آخر تحديث:00:38(بيروت)
الجمعة 03/07/2020
share

التحقيق الجنائي بحجم المنظومة

عصام الجردي | الجمعة 03/07/2020
شارك المقال :
التحقيق الجنائي بحجم المنظومة لم يعد يوجد شعر ليُقصّ. يوجد الرأس الآن (Getty)

لن يحصل تدقيق جنائي في مصرف لبنان. هذا يساوي منظومة السلطة بكاملها. قيل لنا أن رئيس الجمهورية ميشال عون أصرّ في جلسة مجلس الوزراء الأربعاء الماضي على تكليف شركة Kroll المهمّة. جيد. سنذكّر الرئيس بأن قرار التكليف يشبه الظروف التي حالت دون رغبته تعيين بديل لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة. ثم عاد وقرّر مجلس الوزراء إعادة تعيينه كما توقعنا في مقال سابق وانتصر سلامة مباركًا وتألّب كل الأضداد والخصوم "السياديين والممناعين" بما في ذلك من بيئة رئيس الجمهورية بالذات لدعم سلامة.

قبل تناول المزاعم التي ساقها وزير المال غازي وزني عن علاقة للشركة المذكورة بالعدو الصهيوني، أو/ وبيهود يعملون فيها، لا بدّ من التذكير بوقائع في السياق نفسه وكلها تصبّ في اتجاهين لا ثالث لهما. الأول تبخرّ ودائع الناس في المصارف، وسرقة المال العام والتحويلات إلى الخارج. والثاني كيف يمكن خروج المنظومة السياسية بسلام من الانهيار الذي تسببت به.

التدقيق الجنائي يختلف عن التدقيق المحاسبي التقليدي. الثاني يدقق في الحسابات والأرقام والنتائج المالية وخلافها ويضع تقريره. أمّا الأول فينظر في كل السجلات والمستندات والقيود من جانب احتمال تجاوزات وإساءة استخدام القواعد المالية والمصرفية، وتنفيذ سياسات مشكوك في تكلفتها وآثارها على ميزانية مصرفية لبنان ويكشف النقاب عن الجهات المستفيدة وما إذا كان هناك تبييض أموال في المصرف وخلاف ذلك. وله أن يعود إلى سجلات مصرف لبنان والقيود الإلكترونية واستعادتها وتظهيرها من جديد وكشف المخفي منها والملغى. وتسمية الأطراف المستفيدة أفردًا ومصارف وشركات وقوى سياسية وغيرها. ولا شكّ أن الهندسات المالية واحدة من إجراءات سيركز عليها التدقيق الجنائي مع التحويلات المالية إلى الخارج القانونية التي لأصحابها حق التصرف بها، والأهم، تلك العائدة لسياسيين وقوى نافذة ومساهمي المصارف ومديريها. والأرجح ألّا يتوقف التدقيق هنا. بل مع الهيئة الخاصة لمكافحة تبييض الأموال وأموال الإرهاب غير المقيدّة بالسريّة المصرفية في حال وجود شبهة تبييض أموال. ولجنة الرقابة على المصارف. ولاكتمال التدقيق الجنائي لا بد من الانعطاف على المالية العامة وعلاقة مصرف لبنان بتمويل الدولة. بعد اكتمال التحقيق تتظهّر حقيقة المقاربات التي اعتمدتها الحكومة لتقدير الخسائر وتلك التي اعتمدها مصرف لبنان ومعه رئيس مجلس النواب نبيه برّي ورئيس لجنة المال والموازنة النيابية إبراهيم كنعان وجمعية مصارف لبنان. وكل مقاربة تقود إلى نتائج محددة سلفًا لتوزيع الخسائر وحصة المودعين منها. ولو على الورق من دون استعادة الأموال المنهوبة. من يجسر من المنظومة السياسية على تقبل نتائج التدقيق لو حدّد المسؤوليات وحجم الخسائر الفعلية؟ حاكم مصرف لبنان لن يقبل أن يكون "خروف العيد". قلناها قبل سنتين من الانهيار. لديه على رأس مصرف لبنان، والهيئة المصرفية الخاصة، والهيئة المصرفية العليا وهيئة الأسواق المالية كل التفاصيل. حتى يوم أمس يقول رئيس الحكومة حسّان دياب بأن الملفّات المالية تُحجب عن الحكومة. وكلام كبير جدًا يحتاج إلى تحرك قضائي حتى لو حجر رئيس الجمهورية على مرسوم التشكيلات القضائية. ألا تحتاج "كل المؤامرت التي تحدث عنها دياب لتشكل إخبارًا للقضاء وقت ينهار فيه البلد ونقترب من الفوضى؟

كونترول بلا كابيتال!
من الالتباسات مثلًا لماذا لم يصدر قانون القيود على التحويلات إلى الخارج، الكابيتال كونترول؟ بدأت الحكومة إعداد مشروع قانون أحبطه رئيس مجلس النواب قبل وصوله إلى المجلس. أذعن وزير المال غازي وزني وتبعته الحكومة. الآن يريدون القانون بعد أن طار الكابيتال ليبقى الكونترول! التدقيق الجنائي يفترض أن يميط اللثام عن قضية تحويلات الأموال المشتبهة. مَن من المنظومة مستعد لتحمل النتائج؟

حكاية قصّ الودائع Haircut تشبه حكاية الكابيتال كونترول. لا مسّ بالودائع يقول المسؤولون. لم يعد يوجد شعر ليُقصّ. يوجد الرأس الآن.. كل المودعين البؤساء يسألون عن حقوقهم. ببساطة، الأموال النقدية الدولار الأميركي والعملات الأجنبية التي حُولت إلى الخارج كانت أموالًا مادية حقيقية. الباقي اليسير في مصرف لبنان لا أحد يعلم مقداره سوى حاكم المصرف. ويفترض أقلّ من 20 مليار دولار أميركي. موجود جزء مادي حقيقي يسير في المصارف والباقي قيود دفترية في انتظار سداد مصرف لبنان ديون المصارف وتوظيفاتها. والدولة لسداد ديون المصارف ومصرف لبنان معًا.  

"العدو يشوه سمعتنا"..
ضد التحقيق الجنائي "لأن الشركة المكلّفة تتعامل مع العدو الصهيوني".. جيد ولا جدال في الأمر. قرار تكليف شركات ثلاث التدقيق المالي والجنائي نام نحو ثلاثة شهور. فجأة إسرائيل على الخط. كلّفوا غيرها. لا. صار المطلوب من لبنان في لحظات انهياره دولة، وتفسخه مجتمعًا ومهانة إنسانية، أن يستقصي عن اليهود المنتشرين في كل المؤسسات المالية والمصرفية والتجارية ومراكز البحوث في العالم. تابعوا هذه الأرجوفة في سيناريو الهروب من الحقيقة والإنقاذ ومحاسبة عصابة الأشرار. لبنان ليس في وسعه التأكد باليقين من عدم وجود يهود في المنظمات ذوات الصلة. حسنًا ظهر هذا "الاكتشاف اليوم". لو جاء بعد إنجاز الشركة مهمّتها لصلبوها على المشجب الصهيوني. "واسرائيل تشوه سمعة المنظومة الأوليغارشية"..

من قال أن كل يهودي في العالم هو إسرائيلي وصهيوني بالضرورة؟ اسرائيل وحدها تقول ذلك. وكل ما تقوم به من إجراءات ليعترف العرب والعالم بيهودية دولتها. ماذا يريد العدو أكثر؟

لنقلب الصفحة. معظم العلامات التجارية الموجودة في السوق اللبنانية لها أفرع ومراكز رئيسة في اسرائيل. ومنتشرة في الأسواق العالمية الاستهلاكية والمالية والمصرفية وتكنولوجيا المعلومات. إذا كان الأمر كذلك، لماذا لا نتسقطّ الانتماء الديني وجنسية خبراء صندوق النقد الدولي الذين يفاوضوننا بناء على طلب الحكومة اللبنانية للحصول على برنامج قروض ميسّرة؟ وفي الطريق، نمر على ذرّية المشاركين في مؤتمر سيدر للتحقق من خلفياتهم ونطلب إليهم أن ينسوا 10,8 مليارات دولار أميركي قروضًا وهبة لضمان القروض. هل تأكدنا من سلالة خبراء ماكينزي ولازارد قبل تكليف الأولى بدراسة عن الاقتصاد اللبناني. والثانية بعمل استشاري للحكومة. لماذا لا نتأكدّ من أن المصارف المراسلة التي تفتح لنا حسابات الاعتماد والاستيراد لنحو 80 في المئة من استهلاكنا لا علاقة لها بإسرائيل واليهود أسهمًا مباشرة أم إدارة وخلافها. وبذرية روتشيلد وروكفلر؟ ماذا عن الشركات المتعددة الجنسيات التي تعمل في العالم بإجازات صناعية وتجارية وخدمية ودوائية وتكنولوجية وتشرّع بعلاماتها التجارية شركات مساهمة وطنية بينها لبنان؟ خِيطوا بغير هذه المِسلّة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها