آخر تحديث:00:03(بيروت)
الجمعة 31/07/2020
share

أوكسجين الصناعة وديوكسين الشعب!

عصام الجردي | الجمعة 31/07/2020
شارك المقال :
أوكسجين الصناعة وديوكسين الشعب! الإصلاحات ممنوعة من الناهبين أصحاب الامتيازات السياسية والإدارية والمالية (علي علّوش)

يتدحرج الوضع سريعًا إلى الهاوية. بلد بلا قيادة حكمًا وحكومة. غادر وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان بيروت مفعمًا باليقين، أنّ حسّان دياب رئيس حكومة لبنان وليس سعد الحريري. أفهمه إيّاها دياب بالخط ّ العريض. وحين حاول الضيف إبلاغ مضيفه أنّ صندوق النقد الدولي هو جهاز التنفس الوحيد للبنان، ليفتح كوّة أمل للبنان على مساعدات وقروض ميسّرة من المحسنين العرب والدوليين، ودون ذلك إصلاحات لم نرّ حتى الساعة منها شيئًا، نزع دياب جهاز التنفس وردّ بأن 97 في المئة من الإصلاحات قد أنجزتها الحكومة. لم تمض 48 ساعة على سفر "الضيف الثقيل"، حتى كان لبنان يغرق في العتمة. ما تسرّب من سلة الدعم Leaks إلى الفقراء وذوي الدخول المحدودة، راح إلى التلف بعد توقف التبريد، في انتظار جولة أخرى من رحلة الآلام والمنغصات. لم يتسنّ للضيف الفرنسي سماع ولولة دياب التي حسبها تغريدة، عن "المافيات والمؤامرات والفلتان الأمني وغياب الدولة عن مناطق كثيرة".

مهزلة
نعم، دولة بكل أجهزتها عاجزة عن ضبط سلعة نوعية مدعومة وقابلة للاشتعال كالمازوت. ولا يمكن إخفاؤها كيفما كان مهما كانت طاقة تخزينها. وهي محدودة في النهاية. منذ فضيحة الفيول أويل، بات استيراد المحروقات السائلة عصيًا. البنزين والمازوت والفيول أويل معًا. ألم يحرّك هذا الواقع فِطنة الحكومة إلى أنّنا كنا نستورد محروقات ليست مطابقة للمواصفات؟ وبعد انكشاف الفضيحة تبدّلت حسابات الكارتيل وأضيف إلى العقبات فقدان ثقة المصارف الخارجية والمورّدين بالتعامل مع لبنان. نجزم أنّ لا صفقة محروقات واحدة سبقت صفقة الفيول أويل، كانت مطابقة المواصفات والنوعية. خلا المخصّصة لبواخر استيلاد الطاقة الكهربائية. وقد حصل أن ردّت شركات البواخر أكثر من صفقة. الشركات تحمي نفسها. الدولة لا تحمي شعبها وخزانتها المنهارة..

يستحيل فصل ملف الكهرباء عن ملف صفقات الفيول والمازوت. الكل في الفساد سواءٌ. صودرت أطنان من الدجاج الفاسد واللحوم. لم يعتقل فاعل واحد. قبل شهرين من انكشاف الفضائح كتبنا عن مستودعات المواد الغذائية والاستهلاكية ووجوب رقابتها. منها ما هو معروف وشرعي، والأكثر في ملاجئ أبنية مستثمرة لهذه الغاية بطريقة غير قانونية. شقق في أبنية سكنية لا حصر لها ولا عدّ، وفي مناطق محسوبة راقية تحولت إلى بيع الألبسة المهرّبة من علامات تجارية معروفة تدخل إلى لبنان بلا رسوم ولا رقابة وبفواتير مزورّة. مجرد بلاغ إلى أصحاب الأبنية على امتداد لبنان لإخطار الدوائر المعنية بشاغلي الملاجئ والشقق السكنية لأغراض غير السكن يكفي لوضع حدّ. بعدها عمليات دهم واجراءات.

رياء إفراغ الودائع
الإصلاحات ممنوعة من الناهبين أصحاب الامتيازات السياسية والإدارية والمالية. والوقت يضيق. والأنشوطة بلغت الخنّاق. وكورونا الوباء في المرحلة الرابعة يقول المعنيون. هناك كمٌ كبير من الرياء في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. كل المماطلة للدخول في مفاوضات جادّة إنّما للتخلص من ودائع الناس بالدولار الأميركي والعملات الأجنبية. والعملية قائمة على قدم وساق من خارج كل القوانين. هذه الوسيلة الفضلى لاقتراب تقديرات الخسائر الحكومية من تقديرات مصرف لبنان والمصارف ومعهما "ممثلو الأمة جمعاء". لجنة المال والموازنة النيابية وغالبية النوّاب. لأن تقدير الخسائر على علاقة وثقى بتوزيع الأعباء وليس خلافًا خوارزميًا. الذين ينظّرون في الاتجاه المغاير إنّما لحرف الأنظار عن منهبة المواطن والوطن. علماء للبيع. عدد قليل جدًا باقٍ على شمائله. وحبر وإعلام من النقائص وحزب أبو رخّوصة.

فجأة، يسقط علينا من الفضاء الخارجي "سيدر أوكسجين" صندوقًا لدعم الصناعة، مموّل من مصرف لبنان برأسمال 100 مليون دولار أميركي والباقي قيل سيأتي من لبنانيي ما وراء البحار.. يمرّ الخبر عاديًا في مجلس الوزراء والمجتمع السياسي البائس. ليس لمصرف لبنان أن يقوم بهذه المهمّة. المال ليس ماله، بل ما بقي من أموال المودعين. واذا شاء أن يؤمّن المال من بند "موجودات أخرى" في ميزانيته، أي من الثقب الأسود الذي شُده له خبراء صندوق النقد الدولي، وآخرون في مؤسسات مالية دولية وأكاديمية كبيرة، فليكن من ضمن خطة الحكومة لتحريك الاقتصاد والنمو. أي دعم للصناعة من مال المكلّف يأتي مشروطًا بقيمته المضافة في الاقتصاد. فرص عمل للبنانيين، والتزام شروط البيئة وتدخل الدولة في تسعير المنتج المدعوم وموفوره. غير ذلك لينفق الصناعيون من أموالهم. من هو قادر على المنافسة بشروط السوق ليفعل. الرسوم الحمائية مرفوضة بجريرة دعم الصناعة الوطنية، وخفض العجز التجاري إذا كان الدعم يعني احتكارًا وأسعارًا فوق طاقة المستهلك. ليست شركة الترابة الشهيرة سوى مثال بسيط. أسعار المنتج ارتفعت أضعافًا مضاعفة خلال الشهرين الأخيرين بحجة منع الشركة المعنية من أعمال الحفر واستخراج الأتربة وتشويه البيئة من المرتفعات المحيطة بمنطقة شكا والبترون. عادت الحكومة ورضخت غير آبهة للأمراض المستعصية التي تضرب أهالي المنطقة. مشكلتنا مع الصناعة الوطنية إنّها أسهمت عقودًا في استنزاف العملات الأجنبية على العمالة الأجنبية. مع مدخلات المواد الأوّلية المستوردة بالعملات والتلوث البيئي في أكثر من منطقة، البقاع والليطاني مثالًا، يتحوّل هذا النوع من الصناعات عبئًا ثقيلًا على الاقتصاد والصحة والبيئة. نحن في ظروف استثنائية غير مسبوقة.

الأولوية للصناعة الوطنية مسألة ليست قابلة للجدل. هناك صناعات وطنية وفّرت سلعًا أساسية مهمّة من المساحيق ومواد التنظيف والتعقيم لجبه أعباء كورونا. بعضها قام بتطوير منتجاته بسرعة فائقة لتتلاءم مع المرحلة. الصناعات الغذائية الناجحة أصابت قسطًا أيضًا. هناك سلّم أولويات الآن. الإنسان ووقف النزف من العملات والاقتصاد. ونقطة على السطّر. دعم الصناعة في المطلق من دون أولويات ليس ميسورًا إلّا من الصناعيين أنفسهم، يبتكرون وينافسون جودةً وسعرًا وموفور سلع. ومصرف لبنان يتصرّف وكأنّ البلاد والعباد في أحسن حال.

الأوكسجين الآن لمرضى الوباء والأمراض المستعصية وليس الديوكسين. الأوكسجين للعاملين في المستشفيات من ممرضين وممرضات وأطباء وإداريين وعمّال تنظيفات وغيرهم. ولمتطوعي الصليب الأحمر اللبناني ونظرائهم في الهيئات الإنسانية كافة. هؤلاء الأبطال الشهامى الذين نذروا أنفسهم لناسهم ووطنهم يستحقون الدعم المعنوي والمالي ممّا بقي لهم في مصرف لبنان وتبدّد من الخزانة العامة على يد عصبة الأشرار الأوليغارشية القبيحة. أليس من العار أن تبقى حقوق هذه الفئة جهيضة ورواتبهم منقوصة؟ هل يصدّق آدمي، بشري، أن هذا الأمر يحصل؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب