ممّا نواجه من أزمات. كل شيء متوقف إلا الانهيار واندفاع الجائحة. دول كثيرة لجأت الى احتياطها الذهبي وثروتها السيادية للاستثمار في الاقتصاد ومشاريع تنموية وأغراض اجتماعية طارئة. كان يمكن الحصول على قرض الصندوق، وبعده تعهدات سيدر. ويمكن إذا اضطررنا واستدعت المصلحة الوطنية الاقتراض بفائدة 1.5 في المئة من الأسواق الدولية بضمانة جزئية من احتياط الذهب. وهذا أمر كان ميسورًا. نبالغ الآن إذ نقول إن احتياط الذهب في قلعة النقد النيويوركية هو طوع يدنا، قبل إنجاز التفاوض مع دائني اليوروبندز الدوليين، والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي وإطلاق يد القضاء اللبناني والتشكيلات القضائية فورًا التي يحجر عليها رئيس الجمهورية. لا يكافَح الفساد والقضاء حبيسٌ. ولا القضاء الدولي سينظر الينا باحترام بلا قضاء مستقلّ ونزيه ومنتج. وليس علينا صدور أحكام لمصلحتنا من القضاء والتحكيم الخارجي.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها