آخر تحديث:18:43(بيروت)
الإثنين 13/07/2020
share

نار أسعار الغذاء وخراب سوق الألبسة: الدولار يحرق التجارة

خضر حسان | الإثنين 13/07/2020
شارك المقال :
نار أسعار الغذاء وخراب سوق الألبسة: الدولار يحرق التجارة التنزيلات التي تقدّمها محال الألبسة لا تغري الزبائن الذين فقدوا القدرة الشرائية (علي علوش)
الخروج من المنزل إلى السوق، يعني حُكماً الإصابة بصداع ارتفاع الأسعار، الذي لم يعد حكراً على الكماليات، وإنما أصاب السلع الأساسية، تماشياً مع الارتفاع الهائل لسعر صرف الدولار، بعدما تخطّى في بعض الأحيان العشرة آلاف ليرة للدولار الواحد، وانخفض في أحسن الأحوال إلى حدود السبعة آلاف ليرة.

غير أن أسعار السلع لم تنسجم يوماً مع الخط البياني لتسعير الدولار. علماً أن التجّار يبرّرون رفع الأسعار بارتفاع الدولار، متجاهلين انخفاضه. فالأسعار التي ترتفع دورياً على سلع جاثمة على رفوف المتاجر، لا تنخفض أبداً.
على أن هذه المعادلة لا تنطبق بكل جوانبها على جميع التجّار. فيجب التفريق هنا بين تجار المواد الغذائية وتجّار الثياب.

ثورة وكورونا ودولار
في عالم التجارة، لا يخسر التاجر أبداً، إلاّ في حال إصابته بظروف قاهرة، أو لعجزه عن إدارة شؤون تجارته. فالتجار يعرفون كيف يبيعون ويشترون، ويوزّعون أكلافهم وأرباحهم، بصورة تضمن ربحهم واستمرارهم، مهما خفّضوا أسعارهم وأوهموا الزبائن أنّهم يخسرون أو يبيعون بسعر الكلفة، في أحسن الأحوال.

مع تسارع الأحداث السياسية والاقتصادية في لبنان، بوتيرة غير مسبوقة، ولا تساعد التجّار والزبائن على حدّ سواء، في تقدير حجم التحوّل وترتيب الأمور وفقه، وقع الطرفان في مأزق لا أمل بالخروج منه في المستقبل القريب. بل إن مؤشرات تفاقم الوضع سوءاً هي التي تطغى على احتمال اجتراح الحلول.
لذلك، انعكس هذا التحوّل السلبي على أسعار السلع وعلى القدرة الشرائية للمواطنين. فتناسَبَت الأسعار والقدرة الشرائية عكسياً. وزاد جشع معظم التجّار. وغياب الحلول العلمية من قبل الدولة، فاقم الوضع. حتى ظَهَرَ الانقسام واضحاً بين أبناء السوق الواحد، وتحديداً بين تجّار المواد الغذائية وتجّار الثياب. وبالتأكيد، طال التغيّر باقي السلع كالأدوات المنزلية والمفروشات وغيرها، لكن تبقى المقارنة الأقرب لحاجات الناس، هي المواد الغذائية والثياب، لذلك تجوز ملاحظتهما أكثر من غيرهما.

تحلّق أسعار المواد الغذائية بلا ضابط إيقاع ينظّم ارتفاعها المتزايد والبعيد عن احتمال الانخفاض. والحجّة دائماً ارتفاع أسعار الدولار. فماذا عن انعكاسات انخفاضه؟ لا يلحظ التجّار الانخفاض، بل يربطونه باحتمال الارتفاع المُقبِل. فتقلّب أسعار الصرف ترفع هامش الخوف، وبدورها تبقى أسعار السلع محفوظة عند حدود مرتفعة، تحسّباً لشراء المواد بالحدود المرتفعة نفسها أو أكثر. فلسان حال تجار المواد الغذائية، يردد نغمة واحدة، وهي أن التجّار لا يمكنهم خفض أسعار المواد الغذائية بالتزامن مع انخفاض سعر الدولار، لأن البيع بسعر منخفض، سيقابله شراء مواد بسعر مرتفع حين يرتفع الدولار. فمن سيعوّض الخسائر حينها؟

هذه الخسائر لم تُسجَّل في دفاتر تجار المواد الغذائية في زمن انطلاق ثورة 17 تشرين الأول 2019، وكذلك مع انتشار فيروس كورونا، لأن حركة الاستهلاك لم تتوقّف، وأسعار السلع لم تتغيّر. ووحده سعر صرف الدولار تغير، وهو الذي قَلَبَ الصورة رأساً على عقب. ولتفادي الخسائر، رفع التجار أسعار موادهم، وهو ما يتناقض مع واقع تجّار الألبسة. فهؤلاء بدأوا بدفع الثمن منذ انطلاق الثورة، حين سبّب اقفال الطرق والأسواق، نكسة لدى تجار الألبسة. وزاد انتشار فيروس كورونا من معاناتهم، بعدما تراجعت حركة خروج الزبائن إلى الأسواق، نتيجة الاتجاه للتخفيف من حجم الاحتكاك بين الناس، تفادياً للاصابة بالفيروس.

معاناة من طرف واحد
الضربة القاضية لقطاع الألبسة، أتت من ناحية ارتفاع أسعار الدولار. إذ يُجمع تجّار الألبسة في مدينة صور، على أن ارتفاع أسعار الدولار شكّل انسداد الأفق بشكل محكم. فتجار الألبسة لا يمكنهم رفع أسعارهم بما يتناسب مع ارتفاع سعر صرف الدولار، لأن الزبائن لن يشتروا الثياب بأسعار أكثر من خيالية، خاصة وأن الثياب تُعتَبَر كماليات مقارنة مع المواد الغذائية. والزبائن يمكنهم تقنين شراء المواد الغذائية، فيما يمكنهم الامتناع عن شراء الثياب، والاكتفاء بما لديهم، على أمل تغيّر الأوضاع. وهذا ما حصل.

يعطي صاحب محل "يزبك" في صور، مؤشرات على عمق الأزمة التي يعانيها تجار الألبسة، وهم بمعظمهم تجار من المرتبتين الصغيرة والمتوسّطة. فيؤكّد أن "الكمية التي كانت تُستَورَد من تركيا شهرياً، لم يعد بالامكان استيرادها، لأنها لن تُباع. فأحوال الزبائن تبدّلت ولم يعد بامكانهم شراء الكميات التي كانوا يشترونها قبل ارتفاع أسعار الدولار. وفي الوقت عينه، لا يمكننا رفع أسعارنا كثيراً، إذ نحاول الحفاظ على بعض الحركة لنتمكّن من دفع ايجارات المحال وتحصيل المصروف".
يُلاحَظ بوضوح أن أسعار الألبسة ارتفعت بنسبة لا تقل عن 100 بالمئة، فيما ارتفعت أسعار بعض المواد الغذائية بما يفوق الـ300 بالمئة، وهذا يعني عدم التناسب كلياً بين واقع سوق المواد الغذائية وسوق الألبسة الذي يعاني من طرف واحد، فيما سوق المواد الغذائية يغطّي أكلافه وأرباحه من رفع الأسعار، والمعرفة المسبقة بأن الزبائن سيشترون المواد الغذائية مهما بلغت نسبة التقنين في شرائها.

الدولار هو الذريعة التي يرفعها التجّار في وجه الزبائن. لكن حقيقتها تليق أكثر بسوق الألبسة، حيث لم ترتفع الأسعار بشكل خيالي، على عكس تجار المواد الغذائية. ليكون الدولار في هذه الحالة، خصم التجّار والحكم الذي ينحاز لتجار المواد الغذائية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها