آخر تحديث:00:18(بيروت)
الإثنين 20/07/2020
share

وليمةُ السّطوِ على الدولة

عصام الجردي | الإثنين 20/07/2020
شارك المقال :
وليمةُ السّطوِ على الدولة خسائر "المركزي" نحو 49 مليار دولار أميركي، وهي الفجوة الأكبر في الأزمة المالية والمصرفية (غيتي)
هل خطر في بال أحد أن تقف المنظومة السياسية الزبائنية والمالية ضد صندوق النقد الدولي؟ لم يحصل هذا فقط. بل يلتفّ لبنان على كل المؤسسات الدولية وبيوت الخبرة والاستشارات والمؤسسات ذوات الصلة بالرقابة المالية والمحاسبة الدولية والتدقيق. الحكومة تعيد النظر بتقرير شركة لازارد الاستشارية التي تعاقدت معها لمساعدتها في ملف الديون الخارجية والداخلية وتقديم اقتراحاتها في هذا المجال، بعدما أحبط رئيس مجلس النواب نبيه برّي ولجنة المال والموازنة النيابية برئاسة ابراهيم كنعان، خطة الحكومة قبل وصولها إلى المجلس.

الحكومة ضد شركة Kroll للتدقيق الجنائي بدعوى تعاونها مع العدو الإسرائيلي. ولم تتمكّن بعد من اختيار شركة بديلة. مصرف لبنان لا يعترف بسريان معيار مجلس معايير المحاسبة الدولية IFRS 9. الذي دخل حيز التنفيذ في كانون الثاني 2018، ويحدد كيفية تصنيف الموجودات المالية والمطلوبات وقياسها. ويفرض الاعتراف بمخصصات خسائر الائتمان حين الاعتراف الأولي بالموجودات المالية. بينما بموجب معيار المحاسبة الدولي السابق 39، يتم إثبات الخفض في القيمة في مرحلة لاحقة، عندما يكون هناك خسارة في الائتمان. دعوى مصرف لبنان أن للمصارف المركزية نموذجًا آخر يختلف عن المعيار المذكور المطبّق على المصارف التجارية. خسائر مصرف لبنان من نحو 49 مليار دولار أميركي هي الفجوة الأكبر في الأزمة المالية والمصرفية. ويرى حاكم المصرف رياض سلامة جواز ترحيل الخسائر إلى سنوات لاحقة يحقق فيها مصرف لبنان أرباحًا مفترضة. السؤال متى؟ وحلّ مشكلة خسائر مصرف لبنان مفتاح  أساس مشكلة خسائر القطاع المصرفي. وجهة النظر هذه مخالفة لوجهة نظر صندوق النقد الدولي ومصارف مركزية دولية كبيرة. وكتبنا عن هذا الموضوع في حينه.

تفريغ الودائع
كل خطاب المجتمع المالي الدولي، والحوكمة، والشفافية، والمصارف المراسلة، ووجوب عدم عزل لبنان عنها، سقطت للتوّ. وظنّي أن الجدل العقيم والرياء السياسي والمالي سيستمرّ، حتى تتخفّف حسابات المصارف من الودائع الدولارية لقاء ليرَلة الودائع Lirafication أو الـ"لولار" كما يوصف اليوم. أو تعطى شيكات مصرفية دولارية لشراء عقارات، يمكن أن تؤول إلى ارتفاع أسعارها بعد ركود سنوات. فترتفع معها قيمة الضمانات المحمولة على تسليفات المصارف للقطاع الخاص. ومعظمها ضمانات عقارية. المهم الخلاص من حقوق الناس وودائعهم. حتى اذا طال الوقت على هذا المنوال، واستمرّ معه اهتلاك سعر صرف الليرة، تتراجع قيمة الدين العام المقوّمة بالليرة، وتتراجع خسائر المصارف والدولة معًا. فتنتصر رؤية منظومة الأوليغارشيا لخسائر الفريقين. فهما فريق واحد في الأصل.

عبثًا نرى ملمحًا من ملامح حكومة دفنت خطتها باذلال. ورئيسها حسّان دياب باق في الحكومة "لأن الحكومة البديلة ليست جاهزة. وسنستمرّ في تصريف الاعمال لسنة أو ربما لسنتين، وهذه جريمة بحقّ البلد واللبنانيين على ما قال. أهم ما يُحفظ لرئيس الحكومة إعلانه على الملأ أن خطّة التعافي المالية لن تمسّ 98 في المئة من الحسابات. وقد فُهم من كلامه أنّ الخطّة ستطال شريحة الودائع المليونية والمليارية خصوصًا، لسداد فجوة من نحو 64 مليار دولار أميركي. هذه الشرائح هي التي راكمت المنافع والأرباح من الفوائد والهندسات المالية. ومن اقتطاع حقوق الخزانة والدولة وحيازاتها ومؤسساتها. تربّحت من آلام العجز والدين. هناك تبييض أموال في كل مؤسسات الدولة الرابحة تحوّلت إلى الخارج. كل زعماء هذه المنظومة الوقحة الذين لهم زبائن على رأس تلك المؤسسات العامة والمصالح المستقلة وفي إداراتها، شركاء في تبييض الأموال. وكان يجب بموجب قوانين الهيئة الخاصة لمكافحة تبييض الأموال وأموال الإرهاب، الحجز على ودائعهم وإخطار النيابة العامة التمييزية بهم، قبل أن يحولوا أموالهم إلى الخارج، ونروح نبحث عن خفض الخسائر بليرّلة الودائع. وطوفان النقد بالليرة يؤمنه مصرف لبنان من سعر الصرف وقوة الأجور الشرائية. ويصادر خلافًا للقانون والدستور حوالات العملة الأجنبية التي تدخل  لبنان. وكأنّه يقول لأصحابها مراسلين ومتلقين، إمّا أن  تكفّوا عن إرسال المال أو تشحنوا عائلاتكم إلى ما وراء البحار والجزيرة العربية. نهجس الآن بتفاقم خطر جائحة كورونا بأكثر ممّا يفرج عنه لوسائل الاعلام. مطار رفيق الحريري هو المصدر الأساسي للعملات الأجنبية تنقل محمولة باليد لوقايتها. لو فرضت "حكومة الأمر الواقع" أي إجراءات ستكون قيد البحث اليوم على حركة المطار، عليها أن تتحسّب لجائحة سعر صرف يتفلّت من قيوده.

الدجاجة بعد البيض!
طعام الوضيمة يغلي الآن تحت قِدر الوليمة من أصول الدولة وحيازاتها وموجوداتها لتغطية الخسائر. "نواب الأمة جمعاء" تكفّلوا الأمر من دون أن يكلّفوا أنفسهم عبء جلسة تنعقد لمواجهة الانهيار. أكلوا البيض عقودًا. يريدون أكل الدجاجة الآن.
استفزّني ما قرأت لصديق قديم يعمل بالعقل والبحوث في أحد المصارف الكبيرة. "الدولة تعسّرت اليوم عن سداد ديونها بالعملات الأجنبية، وعندما يتعسّر المدين، لا يطالب الدائن بأمواله، وإنمّا يصفّي ممتلكات المدين. علماً أنّ الدولة اللبنانية لديها موجودات تغطي تقريبًا مطلوباتها الاجمالية". نردّ على المصرفي والأستاذ الجامعي، كي لا يبلغ الشطط طلّابه. ودائع الناس ضمن بند "المطلوبات" في ميزانية المصارف. وهي المدين في مثل هذه الحال. الدائن هو المودع. المصارف توقفت عن الدفع. لو امتثل المودعون لما تقول لحقّ لهم دائنين تصفية المدين للحصول على حقوقهم؟ لماذا تحيلونه على مدين أسوأ منكم، ولم تحفلوا لمخاطر السيولة ومخاطر الائتمان لقاء أرباح شبه ربوية؟ المصارف هي الوديع وليس الدولة..

نتوجّه الى رئيس الجمهورية ميشال عون. العين الآن على أصول الدولة لتغطية خسائر المنظومة الزبائنية. في تصريح أخير لك قلت "عبثًا نحاول محاربة الفساد اذا لم نجرِ التحقيقات المالية. لأننا لن نستطيع أن نصل إلى معرفة كيف هُدرت الأموال إن لم نقم بعملية التدقيق الجنائي في حساباتنا". الشعب يريد تنفيذ قرار جلسة مجلس الوزراء التي انعقدت برئاستك وتنفيذ التدقيق الجنائي في مصرف لبنان. وشمول القرار مؤسسة كهرباء لبنان والاتصالات وإنترا ومصرف التمويل والريجي ومجلس الإنماء والإعمار ومرفأ بيروت وكل الصناديق المشتبهة. نريد أن تفرج عن التشكيلات القضائية ويستقلّ القضاء. لا يُعقل هذا الكمّ من الفساد بحجم الانهيار والقضاء محجور عليه، ونستجدي استشارة من هنا ووكالة من هناك؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها