آخر تحديث:00:10(بيروت)
الجمعة 17/07/2020
share

المسؤوليات أولًا.. الهيكلة ثانيًا

عصام الجردي | الجمعة 17/07/2020
شارك المقال :
المسؤوليات أولًا.. الهيكلة ثانيًا الوفد المفاوض لا يملك أجوبة على أسئلة صندوق النقد الدولي (السرايا الحكومية)
من جديد نكتب التزامًا للحقيقة والتاريخ. هناك إجهاز على ما بقي من أموال المودعين وحقوقهم. الـHaircut انتهينا منه من زمان. الـHeadcut قائم الآن ومستمر من عصبة الأشرار. الـCapital Control ليس الفصل الأخير من جريمة التاريخ المشينة. يتقاذفونه بينما فرغت الودائع الدولارية الحقيقية إلّا من دفاتر المصارف. وهي مستمرة في تقنين الودائع حتى بالليرة التي يؤمنها مصرف لبنان غزيرة. 

وتبتكر المصارف كل يوم منتجات غريبة لإغراء المودعين وقلب ودائعهم الدفترية من الدولار الأميركي إلى الليرة، وإغداق الفوائد وربط الوديعة لسنوات مقبلة. و"الأعمار في يد الله". ومصرف لبنان فقد السيطرة إلّا على طبع العملة وباء قاتلًا لسعر صرفها وللرواتب والأجور والقوة الشرائية. سلّة السلع المدعومة بلغة وزير الاقتصاد الأقرب من "الكرشوني" تاهت على رفوف المخازن بين المدعوم وغير المدعوم. مصرف لبنان نفسه يشكّ في أن العملات المدعومة دولارًا أميركيًا ويورو تخصصها المصارف لغايتها. مجموعة من المصارف لجأت قبل فترة الى تحويل جزء من رواتب موظفيها بالليرة اللبنانية دولارًا أميركيًا على سعر 1515 ليرة لحماية الرواتب في الحدّ الأدنى، تبلّغت من حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بوقف التدبير بدعوى حصولها على الدولار الأميركي من مصرف لبنان.

الجميع ضد الصندوق
لنتابع ماذا يحصل مع صندوق النقد الدولي. كل "الضوضاء السيادية" التي قامت في وجه الصندوق كانت باطلة. كما توقعنا في مقالة سابقة اصطدم ما يسمّيه الصندوق اصلاحًا بامتيازات السلطة الطائفية وزراءً ونوّابًا ولوبي المال والمصارف. الحكومة ومجلس النوّاب، وخصوصًا لجنة المال والموازنة، والمصارف كانت مع الصندوق. المعارضون وفي مقدمهم "حزب الله" رفضوا المهمّة.
الآن انقلب الجميع ضد الصندوق بعد اصطدامه بعصبة الامتيازات الحرون في إثر سبع عشرة جولة من المفاوضات. وفوجئ الصندوق بأن مليارات الدولارات حُولت إلى الخارج. وكان مؤيدًا تقديرات الخسائر كما وردت في الخطة الحكومية.
وبحسب مرجع ثقة ذي صلة، فالصندوق يخشى التقليل عمدًا من الخسائر الفعلية لتعود وتظهر بعد الارتباط ببرنامج القروض الميسّرة وتجهض محاولة الإنقاذ. المرجع نفسه يقول إن دول مؤتمر سيدر تؤيد موقف الصندوق، خصوصًا أن نزف العملات الأجنبية مستمر حتى الساعة من أموال المودعين. "وبالتالي يجب البدء بنقطة محددة وواقعية للخسائر، يليها الشروع بلائحة الإصلاحات الجدّية ولو تدرجًا، ثم البرنامج وبعده تعهدات سيدر. وحين قال وزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان أمام مجلس الشيوخ ساعدونا لنساعدكم كان على عِلم بما يواجه مباحثات الصندوق من تعقيدات"، ختم المرجع.

الغريب أن الحكومة صاحبة الخطة لم تعد تقوى على الدفاع عنها في وجه القوى التي تعترضها. خصوصًا من المصارف ولجنة المال والموازنة النيابية المدعومة من رئيس المجلس وعدد كبير النوّاب. لكن جلسة واحدة للمجلس لم تعقد لمناقشة حقوق المودعين والانهيار المتدحرج. الأكثر غرابة، أن الكلام الخطير الذي أدلى به المدير العام لوزارة المال المستقيل ألان بيفاني في جلسة مجلس الوزراء لم يتفاعل في الجلسة ولا بعدها. فقط حمل مجلس الوزراء على التصويت الذي انتهى برفض الاستقالة بينما أصرّ بيفاني عليها.

على سمع صندوق النقد الدولي وبصره جاءت فضيحة الفيول أويل. وبعدها استحصاص طائفي لمجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان. ومحاولات تعديل القانون 462 المتعلق بقطاع الكهرباء لإفراغ الهيئة الناظمة من جدواها الوظيفية وتكريسها تحت سلطة وزير الطاقة والمياه. أي الالتفاف مسبقًا على أي إصلاح لقطاع الكهرباء الذي ورد في كل تقارير بعثات الصندوق الى لبنان. المعابر غير الشرعية والشرعية، لاسيما في مرفأ بيروت على حالها. وزير الطاقة والمياه يحذّر سلفًا من احتمال تبخّر كميات المازوت المستوردة أو تهريبها الى الخارج على ما قال في ظل أقسى تقنين كهربائي نواجهه منذ سنوات، ويشمل المولدات الكهربائية لحاجتها إلى مادة المازوت.
تخزين المازوت له حدود. وطاقة التخزين محدودة هي الأخرى لمادة قابلة للاشتعال وشديدة الخطورة في فصل الصيف. المادة تستخدم تجاريًا في مرافق صناعية وزراعية تقليدية. وعلى صلة بنشاط الاقتصاد. لم يفسّر لنا الوزير ولا حكومته كيف يمكن أن يزداد استهلاك المازوت نحو 17 في المئة بينما النمو الاقتصادي سالب في 2020 بنحو 12 في المئة حدًا أدنى.. علمًا، أن مساحات واسعة من الأراضي الصالحة للزراعة بقيت بوارًا نظرًا للتهريب من سوريا على المعابر الشرعية وغير الشرعية، وفي ظل ارتفاع تكلفة البذور والأدوية والتسميد. والمفاوض الحكومي مع الصندوق لا يملك أجوبة على مضبطة أسئلة ثقيلة يناقشها وفد الصندوق المفاوض. لكنها بديهية من وجهة نظره وواقعية لا تحتاج في الواقع سوى إلى تنفيذ القرارات والقوانين وإلى ارادة سياسية مفقودة. المعابر والجمارك والتهريب من بينها.

"الهيكلة مذكّرة"
لافتة كانت مذكرة حاكم مصرف لبنان تأليف لجنة إعادة هيكلة المصارف. ويؤمل أن يكون قرار كهذا لا بدّ منه في النهاية، منسقًا مع الحكومة لأنه يتصل بملف دين الدولة ومصرف لبنان والودائع وتوزيع الخسائر. وهذا ملف كبير يستبطن كل عناصر الأزمة وسبل الخروج منها. كما ومستقبل القطاع المصرفي في لبنان لاستعادة ثقة اللبنانيين أولًا والمستثمرين ثانيًا، التي تصدّعت بقوة وتحتاج إلى سنوات لتستعاد. بيد أن أمرًا جوهريًا يجب حسمه قبل إعادة الهيكلة وهو تحديد المسؤوليات في الانهيار المالي. فعليه سيتوقف توزيع الخسائر ومن سيبقى من المصارف في السوق ومن يحقّ له الدخول إلى القطاع في المستقبل.

القضاء متوقف عن العمل في تحديد المسؤوليات والمحاسبة إلى أن يفرج رئيس الجمهورية عن التشكيلات القضائية. ومجلس النوّاب لا رقابة ولا محاسبة. من هنا فالتدقيق الجنائي ضرورة لا غنى عنها في مصرف لبنان ووزارة المال والكهرباء ومؤسسات أخرى، لمعرفة ما إذا كانت كل تلك الخسائر المليارية، سواء في الخطة الحكومية أو في "لجنة تقصّي الحقائق" الشهيرة، ناجمة عن إعسار وتوقف عن الدفع وضياع حقوق المودعين لأسباب لها ما يسوّغها. الدولة تُجلد الآن من لدنها وهي المسؤولة الوحيدة عن الانهيار. وهذا ليس صحيحًا. لا قبل الانهيار ولا بعده. الدليل أن ما يحصل في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي مشهد غير مألوف. الصندوق يحاول جلاء الحقيقة في دولة قرّر لها الفاسدون أن تنهار ويطلبون التجديد لأنفسهم وامتيازاتهم.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها