آخر تحديث:16:56(بيروت)
الثلاثاء 21/07/2020
share

"السلة المدعومة" مثقوبة: تفاصيل لعبة الاحتكار لرفع الأسعار

وليد حسين | الثلاثاء 21/07/2020
شارك المقال :
"السلة المدعومة" مثقوبة: تفاصيل لعبة الاحتكار لرفع الأسعار يقول بعض التجار إن المستوردين يتمنعون عن تسليم البضائع المدعومة (Getty)
سلة المواد الغذائية والسلع المدعومة من مصرف لبنان، على سعر صرف الدولار 3900 ليرة (كان السعر قبل 7 تموز 3200)، مخرومة ومثقوبة باحتكار التجار والمستوردين والتلاعب بالأسعار. فيتعهد المستورد بسعر ويبيع تجار التجزئة بسعر مختلف، ويخزن ما تيسر منها لبيعها لاحقاً بسعر أعلى.

التعهد وخرقه
على التاجر المستورد من الخارج كتابة تعهد في وزارة الاقتصاد بالسعر النهائي المعتمد للسلع عندما توضع على الرفوف، في المحال الاستهلاكية، أو السعر الذي يسلمه لتجار المفرق. تتحقق الوزارة من التجار بمراقبتها الأسعار وتتصل بالزبائن (تمتلك لائحة بهم يضعها المستورد في ملف طلب الدعم) وترسل مراقبين. وفي حال وجدت أي تلاعب، تضع المستورد على اللائحة السوداء، وفق ما أبلغ الموظفون المعنيون في الوزارة "المدن". 

لكن ما حصل مع بعض تجار المفرق يعاكس هذا الواقع. يقول بعض التجار إن المستوردين يتمنعون عن تسليم البضائع المدعومة، إما لاحتكارها في المستودعات أو لفرض أسعار مغايرة عن تلك التي يتعهدون بها في وزارة الاقتصاد. واشتكى بعضهم من شركة "كاتارو" لصاحبها كمال القاعي في منطقة المتن.

وفي التفاصيل، استوردت الشركة المذكورة شحنة ذرة تستخدم للأعلاف، ففرغت منها حمولة 8 آلاف طن، قبل أيام قليلة، في إهراءات مرفأ بيروت. أتت الشحنة من الأرجنتين على متن باخرة AMERA EMAN. وحصلت الشركة على موافقة وزارة الاقتصاد بتسليمها للتجار والمزارع بسعر 750 ألف ليرة للطن، كما تعهدت الشركة، التي عمدت إلى بيع الطن بمليون و50 ألف ليرة.

الوزارة تتنصل
بعض التجار رفضوا هذا السعر واشتكوا لوزارة الاقتصاد، فكان الجواب أن الوزارة لا تتدخل بثمن النقليات التي يتكبدها المستورد. علماً أن ثمن نقل الطن الواحد من بيروت إلى البقاع أو إلى صور يقدر بنحو 8 دولار، وعلى سعر صرف ألفي ليرة. ما يعني أن حمولة شاحنة بنحو 27 طن، لا تتخطى تكلفتها نحو 400 ألف ليرة. فيما ترفع هذه الشركة سعر الطن من 750 ألف ليرة إلى مليون و50 ألف ليرة، ما يجعل كلفة نقل الشاحنة أكثر من 8 ملايين ليرة. وهذا سعر مفتعل وكاذب للنقل، وغير موجود بتاتاً.

في التواصل مع وزارة الاقتصاد، تبين أن الشركة حصلت على موافقة ثانية للبيع بسعر 975 ألف ليرة للطن، كعطل وضرر عن تأخير البضاعة في الباخرة، لأن مصرف لبنان تأخر بتحويل الدولار للخارج.

الوزارة لا تتدخل بسعر تسليم المستورد بضاعته للتجار، بل بالسعر النهائي للسلع. وتحققت الوزارة من أن الشركة تسلم المزارعين والتجار في الإهراءات على السعر الرسمي. وعن الشكوى من عدم إقدامها على تسليم البضائع بحجة نفاذها، ردت الوزارة أن هناك حلولاً قريبة لهذه المشاكل. وتعهدت وزارة الزراعة بتسلم الأمر. وستمنح المزارعين "بونات" شراء لتفادي المشاكل مع المستوردين. وأكدت أن شكاوى تصلها من تجار لا يستلمون الكميات التي يرغبون بها. وعندما تتحقق من الأمر على الأرض تكتشف أنها مجرد افتراءات.

بين الاستيراد و"المركزي"
في تواصلنا مع صاحب الشركة، القاعي، اعتبر أن هذه الشكاوى كذب وتلفيق. وعن السعر الذي يفترض أن يعتمده في التسليم، أي 750 ألف ليرة للطن، قال أن السعر قديم وبات اليوم على دولار 3900 ليرة، وفق تعميم مصرف لبنان الجديد.

وعندما سألنا أن الشركة أخذت الموافقة قبل 7 تموز، أي على سعر 3200 قال: "لن نستورد بعد اليوم بضائع مدعومة. هذه لم تعد مصلحة مفيدة. تقف الباخرة 15 يوماً في المرفأ وندفع عليها غرامات تأخير نقداً من جيبنا والمصرف يتقاضى 5 بالألف على السحوبات. ووزارة الاقتصاد لم تأخذ هذه المشاكل بعين الاعتبار. لقد تعهدنا ببيع الطن على سعر 975 ألف ليرة ونبيع بسعر 975 ليرة. ونملك كل الأوراق والتحاويل والفواتير. المستوردون يعانون كثيراً. فعلينا الركض للتوسط هنا وهناك. ولا نوفر مسؤولاً وواسطة كي يحول مصرف لبنان الأموال. وتتأخر الباخرة لأكثر من 15 يوماً وندفع نحن غرامات التأخير".

وأضاف شاكياً: "لقد وزعت الشركة شحنة 8 آلاف طن على الزبائن. وشركتنا الوحيدة التي تسلم الزبائن في لبنان، بينما كل الشركات الباقية أخذت الدولار المدعوم وتقوم بتخزين البضائع. بضائعنا في الإهراءات. ولم يطلب أي زبون أو مزارع ولم نسلمه. لكن إذا نفذت البضاعة كلها، ماذا استطيع أن أفعل؟"

وسألناه عن أن بعض التجار اتصلوا به منذ يومين، أي عندما فرّغت الحمولة بالإهراءات، وقال لهم باتت نافذة. فهل يعقل هذا الأمر؟ أجاب: "مصرف لبنان يطلب منك وضع المبلغ "كاش" في المصرف الذي تتعامل معه. لذا بعت البضاعة قبل تفريغها وقبضت ثمنها كاش من المزارعين قبل التسليم، كي أتمكن من وضع الأموال في المصرف، كي يحولها بدوره إلى مصرف لبنان وتحويلها إلى دولار".

وسألنا هل تمكنت من بيعها بهذه السرعة؟ أجاب نعم. "لأن كل الزبائن يهرعون للشراء على السعر المدعوم. لكنني لا استطيع كفاية السوق اللبناني بالذرة. فهو يحتاج إلى نحو 50 الف طن بالشهر. ولم تأتِ البضائع لأحد غير شركتي. ابتعت 14 ألف طن فقط. والمزارع الذي كان يشتري طناً بات يشتري اثنين اليوم على السعر المدعوم، وهكذا دواليك. بينما في السابق كانت باخرة الـ8 الاف طن تبقى شهرين ولا تباع".

وأضاف شاكياً: "ثمن الشحنة مليون و600 ألف دولار. وعلي تأمين ما يعادل هذا المبلغ باللبناني على سعر الصرف وإيداعه نقداً في البنك. وقد طلب الأخير تأمين 16 ألف دولار نقدي لتسليمي الأموال. وبعد مفاوضات وأخذ ورد قبل في النهاية بخمسة آلاف دولار فقط. أضف إلى ذلك كشف حساباتي الذي يكلفني نحو 6 آلاف دولار بالأسبوع، ما يعني أن كل طن ذرة يكلفني نحو 20 ألف ليرة غير محسوبة بالكلفة وبالسعر الذي اتعهد به لوزارة الاقتصاد".

تجار المفرق
عاودنا التواصل مع التجار، فأكدوا زيف ادعائه. ولفتوا إلى أن المستوردين يتذرعون كل مرة بغرامات التأخير لرفع سعر التسليم على ما أقرته وزارة الاقتصاد.

ولفتوا إلى أن السوق اللبناني لا يحتاج سنوياً لأكثر من 300 ألف طن، ما يعني أنه يرمي أرقاماً عشوائية للتذرع بنفاذ البضائع عنده فحسب. كما أنه غير صحيح أن باقي المستوردين لم يأتوا بالذرة إلى لبنان، وأن شركته الوحيدة التي تلبي السوق. فشركات حطيط تسلمت 5 آلاف طن وشركة جورج مونس تسلمت 5 آلاف طن أيضاً، وهذه الأرقام منشورة على صفحات وزارة الاقتصاد، وهذا ليس سراً.

وكشفوا عن أنه عندما يدعي أنه دفع رسوم تأخير للباخرة بنحو 110 آلاف دولار، وحصل على موافقة جديدة من وزارة الاقتصاد، فهذا يعني أنه انتظر مصرف لبنان كي يحول اللبناني إلى الدولار وشراء البضاعة. بالتالي ليس عليه تكبد غرامات سحب الأموال النقدية التي تفرضها المصارف والتي تصل إلى العشرة بالألف. وعندما ترفض الباخرة تفريغ الحمولة إلا بعد قبض ثمن الشحنة، فهذا يعني أن الشركة حولت الأموال عبر مصرف لبنان. وليس من غرامة على التحويل عشرة بالألف. هذه الغرامات على سحب الأموال السائلة (النقدية).


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها