آخر تحديث:21:40(بيروت)
الأحد 26/07/2020
share

يدٌ من مازوت تقبض على الجنوب

خضر حسان | الأحد 26/07/2020
شارك المقال :
يدٌ من مازوت تقبض على الجنوب المازوت وصل إلى المحطات وسيباع بالسعر الرسمي (خليل حسن)
من الخفاء إلى العلن، خرجت مؤشرات تورّط أشخاص بارزين في منطقة الجنوب، بفضيحة تخزين المازوت والمساهمة بخلق سوق سوداء، فيما أهل الجنوب كما كل اللبنانيين، يتنقّلون بين محطة محروقات وأخرى للحصول على المازوت. وتدور تلك الأحداث وسط إخلال الدولة بواجبها لجهة تأمين المازوت بالوقت والمواصفات المناسبين، لتشغيل معامل الكهرباء وإمداد أصحاب مولّدات الكهرباء، لتفادي التقنين.

خصوصية الجنوب
ما يعيشه الجنوب، يشهده اللبنانيون جميعاً. لكنّ الثنائي الشيعي يصرّ على تسليط الضوء على الجنوب دائماً، لما له من خصوصيةٍ فرضها الاحتلال الاسرائيلي، وتحوَّلَت إلى حالة مَرَضية بعده. وكأنّ الضحية تكيَّفَت مع مرضِها، فاستساغته.

والحال، أنّ محاولة الثنائي استعطاف الآخرين بخصوصية الجنوب ومعاناته، وبسيمفونية تخلّي الدولة عنه، أصبحت ورقة إدانة للثنائي. فالخصوصية وابتعاد الدولة، حوّلت الثنائي الى دولة في الجنوب، حتى أصبح الجنوب فعلياً ذا خصوصية من نوعٍ آخر.

الخصوصية التي أصبحت كقميص عثمان، تُستَحضَر في كل مناسبة. ويشهَد لها الأنصار بحجة الاستضعاف الذي يبدو وكأنه أصبح أبدياً، وهُم فعلاً مُستَضعَفين، فقد تبَدَّلَ المُستَضعِف، ليس إلاّ.

لأزمة المازوت حصّة في الخصوصية والاستضعاف. فاستُضعِفَ أهل الجنوب ولم يتأمَّن لهم المازوت، فيما أقلية حزبية تخزّن ملايين الليترات، بغطاء قيادات عليا تجاور أسماءً مقدّسة في شرع السياسة الثنائية. قيادات تجلس في مقدّمة الحشود في المناسبات الحزبية والدينية، وتستحضر أسماء الشهداء والأنبياء، فتلطّخها بالمازوت.

في معرض تخزين المازوت وحماية مخزّنيها، فاتَ القيادات العليا للثنائي، أن الصهاريج الخارجة من منشآت الزهراني، تمرّ أمام نصب شهيد المقاومة بلال فحص الذي وصفَ نبيه برّي يده يوماً بأنها "يدٌ من أوار تقبض على الجنوب". هذه اليد تراقب يومياً خروج صهاريج تُذِل الجنوبيين. صهاريج تُسجَّل جزءاً من حمولتها وهمياً على الفواتير، لتُباع في السوق السوداء بضعف سعرها الرسمي، ويُقنَّن بيع الجزء "الشرعي" منها في المحطات.

واللافت أن أصحاب المولدات المؤيّدين بغالبيتهم للثنائي، يعترضون على تقنين المازوت وارتفاع أسعاره وانقطاعه من المحطات. ومع ذلك، لا يجرؤون على رفع الصوت وإخراجه الى ما بعد حدود أعتاب المنازل، التي تتحوّلت إلى الحدّ الفاصل بين النطق بالحق ونصرة الباطل.

إنفراج وشهادات إدانة
النقص الحاد في تأمين المازوت بدأ ينحسر بالتزامن مع نشر أسماء المتورطين بتخزين المازوت، وكأنّ أوامر من القصور والمراكز نزلت من عليائها باتجاه المتورّطين، لتلجم شراهَتَهم. ليست الأوامر اعتراضاً على الممارسات الميليشياوية، بل اعتراضاً على علانية الممارسات، وعدم احترامها لطقوس الاختباء بعباءة الدولة.

وعليه، يؤكد أحد أصحاب محطات المحروقات في منطقة صور، الى أن "خزانات المحطات امتلأت بالمازوت، وسيتم البيع وفق السعر الرسمي". لكنه يشير في حديث لـ"المدن"، إلى أن "لا شيء مضموناً، لا لناحية استمرار تأمين الكميات المطلوبة ولا الالتزام بالسعر الرسمي. فكل شيء خاضع لأصحاب النفوذ، بدءاً من منشآت النفط وصولاً الى أصحاب المحطات الكبار والمؤثرين في السوق، فضلاً عن قرارات الشخصيات السياسية النافذة".

ما حصل على مدى نحو أسبوعين من أزمة خانقة وواضحة فيما يخص المازوت في الجنوب، جرى الاعتراف به بشكل غير مباشر من قِبَل وزير الطاقة ريمون غجر وإدارة منشآت النفط في الزهراني. والاعتراف اتّخذ شكل التناقض الذي أوقَعَ الجهات المعنية.

فالوزير صرَّح بوجود عمليات بيع للمازوت، تتم بين الأشخاص، وليس من شركة إلى محطّة. أما إدارة منشآت النفط فأكدت أنها تقوم "بتزويد بطاقات الحصص اليومية لكل شركة توزيع ووجهة التفريغ وجداول التوزيع التفصيلية، إلى قيادة الأمن العام، التي بناءً عليها، تحركت لضبط الكميات ومنع التخزين وكسر أسعار السوق السوداء. وعليه، فتوزيع 16 مليون ليتر عبر 160 شركة وجهتها كل لبنان، يؤكد يقيناً بما لا يقبل الشك أو التضليل الذي يمارسه البعض، أن القرار محسوم مطلقاً بضرب الاحتكار وأصحابه، مع التعويل كثيراً على دور الأجهزة الأمنية كافة، التي باتت مكاتبها متوفرة داخل حرم المنشآت".
وهذا التأكيد يعني وجود عمليات احتكار وتخزين. وبالطبع، لا تبدأ العمليات من العدم، بل من منبع المازوت، وهو المنشآت. ومع ذلك، لم يتحرك أي جهاز قضائي أو أمني على مستوى رسمي، للكشف عن حقيقة تفاصيل عمليات التخزين. ولم يتم استدعاء أيٌ من الأسماء التي ذُكِرَت، وإن لشرب فنجان قهوة كالذي يُستدعى الناشطون لشربه كلما شرقت شمسٌ وغربت أخرى. فلربما كان اختصاص المعنيين، يقتصر على الناشطين دون غيرهم؟

من منشآت الزهراني تتفرّع أيادٍ بمختلف الاتجاهات. أيادٍ كَفَّتْ يَدَ الأوار وأطلقَت يد المازوت لتقبض على الجنوب. وبالتوازي، استراحت الحناجر التي صدحت مطوّلاً بشعار "هيهات منّا الذلّة"، فغرغرة المازوت صداها أقوى.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها