آخر تحديث:16:57(بيروت)
الأحد 05/07/2020
share

"الثنائي الشيعي" يقايض التحقيق بأرقام سلامة بدعم سلع التهريب

علي نور | الأحد 05/07/2020
شارك المقال :
"الثنائي الشيعي" يقايض التحقيق بأرقام سلامة بدعم سلع التهريب علاقة شركة "كرول" للاستقصاء المالي بإسرائيل حجّة للإطاحة بملف التدقيق الجنائي (المدن)
لم يكن بإمكان أحد توجيه إهانة لحاكم المصرف المركزي، لا سيما أنه أول من طرح فكرة الاستعانة بشركة تدقيق جنائيّة للنظر بأرقامه. فحاكم المصرف المركزي في أية دولة يمثّل خط الدفاع الأخير، المكلّف قانوناً بحماية احتياطات البلاد من العملات الأجنبيّة، وبالدفاع عن سلامة العملة المحليّة. وبمجرّد وجود شبهة التواطؤ الجنائي، فإنها تمثّل ضربة لصورة الحاكم المعنويّة ومكانته، فيما تحرص دول العالم عادةً على إحاطة هذا المنصب بهالة تمنح الحكام والمصارف المركزيّة الاستقلال والحصانة، في مقابل السلطة التنفيذيّة، والقدرة على التفاوض معها لحماية الأولويّات النقديّة من المساومات التي قد تجري لصالح ماليّة الدولة أو أولويّات السلطة السياسيّة.

مناورات دياب والعهد
قد يكون هذا تحديداً ما أراد دياب، ومن خلفه العهد، تحقيقه من طرح الملف، لتصوير الحاكم إعلاميّاً على هيئة المتهم الذي يخضع لتدقيق شركات استقصائيّة جنائيّة من وزن شركة كرول، ربما لضرب تأثيره ودوره في ملفّات عدّة. ولأن ملف التفاوض مع صندوق النقد لم يكن قد تعثّر بعد عندما طُرح الموضوع للمرّة الأولى، يرجّح البعض أن يكون هذا الملف أحد المواضيع التي أراد دياب والعهد واستشارييهما أن يقلّصوا نفوذ الحاكم فيها. بمعنى آخر، لم يكن الهدف من طرح الملف يرتبط منذ البداية بما يمكن أن تقدّمه كرول لاحقاً، بل بما يمكن تحصيله سياسياً وإعلامياً، في إطار صراع النفوذ والمصالح بين كل من المصرف المركزي وحاكمه من جهة، وكتلة الاستشاريين التي كانت تدور في فلك دياب والعهد من جهة أخرى.

ثمّة الكثير من النقاط التي تعزز هذا الاعتقاد. فالحكومة تملك أساساً أداة التدقيق في ميزانيّات المصرف المركزي وأرقامه، من خلال موقع مفوّض الحكومة في المصرف، مع العلم أن المفوّض الحالي مصرفيّة متخصصة في أعمال التدقيق، وزكاها للمنصب التيّار الوطني الحر نفسه. وبالتالي، لم تكن الحكومة تحتاج فعلاً إلى شركة تدقيق أجنبيّة للبحث في مسائل غير معقّدة تقنيّاً، كحجم ونوع التحويلات التي جرت بعد شهر تشرين الأول الماضي. مع العلم أن ما يخضع له مفوّض الحكومة من موجبات السريّة المصرفيّة، لجهة أسماء الذين قاموا بالتحويلات، تخضع له بالقدر نفسه أية شركة أجنبيّة يمكن التعاقد معها للتدقيق في ميزانيّات المصرف المركزي.

في كل الحالات، كان دياب يدرك جيّداً أن ما يمنع فتح ملف الأموال المهرّبة على مصرعية، من خلال تحريك مفوضيّة الحكومة لدى المصرف المركزي، هو القرار سياسي بعدم كشف هذه المعلومات. وهذا ما عطّل أساساً مسار التحقيق في هذه المسألة من خلال هيئة التحقيق الخاصّة في مصرف لبنان. وكان دياب يدرك أيضاً أن مسار تكليف كرول سيواجه لاحقاً المطبّات نفسها، حتّى لو صُوِّت على القرار في مجلس الوزراء. ثم أنّ تنفيذ قرار التدقيق الجنائي يقتضي تعاون وزير الماليّة غازي وزني، المسؤول الأول عن ملف مصرف لبنان في الحكومة، وهو الوزير الذي يعود قراره السياسي إلى رئيس المجلس النيابي، الذي وفّر في أكثر من مناسبة غطاء لحاكم مصرف لبنان في مواجهة العهد ودياب.

ببساطة، يشير هذا كله إلى أن دياب والعهد كانا يدركان مدى صعوبة التعقيدات التي تحيط بمسألة فتح التدقيق الجنائي في أرقام مصرف لبنان. وهذا ما يدفع إلى الاعتقاد بأن فتح الملف منذ البداية كان هدفه الأمساك بأوراق ضغط في مواجهة حاكم مصرف لبنان، ولمحاولة تحقيق مكاسب إعلاميّة وسياسيّة من التلويح بمسألة التدقيق، على الرغم من إدراك الجميع أن مسار التدقيق الجنائي لن يبصر النور فعلاً.

أنواع التحقيقات
في الواقع، كانت الحكومة قد صوتت على تكليف شركتين لإجراء تدقيق محاسبي عادي، إضافة إلى تكليف شركة كرول بالتدقيق الجنائي المفصّل. والفرق بين التدقيقين، يكمن في تركيز التدقيق المحاسبي على المعايير والإجراءات المعتمدة لتسجيل العمليّات الماليّة. ويشير بعض الخبراء هنا إلى أنّ هذا التدقيق لم يكن ضروريّاً، لأن المصرف المركزي يعتمد أساساً على شركات عالميّة معروفة لتدقيق ميزانيّاته، وليس من خلاف فعلي حول هذا النوع من الإجراءات. ثم أن هذا النوع من التدقيق لا يشمل الدخول في تفاصيل كثيرة، مثل إمكان وجود شبهات في بعض التحويلات، أو خسائر متراكمة، أو حتّى انكشاف العملة الأجنبيّة انكشافاً كبيراً، طالما أن القيود تجري وفقاً للأصول المحاسبيّة الصحيحة. بإختصار، هذا التدقيق يُعنى بطريقة تسجيل العمليّات فقط. 

في المقابل، يركّز التدقيق الجنائي على كثير من المسئل الأخرى غير المشمولة في التدقيق المحاسبي العادي، مثل إمكان تهريب منظّم وغير مشروع للودائع. وهذا يقتضي التحقيق في نوعيّة التحويلات التي جرت، سببها والأطراف المستفيدة منها ووجهتها، أو احتمال التواطؤ لتحقيق مكاسب غير مشروعة من خلال عمليّات ماليّة، تبدو في ظاهرها منسجمة مع التعاميم والأنظمة المعمول بها. وهذا النوع من التحقيقات، يحتاج لشركات متخصصة في هذا الشأن، مثل شركة كرول التي تمتلك علاقات متشعّبة حول العالم، وخبرات تقنيّة متقدمة، تسمح لها بجرد جميع العمليّات الماليّة التي جرت وتتبع خيوطها، حتّى بعد خروجها من لبنان.

عمليّاً، كان هناك في السابق إجماع وزاري على إجراء نوعي التدقيق معاً. وهذا ما أفضى إلى التصويت على قرار واضح بذلك، لكن يبدو من التطوّرات الجارية أن ملف التدقيق الجنائي قد أُطيح به كليّاً، من بوابة اعتراض وزير الماليّة.

لغز انقلاب الثنائي الشيعي
في البداية، ولدى طرح الموضوع على التصويت في مجلس الوزراء، لم يكن وزير الماليّة غازي وزني معترضاً على إجراء تحقيق جنائي في أرقام مصرف لبنان، علماً أن موقفه هذا كان يكتسب أهميّة إستثنائيّة لأن وزارته هي الجهة المختصة بالمسألة، وهي المسؤولة لاحقاً عن تنفيذ هذا القرار. لكن مع مرور الأيام، بدأت أوساط الثنائي الشيعي تثير علامات الاستفهام حول علاقة الشركة بإسرائيل، فيما كانت وزارة الماليّة تتريّث في متابعة تنفيذ قرار التفاهم مع الشركات الثلاث (شركتي التدقيق المحاسبي وشركة كرول للتدقيق الجنائي).

أما المفاجأة فتجلت في إقدام وزني أخيراً على وضع فيتو على متابعة إجراء التدقيق الجنائي بالتعاون مع شركة كرول، لأن الجهة السياسيّة التي يمثّلها داخل المجلس تملك تحفّظات على علاقات الشركة مع إسرائيل. وهذا ما يمكن أن يؤدّي إلى تسرّب معلومات مصرف لبنان إلى إسرائيل. وبعد خروج اقتراحات تقضي بتكليف شركة أخرى للتدقيق الجنائي، اعتبر وزني أن فكرة تكليف شركة دوليّة بإجراء هذا النوع من التدقيق، تفتح الباب أمام التدخلات السياسيّة الدوليّة لتوجيه الاتهامات الجنائيّة وتشويه الحقائق. بإختصار، بدا واضحاً أن تحفّظ وزني لم يطل شركة كرول فقط، بل شمل فكرة اللجوء إلى شركة دوليّة لإجراء هذا التحقيق. في المقابل، كان الوزير حب الله المحسوب على حزب الله يلاقي وزني في منتصف الطريق، مطالباً بتأجيل البت بهذا الموضوع.

وتشير مصادر مصرفيّة مطلعة إلى أن مسألة علاقة الشركة بإسرائيل لم تكن سوى حجّة للإطاحة بملف التدقيق الجنائي. فالشركة تتعامل أساساً مع المصارف اللبنانيّة ومصرف لبنان في ملفّات عدة، لتقصّي المعلومات حول عملاء المصارف المحتملين في الخارج، أو للتدقيق في ميزانيّات كبار المقترضين المتعثّرين من أجل التحقيق في إمكان وجود حالات إفلاس إحتيالي. بمعنى آخر، الشركة تملك نشاطها المعروف على الأراضي اللبنانيّة منذ زمن طويل، وفي ملفّات حسّاسة تتصل بالقطاع المصرفي تحديداً. أما وجود مكتب لها في إسرائيل، فهو مسألة تتشابه فيها مع جميع الشركات الماليّة العالميّة المعروفة، والتي تمارس مهام التدقيق المحاسبي العادي في المصارف اللبنانيّة والمصرف المركزي، وتطلع على تفاصيل حساباتها لهذه الغاية.

في كل الحالات، من الواضح أن ملف التدقيق الجنائي خضع منذ البداية إلى منطق المناورات: أولاً، من طرف الجهة التي طرحت الفكرة، والتي كانت تملك بدائل للقيام بهذا النوع من التدقيق من خلال المؤسسات الرسميّة، من دون اللجوء إلى الشركات الأجنبيّة. والجهة هذه ربما أرادت فقط الضغط على الحاكم عبر طرح الموضوع، مع علمها بصعوبة تنفيذه. وثانياً، من طرف الجهة التي عرقلت الفكرة، والتي بات من الواضح أنّها نسجت تسويات مع سلامة طالت ملفّات عدّة. أما السؤال الذي يصبح ملحّاً، فيتعلّق بطبيعة تنازلات سلامة، لينال الغطاء الذي ناله اليوم من الثنائي الشيعي.

والتنازلات هذه قد ترتبط بحجم الدعم الذي يستمر المصرف المركزي بتوفيره لاستيراد بعض السلع التي تُهرب بعد استيرادها المدعوم. وترتبط أيضاً بمنح الصيارفة دوراً في عمليّة توفير الدولار في الأسواق. لكن، وبمعزل عن هذه الأمور، باتت النتيجة الحتميّة أن ملف التدقيق بأرقام مصرف لبنان أصبح وراء ظهور الجميع.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها