آخر تحديث:19:10(بيروت)
الثلاثاء 07/07/2020
share

فيول قليل وتقنين طويل: كهرباء مسروقة من مدّخرات الناس

خضر حسان | الثلاثاء 07/07/2020
شارك المقال :
فيول قليل وتقنين طويل: كهرباء مسروقة من مدّخرات الناس التقنين سيعود ما إن تنفد كميات الفيول (ريشار سمور)
موّلت الدولة عملية شراء الفيول لصالح مؤسسة كهرباء لبنان، عبر سلفات خزينة تُدفَع لصالح شركات النفط. خالفت الدولة بهذا الإجراء قوانينها مجدداً. إذ لم تتأكّد من قدرة مؤسسة الكهرباء على سدّ قيمة السلفة. بل كان مؤكَّداً استحالة سدّ السلفة نظراً للخسائر التي تسجّلها المؤسسة. 

سلفة بعد أخرى أغرَقَت المؤسسة وخزينة الدولة. ورغم التماس السقوط المستقبلي، لم تحرّك وزارة الطاقة ساكناً، وهي الوصِيَّة على مؤسسة الكهرباء، ومن المفترض بها ضمان مصلحتها، وتالياً مصلحة المواطنين ومصلحة خزينة الدولة. أما مجلس الوزراء، أي مُجمَل قوى السلطة، فصبّوا الزيت على النار، وكان جلُّ خلافهم، تحديد قيمة السلفة، بعد دراسة حجم الأموال في الخزينة.

قصّة إبريق الزيت
تحتاج مؤسسة الكهرباء إلى نحو 1.2 مليار دولار سنوياً، لتغطية حاجتها من مادة الفيول. وبفعل العجز المالي في المؤسسة، تضطر الدولة إلى دفع ثمن الفيول بالنيابة عنها. ووسط العجز الدائم، تحوّلت قضية تأمين الفيول إلى قضية إبريق الزيت، وكلّما ارتفع الصوت حول التقنين أو الفساد أو الهدر في المؤسسة، استُحضِرَ ملف الفيول على أنه المسؤول عن تراجع حال المؤسسة، واستفحال التقنين الذي تخطّى كل الحدود التي قد يحتملها المواطنون. والحجة دائماً: عدم تأمين الفيول بسبب عدم توفّر الاعتمادات اللازمة.

وعدم تأمين الفيول بالكمية والوقت الكافيين، له من الأسباب ما يمكن أن تُفرَدَ له الصفحات والمجلّدات، لكنها تُختَصَر بواقع واحد، وهو الفساد الذي يجعل من عجز الكهرباء ثِقلاً يكبّد الموازنة العامة ثلث عجزها. ومع ذلك، وافقت الحكومات المتعاقبة على تمرير سلفات للفيول، من دون إصلاح حال المؤسسة لوقف استنزاف أموالها وأموال الخزينة، واستنزاف طاقة المواطنين الذين يقعون ضحية الصراعات السياسية، التي تُتَرجَم تقنيناً في كهربائهم. علماً أن مجموع أكلاف المؤسسة (من دون كلفة الفيول) تتراوح بين 150 و200 مليون دولار سنوياً، فيما تجبي بين 650 و750 مليون دولار. وتذهب هذه الأموال إلى المصارف الخاصة وليس إلى خزينة الدولة.

وعود بتخفيض التقنين
انفجار الأزمة الاقتصادية والمالية في لبنان، وما تبعها من أزمة اجتماعية، وضع الطبقة السياسية أمام معضلة لم تكن تتوقع حدوثها في وقت قريب. 

شَحَّ الدولار في السوق. مالية الدولة غير كافية لتأمين الحاجات، وعلى رأسها الفيول، فيما المصارف غارقة في أزمة استحالة تأمين طلبات المودعين لسحب أموالهم... وبالتالي، لم تعد المصارف قادرة على تلبية حاجة المصرف المركزي من الدولارات، التي بدورها كانت تُموِّل مشاريع وحاجات الدولة، ومنها تأمين الفيول لمؤسسة الكهرباء. وهنا تكمن الإدارة الخاطئة التي مورِسَت لسنوات.
وعليه، يمكن استخلاص أن تأمين الفيول لمؤسسة كهرباء لبنان، كان يتم بصورة غير مباشرة من جيوب المواطنين، عبر استغلال ودائعهم، بعد إغراء مصرف لبنان للمصارف الخاصة بالفوائد المرتفعة، لجذب الودائع واستعمالها في تمويل الدولة.
اختفى الدولار واختفى معه تأمين الفيول، وحُكماً اختفى تأمين الكهرباء التي كانت مُقنَّنة في الأصل.
لتفادي الأسوأ شعبياً واقتصادياً، سارعت وزارة الطاقة ومن خلفها السلطة السياسية ككل، لتأمين الاعتمادات لشراء الفيول، فوصلت الباخرة الأولى يوم الثلاثاء 7 تموز، على أن تصل الباخرة الثانية نهاية الأسبوع. ومع وصول الكمية الأولى من الفيول، أكّد وزير الطاقة ريمون غجر أن "ساعات التغذية ستزيد بعد الانتهاء من تفريغ الحمولة، بنحو ساعتين أو أكثر بحسب كل منطقة".

تفريغ حمولة الباخرة يستغرق نحو يومين، وفق ما تقوله مصادر في وزارة الطاقة، والتي تشير في حديث لـ"المدن" إلى أن "وصول الباخرتين لا يحل جوهر المشكلة. وللأسف، بات اللبنانيون محكومين بالمهزلة التي فرضتها السلطة السياسية، والتي تقوم على ابتزازهم ببعض التقديمات والخدمات، بعد ايصالهم إلى شفير العتمة والفقر والجوع". وترى المصادر أن "وزارة الطاقة ومؤسسة كهرباء لبنان يعلمان حجم الفيول المُخزَّن، فلماذا لا يتم استباق الأمور وكسب الوقت للاتيان بكميات فيول جديدة، نتفادى من خلالها التقنين؟".
الاجابة واضحة بحسب المصادر، وهي "السمسرات التي تستفيد منها شبكة واسعة من التجّار والسياسيين المتحكّمين بقطاع الطاقة. علماً أن هناك امكانية لتفادي كل هذه الأزمة، إذا ما جرى تطبيق إدارة سليمة للقطاع، لكن لا أحد يريد ذلك". وتذكّر المصادر بأن المطلوب "تدمير قطاع الكهرباء بهدف بيعه بأبخس الأثمان، لأن المستفيدين من البيع، هم سيشترونه بصورة غير مباشرة عبر شركات خاصة قد تكون محلية أو عالمية".

عودة التقنين
تفريغ باخرتين خلال أسبوع، من شأنه تحسين التغذية، لكن ليس من شأنه حل الأزمة المتشعّبة والممتدة نحو "رغبة بعض الجهات السياسية اعادة خلط الأوراق المتعلقة باستيراد الفيول. فالعقود مع شركة سوناطراك الجزائرية ما عادت تفي بالغرض، والمطلوب التحرر من العقد، لصالح الاستيراد من شركات جديدة. والتحرر لا يعني بالضرورة فسخ العقد مع الشركة، وانما فتح المجال أمام شركات أخرى. أما في حال أدّت الضغوط إلى فسخ العقد، فهذا يسرّ المنتفعين. فالشركات الجديدة حاضرة، ومنها شركات أجنبية ستُرتَّب ملفّاتها خارج الحدود وبعيداً عن الأضواء، وبالتأكيد خارج رقابة إدارة المناقصات، التي يرفض مديرها العام جان العليّة تمرير الصفقات المخالِفة للقوانين، وهذا ما يثير غضب المتحكّمين بوزارة الطاقة".

باخرتان أرادت وزارة الطاقة عبرهما حقن اللبنانيين بالمورفين، لكن من بات محصّناً ضد مورفين السلطة، يعرف تماماً أن التقنين سيعود ما إن تنفد كميات الفيول. ومع تأزّم الوضع الاقتصادي والنقدي، ليس من المستحيل التكهّن بصعوبة ما ستكون عليه الأمور مستقبلاً. فأموال الدولة تجف، ومعها أيضاً ودائع اللبنانيين. فمن أين ستموّل الدولة سمسرات الفيول المقبلة؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها