آخر تحديث:15:00(بيروت)
الأحد 12/07/2020
share

لماذا "التوجه شرقاً" تخريف اقتصادي وكذبة سياسية وخداع للبنانيين؟

علي نور | الأحد 12/07/2020
شارك المقال :
لماذا "التوجه شرقاً" تخريف اقتصادي وكذبة سياسية وخداع للبنانيين؟ أحوال لبنان تقول أن عائدات أي استثمار أجنبي فيه عرضة للضياع (علي علّوش)

بعد الاجتماعات البروتوكوليّة مع الوفد العراقي والسفير الصيني، انتقل ملف "التوجّه شرقاً" إلى بساط البحث في مجلس الوزراء، في محاولة لترجمة الطروحات التي تناولتها الاجتماعات في أفكار عمليّة قابلة للتطبيق. لكنّ على ما يبدو، سيكون هذا الملف بالتحديد مصدر إرباك لمجلس الوزراء، الذي يجد نفسه اليوم مضطرّاً إلى التعامل بجديّة، والبحث في طرق تنفيذ هذه المشاريع، رغم أنّ جميع المؤشّرات تدل على عدم واقعيّتها وابتعادها عن التعامل مع جذور الأزمة الماليّة في لبنان.

ببساطة، هناك داخل الحكومة نفسها من يرى اليوم أن مسألة التوجّه شرقاً باتت عبئاً على الحكومة، التي باتت مضطرّة اليوم إلى أن توازن بين إدراكها لعدم جدوى هذه المشاريع من جهة، وبين الضغوط السياسيّة التي تفرض عليها الاستمرار في التعامل الإيجابي مع هذه الطروحات من جهة أخرى.

ماذا نُبادل العراق؟
لعلّ ملف التعاون الاقتصادي العراقي اللبناني يمثّل اليوم أفضل مثال على هذا الارتباك. فالرهان الأوّل في هذا الملف، تركّز على إمكانيّة مبادلة بعض الصادرات اللبنانيّة بالنفط العراقي، في محاولة لتخفيف حاجة لبنان إلى العملة الصعبة لاستيراد المحروقات. وما إن انتهت اللقاءات مع الوفد العراقي، وانتقلت الحكومة اللبنانيّة إلى التفكير في طرق تنفيذ الفكرة، حتّى ظهر أن المشروع بأسره غير قابل للتنفيذ.

فالدولة اللبنانيّة، لا تملك فعليّاً مصانع أو مزارع تُنتج سلعاً يمكن مقايضتها في مقابل النفط العراقي. أمّا الشركات اللبنانيّة الخاصّة القليلة القادرة على تصدير المنتوجات، فهي حكماً غير مهتمّة باستبدال الدولار النقدي الذي تحصل عليه من عمليّات التصدير للخارج، بديون بالليرة على الدولة اللبنانيّة المتعثّرة، في حال أرادت الشركات تسليم منتوجاتها للدولة لتنفيذ المشروع.

وإذا إفترضنا أن الشركات اللبنانيّة ستوافق على هذه التضحية الغريبة، أو إذا قررت الدولة اللبنانيّة طباعة مزيد من النقد بالليرة لشراء هذه البضائع ومبادلتها مع العراق، فكيف ستستطيع الشركات اللبنانيّة تأمين الدولار النقدي، الذي كانت تحصل عليه من عمليات التصدير، لشراء المواد الأوّليّة؟ فدفعها نحو السوق السوداء لشراء الدولار لاستيراد المواد الأوليّة، سيعني تكبيدها خسائر لا يمكن تحمّلها، والتعويض عن المسألة عبر توفير دولار مدعوم من مصرف لبنان سيعني استنزاف الاحتياطي الموجود لدى المصرف المركزي. وهو ما يناقض هدف مشروع التبادل مع العراق بأسره.

الفكرة الثانية التي جرى التركيز عليها، كانت شراء النفط العراقي بتسهيلات تعطي لبنان فترة سماح تصل لحدود السنتين، قبل البدء بسداد المستحقات. وهذه الفكرة التي طرحها وتحمّس لها الجانب اللبناني خلال المحادثات، ستحتاج أوّلاً إلى موافقة السلطات العراقيّة. وهو ما سيصطدم بعراقيل كبيرة، خصوصاً كون المطروح هنا هو منح تسهيلات كبيرة بالدفع لدولة مازالت في مرحلة التعثّر غير المنظّم. مع العلم أن العراق يواجه أساساً مشاكل ماليّة واقتصاديّة، لا تسمح له بأن يكون في مصاف الدول التي تعقد الصفقات التي تنطوي على عطايا غير مبرّرة للدول الأخرى. وإذا وافقت الحكومة العراقيّة على هذه المسألة لاعتبارات سياسيّة، وهذا المستبعد، فمن المؤكّد أن الفكرة ستواجه برفض على المستوى الشعبي أو على مستوى البرلمان.

إشكاليّات التعامل مع الصين
من ناحية أخرى، تبدو الصين أكثر حذراً في ما يتعلّق بسبل التعاون الاقتصادي مع لبنان، وهي مازالت تنتظر مبادرة الطرف اللبناني في طرح أفكار أو مبادرات يمكن أن تأخذ موقفاً على أساسها. لكنّ بشكل عام، وبالنظر إلى طبيعة الأزمة التي تمر بها البلاد، من الواضح أن الحكومة لا تملك أن تقدّم سوى أفكار متعلّقة بمشاريع، تأخذ طابع الشراكة بين القطاعين العام الخاص، ووفق نموذج الـBOT نفسه الذي تحدّث عنه نصر الله في إحدى خطبه. وهذا النموذج يقوم كما هو معروف على إعطاء الشركات الصينيّة رخص تنفيذ مشاريع معيّنة في قطاعات محددة، على أن تقوم الشركات بالاستفادة من عوائد هذه الاستثمارات لفترة محددة من الزمن. وعمليّاً، تركّز الحديث حتّى الآن على أفكار عامّة تتعلّق بشبكة سكّة حديد تمتد على طول الساحل اللبناني وتربطه بسهل البقاع، بالإضافة إلى نفق يمر بجبل لبنان باتجاه البقاع أيضاً.

عمليّاً، يمكن القول إن ما يتم الحديث عنه من أفكار للعلاقة مع الصين، من خلال مشاريع الشراكة مع القطاع الخاص، شبيه بالعشرات من المشاريع التي جرى تناولها في إطار خطّة استثمار رأس المال التي أعدتها الحكومة قبل التوجّه إلى مؤتمر سيدر، والتي أثارت اهتمام عشرات الشركات الأجنبيّة وفي طليعتها الشركات الفرنسيّة والألمانيّة. مع العلم أن بعض هذه الشركات الألمانيّة قامت بالفعل بزيارات إلى لبنان بمرافقة المستشارة الألمانيّة، لمناقشة هذا النوع من الفرص الاستثماريّة.

وبإختصار، يمكن القول أن البلاد لا تملك مشكلة في الحصول على اهتمام المستثمرين الدوليين بهذا النوع من الفرص، وما يتم الحديث عنه الآن عن اهتمام صيني لا يقدّم أي جديد. لكنّ ما فرمل انطلاقة المشاريع في السابق، وما سيعيق المشاريع الصينيّة اليوم، ليس سوى الأزمة النقديّة القاسيّة التي تمر بها البلاد، والتي تجعل من عائدات أي استثمار أجنبي عرضة للضياع، بسبب تهاوي سعر الصرف المستمر وشح العملة الصعبة في البلاد.

باختصار أيضاً، لن تفكّر الشركات الصينيّة اليوم، ولا الشركات الألمانيّة أو الفرنسيّة التي بادرت إلى تقصّي المعلومات على مشارف مؤتمر سيدر، بالتوظيف في أي مشاريع قبل التوصّل إلى معالجتين: معالجة نقديّة تحمي قيمة الاستثمارات من مخاطر سعر الصرف وشح السيولة، ومعالجة ماليّة تضمن عدم تعثّر الدولة أو القطاع المالي في سداد الالتزامات التي قد تترتّب نتيجة هذه الاستثمارات.

بالتأكيد، وحسب مصادر حكوميّة مواكبة للملف، لن تمانع الشركات الشركات الصينيّة في الوقت الراهن بالقيام بجولات بروتوكوليّة، بالتنسيق مع سفارة بلادها في لبنان. خصوصاً أن هذه الشركات –كحال الشركات الأجنبيّة الأخرى- ستكون مهتمّة بمتابعة التطوّرات الاقتصاديّة لالتقاط الفرص فور توفّر الظروف المناسبة لذلك. لكنّ سلوك هذه الشركات سيتسم بالحذر في الوقت الراهن، وبالتحفّظ عن المبادرة إلى إطلاق أي مشاريع إلى أن تستقر الأمور على المستويين المالي والنقدي.

مع العلم أن المصادر نفسها تشير إلى أنّ الصين نفسها فرملت، خلال الأشهر الماضية، اندفاعها نحو الاستثمار في البنى التحتيّة في إطار "مبادرة الحزام والطريق"، التي أطلقتها منذ عام 2013، بعد أن تعرّضت هذه الاستثمارات إلى انتكاسات عديدة نتيجة الظروف الاقتصاديّة المتدهورة في العديد من دول العالم، بعد تفشّي وباء كورونا. كما لجمت الصين توسّع هذه المشاريع نتيجة انخفاض إنتاجها المحلّي، خصوصاً أن معظم هذه الاستثمارات في قطاع المواصلات، راهن على ربط الصين تجاريّاً بالعالم على طول طريق الحرير الشهير. وهو ما يعني انخفاض جدوى هذه الاستثمارات بالتوازي مع انخفاض الصادرات الصينيّة.

وبذلك، إذا كانت الخطط الصينيّة أصبحت متجهة نحو التحفّظ على مستوى العالم من ناحية الاستثمارات، وفي الدول التي تتمتّع بظروف اقتصاديّة وماليّة جيّدة مقارنة بالوضع اللبناني، فمن المؤكّد أن الصينيين لن يكونوا مهتمّين بالدخول في مغامرات مكلفة في السوق اللبنانيّة، خصوصاً في ظل عدم جلاء الأزمة الاقتصاديّة وتداعياتها.

العرض الإيراني: كلفة باهظة
في الوقت الراهن، يبدو من الواضح أن العرض الإيراني المتوقّع سيكون خارج حسابات الجميع. فإيران اليوم تعاني، وكحال معظم منتجي النفط حول العالم، من فائض المخزون. وإذا كانت أزمة النفط قد دفعت بعض المنتجين إلى عرض أسعار سلبيّة في السابق، أي الدفع إلى المشتري للتخلّص من المخزون، فإيران ستجد مصلحة حكماً في بيع النفط للبنان ولو بعملة لبنان المحليّة، التي يمكن استخدامها لاحقاً كبديل عن الدولارات التي ترسلها إيران كمال سياسي لبعض الأطراف في لبنان كحزب الله. العرض يصب إذاً في مصلحة إيران، خصوصاً أن التخلّص من المخزون وبأي كلفة يبقى أفضل وأقل كلفة من إيقاف عجلة الإنتاج في حقول النفط الإيرانيّة، وخصوصاً أن العقوبات على إيران تمثّل عامل ضاغط يُضاف إلى أزمة أسواق النفط التي يعاني منها جميع المنتجون.

لكن وبمعزل عن الحسابات الإيرانيّة، من المؤكّد أن ثمّة كلفة باهظة ستترتّب على لبنان في حال السير بهذا المشروع. فالعقوبات المتوقّعة في حال السير قدماً في هذا المشروع ستهدد ولوج لبنان إلى النظام المالي العالمي، مع العلم أن سيولة مصرف لبنان بالعملة الأجنبيّة، والتي تتخطّى قيمتها الـ20 مليار دولار، وما تبقى من موجودات خارجيّة للمصارف اللبنانيّة، موجودة بغالبيّتها الساحقة في الولايات المتحدة الأميركيّة. ولذا، كلفة المشروع تتخطّى بأشواط ما يمكن تحقيقه منه، وحتى الوفر المحقق الناتج عن شراء النفط الإيراني بالليرة، سيقابله تدني في حجم الدولارات التي كانت تدخل البلاد كمالٍ سياسي، والتي سيحل مكانها السيولة بالليرة اللبنانيّة التي تقاضتها إيران من هذه العمليّة.

وقت ضائع
في الوقت الراهن، ستستمر الحكومة بمناقشة هذه المشاريع، ولو كان معظم الوزراء لا يملكون الثقّة حقاً بإمكانيّة تحقيقها أو باتصالها بالأزمة القائمة. لكن كلفة هذا النوع من الطروحات غير الواقعيّة، ستكمن في الوقت الضائع الذي يستنزفه كل هذا المسار، في حين بات من الواضح أن الحكومة لا تملك فعليّاً أي طروحات جديّة أخرى قادرة على التعامل مع الأزمة القائمة.

في المقابل، يصر رئيس الحكومة حسّان دياب على المضي قدماً في هذا المسار، بالرغم من معرفته بكلفة الوقت الضائع، في مرحلة باتت تقاس فيها التطورات بالساعات والأيام. وفي الواقع، يبدو أن هذا السلوك مجرّد محاولة من رئيس الحكومة لاسترضاء أصحاب النفوذ الأكبر على الساحة السياسيّة اللبنانيّة، في محاولة لشراء الوقت لحكومته وإبقائها على قيد الحياة، بالرغم من فقدانها لكل أسباب البقاء في ظل الأزمة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها