آخر تحديث:14:34(بيروت)
السبت 29/08/2020
share

لماذا "التدقيق المالي الجنائي" مجرد خدعة سياسية؟

علي نور | السبت 29/08/2020
شارك المقال :
لماذا "التدقيق المالي الجنائي" مجرد خدعة سياسية؟ قانون السريّة المصرفيّة وقانون النقد والتسليف سيجهضان أي تحقيق فعلي (دالاتي ونهرا)

منذ مدة ورئيس الجمهورية يكرر القول إن الإصلاح بدأ، مستشهداً بما يُعرف بالتدقيق المالي في المصرف المركزي.

وأصبح من الواضح أن وزير الماليّة يتجه إلى توقيع عقد التدقيق الجنائي مع شركة ألفاريز آند مرسال خلال الأيام القليلة المقبلة، بعد أن أصبحت المسودّة الأولى من العقد شبه منجزة، ولم يتبقَّ سوى وضع اللمسات الأخيرة على بعض بنوده بعد إطلاع الشركة عليه. مسودّة العقد أصبحت بحوزة رئيس الجمهوريّة، ووزير الماليّة ينتظر التفويض من الرئيس لتوقيع العقد، فيما أعطت هيئة الاستشارات والتشريع الضوء الأخضر من ناحية إمكانيّة توقيع العقد، رغم كون وزني وزيراً في حكومة تصريف أعمال.

ألغام في كلام وزني من بعبدا
ما إن تحدّث وزني عن بنود العقد من قصر بعبدا يوم الإثنين، حتّى تأكدت جميع المخاوف من الألغام التي قد يحتويها التدقيق الجنائي. فمن المعلوم أن أولى العقبات التي سيواجهها ملف التدقيق الجنائي ستكمن في قانون السريّة المصرفيّة وقانون النقد والتسليف، اللذين يمنعان إفشاء الكثير من أسرار الحسابات المصرفيّة وأسرار المصرف المركزي التي يحتاجها التدقيق الجنائي. وزير الماليّة، وحسب تصريحاته من قصر بعبدا، يراهن على هيئة التحقيق الخاصّة، التي تملك صلاحيّة إعطاء المعلومات التي يحتاجها التدقيق الجنائي. وهيئة التحقيق الخاصّة، التي يراهن عليها وزني لإنجاز التدقيق، ليست سوى الهيئة التي يديرها ويشرف على عملها حاكم مصرف لبنان نفسه، الذي يُفترض أن تدقق الشركة أعماله. وعلى أي حال، تكمن الإشكاليّة الأكبر في امتلاك الهيئة صلاحيّة الموافقة أو عدم الموافقة على أي طلب معلومات، من دون أن يكون هناك قدرة لأي سلطة دستوريّة على مساءلتها في حال رفضت تزويد الشركة بالمعلومات المطلوبة.

أما أهم ما في الموضوع، فهو حديث وزني عن اقتصار مدة عمل الشركة على 10 أسابيع بحسب العقد الموقع معها، في حين أن هيئة التحقيق الخاصة تحتاج عمليّاً إلى مراجعة كل طلب معلومات على حدة، وهو ما سيعني حكماً إنقضاء المهلة التي يتحدّث عنها وزني من دون التمكّن من التعمّق بأبسط عمليات المصرف المركزي التي جرت طوال السنوات الماضية. باختصار، لا توحي كل آليّة الكشف عن المعلومات التي تحدّث عنها وزني بجديّة عقد التدقيق الجنائي.

وعلى أي حال، زادت جميع هذه المخاوف حين استطرد وزني قائلاً بأن الكثير من المعلومات في مصرف لبنان "لا تسقط في اعتبار المعلومات السريّة"، وهو ما يعني أن وزير الماليّة يراهن –بالإضافة إلى هيئة التحقيق الخاصّة- على إعتماد الشركة في عملها على المعلومات التي لا تشملها السريّة المصرفيّة أو سريّة معلومات المصرف المركزي المنصوص عنها في قانون النقد والتسليف. وبذلك، يكون وزير الماليّة يتحدّث هنا عن المعلومات التي كانت متاحة طوال السنوات الماضية أمام وكالات التصنيف الائتمانيّة وبعثات صندوق النقد الدولي، والدراسات والتقارير الماليّة على أنواعها، والتي لم تتطلّب يوماً شركة تدقيق جنائي لمراجعتها. لا بل يمكن القول أن الاعتماد على المعلومات غير السرية للتدقيق يتناقض مع مبدأ التدقيق الجنائي نفسه، الذي يفترض التعمّق في ما وراء الأرقام المتاحة، والبحث في خلفيّة وأسباب كل عمليّة بالإضافة إلى المستفيدين منها.

العقد المفخخ
لفهم ألغام وزني، ينبغي الذهاب إلى العقد الذي جرى تحضيره. فالعقد نصّ في بنوده على العودة إلى القوانين اللبنانيّة والالتزام بها عند تنفيذ العقد. وهو ما يعني الإصرار على إلزام شركة التدقيق الجنائي باحترام موجبات قانوني السريّة المصرفيّة والنقد والتسليف. ولمحاولة الإيحاء بوجود جهد ما لتجاوز هذه العقبات، نصّ العقد على الالتزام بقواعد عمل مجموعة "أغمونت"، والتي تمثّل مجموعة من هيئات التحقيق الخاصّة التي يشارك لبنان فيها. لكنّ الالتزام بقواعد عمل مجموعة "أغمونت"، ظلّ محكوماً بقواعد سريّة المعلومات نفسها التي تتحدّث عنها القوانين اللبنانيّة كما ينص العقد، والتي ستشرف على تطبيقها هيئة التحقيق الخاصّة بنفسها وباستقلاليّة تامّة، مع كل ما يعنيه هذا الأمر من إشكاليات. ببساطة، ستوازن هيئة التحقيق الخاصّة وفقاً لإستنسابيتها بين قوانين السريّة اللبنانيّة، وقواعد الشفافيّة الدوليّة التي تتبناها مجموعة "أغمونت"، فيما ستتذرّع الهيئة دائماً بأسبقيّة القانون اللبناني على عقد التدقيق.

أما أكثر ما يؤكّد وجود النيّة لإفراغ عقد التدقيق الجنائي من محتواه الفعلي، فهو الرفض القاطع الذي أبداه الاستشاريون الذين أعدوا العقد لإمكانيّة إشراك مجموعة أغمونت في الإشراف على التدقيق. مع العلم أن إِشراك المجموعة كان من شأنه ضبط أداء هيئة التحقيق الخاصّة، وإلزامها باحترام قواعد الكشف عن المعلومات عند الحاجة، خصوصاً أن هيئة التحقيق الخاصّة منضوية في مجموعة أغمونت، ولا تملك القدرة على التملّص من تعليمات المجموعة، في حال إشراك المجموعة كمشرف على تدقيق يجري وفقاً لقواعدها.

تدقيق استعراضي؟
عملياً، تشير مصادر مواكبة للملف بأن وزير الماليّة حاول طوال الفترة الماضية التريّث قدر الإمكان في مسألة توقيع العقد، لكنّ ثمّة ضغوطاً أتت من جانب رئاسة الجمهوريّة تحديداً، أدّت إلى تسريع عمليّة صياغة العقد، رغم كل ما انطوى عليه من ثغرات قانونيّة ستفرّغ التدقيق الجنائي من محتواه. ولذلك، يبدو من هذه المعطيات أن هناك قراراً سياسياً جرى اتخاذه قبل سقوط الحكومة، يقضي بإنجاز وتوقيع عقد التدقيق الجنائي، ولو عنى ذلك القيام بتدقيق شكلي، لن يتمكّن من كشف أي من تجاوزات المرحلة الماضية. أما سبب الإصرار على ذلك، فهو الضغوط الدوليّة التي تعرّض لها العهد وحكومته طوال الفترة الماضية، لإظهار مؤشرات تدل على وجود نية للإصلاح. وهو ما فرض اختلاق أي عراضة يمكن أن تدل على وجود هذه النيّة، خصوصاً إذا تعلّقت هذه العراضة بمصرف لبنان، الذي تثير أساليبه المحاسبيّة حفيظة الكثير من الأطراف الدوليّة، وفي طليعتها صندوق النقد.

أما المؤسف هنا، فهو ما يعنيه كل ذلك من هدر لأكثر من 2.1 مليون دولار من العملة الصعبة، سينفقها لبنان على تدقيق لن يفضي إلى كشف أي حقائق جنائيّة ذات قيمة في أرقام مصرف لبنان، فيما البلاد تمر بأحلك الظروف الماليّة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها