آخر تحديث:00:05(بيروت)
الجمعة 10/07/2020
share

لماذا إصرار التيّار على الكهرباء؟

عصام الجردي | الجمعة 10/07/2020
شارك المقال :
لماذا إصرار التيّار على الكهرباء؟ إن إصلاحًا واحدًا حقيقيًا لا يُرجى من منظومة سياسية فاسدة (علي علّوش)

لا نعلم ماذا سيكون ردّ فعل صندوق النقد الدولي على استحصاص مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان. وتاليًا على الهيئة الناظمة للكهرباء، بعد إصرار كتلة التيّار العوني في مجلس النوّاب على تعديل القانون 462 المتعلق بتنظيم قطاع الكهرباء في الاتجاه الذي يبقي سيطرة وزير الطاقة والمياه على المؤسسة ومجلس إدارتها. لو رأى الصندوق أن التعديل هو خطوة إلى الوراء لتكريس الأمر الواقع في مؤسسة كهرباء لبنان، لأمكن القول أن الرحلة مع الصندوق شارفت خواتيمها.

إصلاح الكهرباء الشرط الأساسي بالأولوية للصندوق. لأن الكهرباء تجسّد ملف الفساد في لبنان كمًا ونوعًا. كمًا في حجم الأضرار الذي رتّبها الملف على العجز والدين العام. أكثر من 30 في المئة ونحو 50 في المئة تواليًا. ونوعًا في غياب التيّار الكهربائي مستدامًا على مدار الساعة. حاليًا تقنين قاسٍ مع المولدات الكهربائية الخاصة. والكهرباء أحد مصدَري الطاقة الإثنين في لبنان لا ثالث لهما. لأن الطاقة المتجدّدة المتاحة بيسر اثني عشر شهرًا في السنة من الشمس والرياح والنفايات ممنوعة في لبنان. مصدر الطاقة الثاني وهو الوقود والمحروقات السائلة، يتحّد مع المصدر الأول لاستيلاد الكهرباء ليكسر ظهر الخزانة وميزان المدفوعات. وهو وَكر كارتيل يتحكّم بمفاصل أزمة الكهرباء وخلفية البواخر، وحياة اللبنانيين، وحاجات محركات الاقتصاد في كل المرافق والقطاعات. لاسيما الصناعات التي تتطلّب الطاقة المكثّفة.

أمّ الفساد
الثقب الأسود في الكهرباء سياسي وإداري. مجلس إدارة المؤسسة وتعديل القانون 462 قبل تأليف الهيئة الناظمة يجسّدان حجم الفساد السياسي، أُمّ الفساد في لبنان ويلتصق به تلازمًا الفساد الإداري. وزير الطاقة والمياه "الإصلاحي والتغييري" ريمون غجر ينفذّ في مجلس الوزراء تعليمات رئيسه جبران باسيل. لا هيئة ناظمة للكهرباء تحدّ من سلطة الوزير على مؤسسة كهرباء وعلى مجلس الإدارة. ووزراء الوصاية على كل المصالح المستقلة التي تعمل بموجب قانون العمل لا سلطة عملانية لهم لا على مجالسها، ولا على هيئاتها الناظمة. لو كان الأمر خلافًا لذلك، لحقّ لكل الوزراء المعنيين أن يمارسوا دورًا مباشرًا على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وشركة إنترا للاستثمار، ومرفأ بيروت، والمياه، والنقل المشترك، والريجي، بما في ذلك روليت كازينو لبنان وغيرها من مؤسسات.

لكن لنسأل: لماذا إصرار التيّار العوني على فرض سيطرته المباشرة وقراره على مؤسسة حيوية حياتية، بينما يعترف سنوات عشرًا "لم يدعوننا نعمل" ويعترف بفشله؟ ولدى هذا التيّار رئاسة الجمهورية والكتلة النيابية الأكبر في مجلس النواب وأرجحية موصوفة في مجالس الوزراء. هل نتخيّل أن يصل التقنين الكهربائي القاسي إلى مستشفى رفيق الحريري الذي يتنكّب جهازه الطبي والتمريضي بتفانٍ وشجاعة، مواجهة أخطر وباء شهده لبنان وبنو البشر منذ الحرب العالمية الأولى 1914. الإجابة في الفساد السياسي تكمن. لأن "التيّار التغييري الإصلاحي في لبنان القوي" يعتقد أن وزارة الطاقة والمياه ومؤسستها التابعة كهرباء لبنان، معقودٌ لواؤهما على التيّار نفسه إلى أن يقضي الله أمرًا.. "ألا يستحق الأقوى في طائفته في نظام زبائني أن يحصل على مؤسسة ويمارس الظلم في الرعيّة عِطلًا في السويّة"؟ و"ها هو التيّار مقطوع عن كل الطوائف بلا تمييز.. ودين الكهرباء من نحو 50 مليار دولار أميركي مع فوائده نحن شركاء فيه ومتوجّب السداد على كل اللبنانيين مواطنين وزبائن.. فلماذا هذه الضوضاء والحرب الكونية ضدّنا"!

هذا فساد سياسي متبوع بفساد إداري في الضرورة. كل التدمير شبه المنهجي المالي والاقتصادي والاجتماعي والمدني الذي نجم عن ملف الكهرباء لم يستدع تحقيقًا إداريًا واحدًا قام به وزراء الطاقة المتعاقبون ولا تحقيقًا قضائيًا. المدير العام السابق لمؤسسة كهرباء لبنان جورج معوّض أعدّ تقريرًا في حقبة الرئيس السابق إميل لحّود وبناءً على طلب الثاني عن الإهدار المالي والفنّي، كشف فيه اللائحة الشهيرة بمئات الملايين متوجّبة السداد على عدد كبير من زعماء السياسة ومؤسساتهم وكرّازي الطوائف "والفقراء إلى ربهم تعالى".. بعد فترة صار معوّض خارج الخدمة ونُقل!

كاتم الأسرار..
يراد الآن في النسخة المنقّحة لكهرباء لبنان بدعوى "الإصلاح" إبقاء القديم على قِدمه. طبعًا، لأن الهيكل الإداري كاتم الأسرار، ويعمل من الباطن مع الفساد السياسي. فيكتمل الملف ويُحمى ويصان. سنتحامق ونسأل جبران باسيل الذي أتى إلى وزارة الطاقة والمياه في 2010. هل تتجرأ وتنشر نتائج التدقيق في ميزانية مؤسسة كهرباء على الملأ؟ عندما أتيت إلى الوزارة كانت هناك تقارير شركات تدقيق فيها تجاوزات مالية وإدارية خطيرة. ماذا فعلت؟ هل أحلتها إلى القضاء؟ لماذا لم تبدأ بسجل أبيض وشعارك "الإصلاح والتغيير"؟

لا يجوز أن يستحصل حزب أو تيّار أو حركة على وزارة، أو مديرية عامة، أو هيئة، أو مؤسسة يسجّلها باسم الطائفة ولو زورًا. هذا أخطر أنواع الفساد الإداري والمالي المؤسَّس سياسيًا الذي تواجهه البلاد. وقد بلغنا مرحلة الانهيار. تعديل القانون 462 يحتاج إلى مجلس النوّاب. كان رئيس المجلس نبيه برّي يردّد أن هناك مجموعة كبيرة من القوانين لا تنفّذها الحكومات. النائب ياسين جابر ونحسبه رصينًا، يقول أنها نحو 50 قانونًا. هناك كلام عن اتفاقات بين برّي وباسيل شملت الكهرباء وبدأت بمجلس الإدارة. لو احتاج القانون تعديلًا بالفعل، فلفكّ أسر كهرباء لبنان واللبنانيين من هيمنة أي فريق سياسي.

نقول ذلك موقنين في أن إصلاحًا واحدًا حقيقيًا لا يُرجى من منظومة سياسية فاسدة. وأن لا أمل بخلاص لبنان وبنيه على يد منظومة الأشرار. التدقيق الجنائي عُلّق على الشمّاعة الإسرائيلية. مؤسسة Kroll فيها إسرائيليون قالوا. راحوا إلى أخرى العلّة ذاتها، وكأننا نبحث عمدًا عن هذا الصنف من المؤسسات تحتمي بها المنظومة خارج التحقيق والعدالة. لو كانت الحكومة جادّة لاختارت شركة قبل أكثر من شهور ثلاثة قرّرت فيه التدقيق بحسابات مصرف لبنان. التدقيق يجب أن يحصل ليشمل وزارة المال والمؤسسات التابعة. ومؤسسة كهرباء لبنان، ومنشآت النفط والعقود والعروض التي خرجت من مديرية المناقصات إلى حضن وزراء الطاقة والمياه، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والريجي ومجلس الإنماء والإعمار وكازينو لبنان وسواها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها