آخر تحديث:00:04(بيروت)
السبت 04/07/2020
share

صندوق النقد يستريح: هل ننعزل عن المجتمع الدولي؟

خضر حسان | السبت 04/07/2020
شارك المقال :
صندوق النقد يستريح: هل ننعزل عن المجتمع الدولي؟ اللبنانيون يدفعون ثمن مماطلة الدولة بإجراء الإصلاحات والتعاون مع صندوق النقد (علي علوش)
أنهى الوفد اللبناني وصندوق النقد الدولي جولة مشاوراتهما السادسة عشر، على أمل متابعة المشاورات الأسبوع المقبل. كسابقاتها، لم تحمل الجولة الأخيرة أي تقدّم على صعيد التوصّل إلى أرقام نهائية حول الخسائر المالية، ولا إلى نتائج إيجابية حول ضرورة تنفيذ الإصلاحات. وهما الركيزتان الأساسيتان للتفاوض مع الصندوق، ودونهما، لا جدوى من التفاوض.

لم ينتظر الصندوق موعد جلسة المشاورات التالية. إذ أن ما يُظهره لبنان من استهتار حيال الصندوق، دفع الأخير إلى تعليق الجلسات، بانتظار انتهاء الجانب اللبناني من وضع مقاربة موحّدة لأرقام الخسائر، بالاضافة إلى تنفيذ الاصلاحات المطلوبة.

متاهات سياسية
الوفد المفاوض الذي يضمّ وزير المالية غازي وزني وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، لا يصرّح بما خلصت إليه الجلسات حتى الآن. على أن النتائج السلبية ظاهرة للعيان. وعلى هذا المنوال، لم يبقَ للسلطة إلاّ افتعال ضوضاء سياسية تكسر جمود الوفد المفاوض. تُرِكَت مهمّة الضوضاء في البدء إلى لجنة المال والموازنة عبر قيامها بعملية التوفيق بين أرقام الحكومة وأرقام مصرف لبنان، مع علم أعضائها المسبق أن الخلاف بين الحكومة والمصرف المركزي، له أبعاد سياسية. وهو ما يثبت من خلال عدم طي صفحة الخلافات رغم توصّل اللجنة إلى أرقام تعتبرها أدقّ.

ما يُخيَّل لتلك اللجنة أنه انجاز، أحبطه امتعاض وفد صندوق النقد من المماطلة والمتاهات التي يدور الوفد اللبناني داخلها، بصورة تؤكد عدم جدية التفاوض مع الصندوق.
اللجوء إلى المتاهات يهدف إلى تضليل صندوق النقد والجمهور اللبناني على حد سواء، لكسب الوقت، علّ حلاً سياسياً يبرز هنا أو هناك، فيخلق واقعاً جديداً قد تكون القوى السياسية قادرة على التعامل معه، على عكس الضغط الواقع على رقبتها اليوم. وأولى بشائر الواقع الجديد، هو الحديث عن تغيير أو تعديل حكومي قد يعيد خلط الأوراق، ومن ضمنها أوراق التفاوض مع الصندوق. وهذا التوجّه يحمل إمكانية رمي الحكومة المقبلة للأرقام الناتجة عن الحكومة الحالية. وهذا يعني وقتاً إضافياً ثميناً للطبقة السياسية. لكن في الوقت عينه، تعني مزيداً من الغرق بالنسبة للاقتصاد والنقد، وهو خيار لا يكترث له الساسة.

ضاق صندوق النقد ذرعاً بالمتاهات اللبنانية المكشوفة. ومع العلم المسبق لوفد الصندوق بكيفية إدارة البلاد في لبنان، إلا أنه خاض المفاوضات واحتَمَل التخبّط المقصود، الذي يعكس عدم رغبة الجانب اللبناني في الوصول إلى نتائج إيجابية مع الصندوق. فقرر الأخير حسم أمره والاكتفاء من تضييع الوقت ومشاهدة الألاعيب، فأبلغ الجانب اللبناني رغبته بتعليق جلسات التفاوض ريثما تُحَل مسألة التفاوت بأرقام الخسائر بين الحكومة ومصرف لبنان، إلى جانب التماس اجراءات فعلية تتعلّق بالإصلاحات.

انسداد الأفق
لا ثقة إذاً بكل ما تفعله الحكومة. وترجمة قرار الصندوق لغياب الثقة، ستنعكس حكماً على نظرة المجتمع الدولي، الذي سيقلل من ثقته ببلد لا تعمل حكومته جدياً على حل أزمته، وبالتالي ستتقلّص فرص سعي المجتمع الدولي لمساعدة لبنان.

ومع احتمال انسداد أفق التعاون مع صندوق النقد، بفعل التقصير اللبناني، ما زالت الحكومة تنظر بعين التعالي إلى صندوق النقد والمجتمع الدولي. فهي تريد المساعدة والعودة إلى المسار الدولي الطبيعي، وفي الوقت عينه غير مهتمة بانجاز المطلوب منها. وكلّما زاد الخناق، وبدل بذل الجهد للإصلاح، تُرمى تصريحات متناقضة لا تخدم سوى إثارة المجتمع الدولي ضد لبنان.

وآخر العبارات المستفزّة، هي ما قالته وزيرة الدفاع زينة عكر حين أكّدت أن "المجتمع الدولي مقفل بوجهنا بقرار سياسي، ولو أن الجهات الخارجية تربط ذلك بموضوع الإصلاحات". ثم أضافت أننا "نستطيع النهوض بلبنان من دون انتظار المساعدات الخارجية". بعدها، ناقضت عكر نفسها، إذ اعتبرت أن كلامها لا يعني "أننا لا نحتاج إلى المساعدة أو لضخ الدولارات"، لكن من وجهة نظرها "علينا العمل بغض النظر عن ذلك".
عكر تريد المساعدة الدولية، وتتهم المجتمع الدولي بالتضييق على لبنان. وفي الوقت عينه لا تريد المساعدة الدولية بل تريد الإتّكال على الداخل، فيما الداخل عاجز عن الاتفاق على أرقام موحّدة للخسائر، ويرفض القيام بالاصلاحات.

الحل شرقاً؟
للمجتمع الدولي قرارات سياسية واقتصادية تحددها موازين القوى. ولبنان لا يملك خيار التمرّد على من يتحكّم بموازين القوى، بغض النظر عن صوابية سياسات وقرارات المتحكّمين. وهذه المعادلة يدركها الجميع، بمن فيهم دول الشرق الذين تستنجد بهم بعض القوى اللبنانية. فمقولة التوجّه شرقاً، وبعيداً عن الهدف السياسي لمن ينظّر لها، هي بالكاد تمثّل "فشة خلق" إعتراضية على الواقع الاقتصادي، وعلى القرار العربي والدولي بعدم انقاذ لبنان ما لم يحل داخلياً أزمته السياسية والاقتصادية والنقدية. 

لكن الانعكاس الاقتصادي للمقولة، لا يحمل أي معنى، لأن لبنان اليوم في عزلة، وفكّها لا يكون إلا بكسب ثقة المجتمع الدولي الذي يمثّل الأميركي والأوروبي ثقله. هل هذا الكلام دعوة للخضوع لأي إملاءات سياسية أميركية وأوروبية؟ بل هي دعوة لعدم الانتحار الاقتصادي.
أما قرار التمرّد والاختيار بين الداخل والخارج والشرق والغرب، فهو يحتاج إلى التحصين، وبالتالي إلى بناء دولة قوية سياسياً واقتصادياً، وقبل تحقيق ذلك، فإن الخضوع أمر حتمي. وما نحن فيه اليوم، هو نتيجة عقود من الخضوع من دون تصحيح المسار، أو على الأقل حفظ خط آمن للعودة بأقل الخسائر، فيما لو قرّر الساسة التمرّد.

وعموماً، من يتمركز في الشرق، لا يستطيع عزل نفسه عن المجتمع الدولي، رغم قوّته الاقتصادية والسياسية. فروسيا والصين، هُما في صلب المجتمع الدولي، وعلى اتصال مباشر مع الأميركي والأوروبي. وفي لبنان، لا تصحّ الدعوة إلى التوجّه نحو الروسي أو الصيني، بالتوازي مع معاداة الأميركي أو الأوروبي، وقبلهما المجتمع الإقليمي العربي الذي كان الداعم الأبرز للبنان اقتصادياً وسياسياً.
نحن لا نملك ترف الاختيار. أزمتنا معروفة، وواقعنا مكشوف أمام الجميع. بل أن الجميع أخبر منّا بما لدينا. وعليه، خياراتنا محدّدة، إما الإصلاح وإما الانهيار التام. والإصلاح يرتكز على بُعدين، داخلي، عبر انهاء أسس منظومة الفساد وبناء أخرى سليمة، وخارجي عبر اصلاح العلاقات مع البُعدين العربي والدولي، ولا يقوم بُعدٌ بمعزل عن الآخر.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها