آخر تحديث:18:09(بيروت)
السبت 01/08/2020
share

رواتب المتقاعدين بين "المالية" والمصارف: المتورّطون يفضحون أنفسهم

خضر حسان | السبت 01/08/2020
شارك المقال :
رواتب المتقاعدين بين "المالية" والمصارف: المتورّطون يفضحون أنفسهم الكل متورط في نهب المال العام وأموال المودعين (علي علوش)
يأتي التراشق الإعلامي بين جمعية المصارف ووزارة المالية على شاكلة البذاءة السياسية التي تتجلّى بأسوأ مظاهرها من خلال فضح سلوكيات ما وراء كواليس "السحاسيح" والإهانات والشتائم. أو على غرار البذاءة "الفنيّة" بين متسلّقي هذا المجال.

فمنذ تأزّم العلاقة بين الجمعية والحكومة التي تتحدّث وزارة المالية بصوتها، ما عاد كلّ طرف يحتمل كلام الآخر. لكن الصدع الحاصل في الجدار الواحد، لا يفسد في الودّ قضية، ولا يعني أن هذا الجدار المنيع ضد المودعين، قد بدأ يتهاوى. فلا ينسى أحد أن الجمعية والسلطة متآمران على أموال المودعين وموظفي الدولة ومتقاعديها.

عدم التنسيق
يحصل أن يؤدي ضعف التنسيق بين طرفين، إلى إحراجهما معاً. وهذا ما حصل بين الجمعية ووزارة المالية في ما يتعلّق برواتب المتقاعدين. فبعد تأخّر وزارة المالية عن تحويل الأموال بحجة الأعطال التقنية الناجمة عن انقطاع الكهرباء، انبرى رئيس جمعية المصارف سليم صفير لتقديم نفسه على أنه "روبن هود" المصلحة العامة، برغم تمثيله للقطاع الخاص. وذلك عن طريق تأمين المصارف لرواتب المتقاعدين.

وعبَّر صفير عن هذا التوجّه من خلال تأكيده على طلب وزارة المالية من الجمعية، "دفع رواتب المتقاعدين خلال الأعياد". وهو ما نفته الوزارة، مشيرة إلى أن "مضمون ما أدلى به صفير عن رواتب موظفي الدولة، عار من الصحة تماماً".

المسألة لم تقف عند حد تأمين الرواتب. فهذه الحلقة الصغرى من الأزمة. على أنّ أم الفضائح، تقبع في الحلقة الكبرى التي تتضمّن المسّ بودائع اللبنانيين في المصارف، والتي تمثّلها إيداعات المصارف في مصرف لبنان. فصفير كشف أن الأموال التي ستدفعها المصارف للمتقاعدين، ستؤخَذ من حصة المصارف لدى المصرف المركزي، وبالتالي "من ودائع الزبائن، لأن الدولة لم يعد لديها مال". واعتبر صفير أن "هذه الأموال يجب ردها حتى لا تُنفّذ عملية هيركات على أموال المودعين".

لم تستسغ "المالية" هذه الفضيحة الحقيقية، فحاولت التغطية عليها بردّها إلى مطلقها، والتأكيد على أن "رواتب الموظفين في القطاع العام، مؤمنة حصراً من حساب خزينة الدولة في مصرف لبنان، ويتم تحويلها إلى حسابات الموظفين والمتقاعدين عبر المصارف اللبنانية، ولا علاقة لها بودائع اللبنانيين من قريب ولا من بعيد".

سوء تنسيق في المواقف استفادت منه الجمعية لتسجّل نقطعة على الحكومة، في معرض المعركة القائمة بين الطرفين. أما الحكومة، فردّت عبر الوزارة، بعَتَبٍ ضمني يقول للجمعية أنه "ما هكذا نفضح بعضنا".

المعلومات صحيحة
لا حاجة لتصريحات صفير للتأكيد على أن ودائع اللبنانيين تطير شيئاً فشيئاً. فالسلطة السياسية استعملتها لتمويل امبراطوريتها. وما تبقّى من ودائع، يجري تبديدها. وتظهر إحدى صور التبديد، بطلب مساعدة الجمعية لدفع الرواتب.

لكن ما لم يكن بالحسبان بالنسبة لوزارة المالية، أن تفضح الجمعية هذا الطلب. وفي حال لم يقم صفير بذلك، لمرَّ الأمر من دون عناء.

كلام صفير مثبت ليس فقط في ما يتعلق بأموال المتقاعدين، بل بأموال اللبنانيين عامة. فالركن الأبرز لأزمة لبنان، هو استعمال أموال المودعين وتبديدها عبر شراكة بين المصارف التجارية التي تمثّلها جمعية المصارف، ومصرف لبنان الذي يمثّل الطبقة السياسية.

صحة ما قاله صفير يبرز أيضاً عبر سلسلة التحركات التي سارع إليها عدد من الموظفين في الدولة، ومنهم المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم الذي قام "بعدد من الاتصالات مع وزارة المالية ومع رئيس جمعية المصارف سليم صفير، فأكد أن وزارة المالية حولت إلى المصارف الأموال المستحقة لجميع المتقاعدين". فهذه التحركات، دليل على منطق الابتزاز الذي تسير وفقه الدولة في أي ملف.

فلو أن جمعية المصارف خارج اللعبة، لما برزت تلك التحركات. فالأزمة تقنية وفق ما قالته الوزارة، وبالتالي ستُحَّل من دون منّة من أحد. فلماذا التدخّل؟ ولماذا تحتاج الوزارة جمعية المصارف؟

بقاء الإدارة العامة
أزمة رواتب المتقاعدين تنذر بخطر انشقاق الإدارة العامة وتفّلت الأمور فيها. والأخطر، هو امتداد الأزمة داخل السلك العسكري الذي يشكّل متقاعدوه جزءاً كبيراً من مجمل المتقاعدين في الدولة، بحسب ما تقوله مصادر في الإدارة العامة لموظفي الدولة.

وفي حديث لـ"المدن"، ترى المصادر أن "انخفاض قيمة رواتب الموظفين والمتقاعدين جعلت الإدارة العامة بلا هيبة. فضلاً عن أنها تخلق كارثة اجتماعية بوصف الموظفين جزءاً من باقي المواطنين. والأصعب، هو تحرّك العسكريين المتقاعدين، لأن اشتعال الأزمة قد تهدد تماسك السلك العسكري، وهو المؤسسة الوحيدة القادرة على خلق تجانس وتماسك في المجمتع". فضلاً عن أن تدهور الأوضاع وانخفاض قيمة الليرة، جعل الثقة بالإدارة العامة تفقد قيمته، وعليه "بأي ثقة واحترام سيتوجّه المواطن إلى الادارة العامة، وسيتوجّه الموظّف إلى عمله؟".

إن ما فعلته السلطة بالادارة العامة وموظفيها، وتجلّى في تهديد رواتب المتقاعدين، يعني أن الأمور تتجه للأسوأ مستقبلاً.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها