آخر تحديث:15:20(بيروت)
الأربعاء 01/07/2020
share

الكهرباء ستنقطع.. جهّزوا الشمع وسِراج الكاز إن استطعتم

خضر حسان | الأربعاء 01/07/2020
شارك المقال :
الكهرباء ستنقطع.. جهّزوا الشمع وسِراج الكاز إن استطعتم التقنين الكهربائي ليس غريباً عن يوميات اللبنانيين الذين اعتادوه (Getty)
شكّلت الكهرباء إحدى أبرز أسس تطور الحضارات وانتقالها بسرعة من طور إلى آخر. عرفت الكثير من الدول أهمية قطاع الكهرباء ورأت فيه سبيلاً للتقدّم. أما لبنان، فوجد سياسيوه في الكهرباء وسيلة لمراكمة الثروات الشخصية، على أن تَدفَع خزينة الدولة ثمن العجز في القطاع. ولعقود، طابَ للساسة تدمير القطاع، حتى باتت العودة إلى السِراج (القنديل) الذي يشتعل باحتراق مادة الكاز، أمراً لا مفرّ منه.

تقنين متجذّر
التقنين الكهربائي ليس غريباً عن يوميات اللبنانيين الذين اعتادوه حتى أصبح سقف طموحاتهم عدم زيادة ساعات التقنين، وليس إلغاءه كلياً والاتيان بكهرباء 24/24 ساعة. 

تعود أسباب التقنين بشكل رئيسي إلى عامل تقني، يتمثّل بعدم تطوير المعامل وشبكات النقل والتوزيع. ثم إلى عدم توفّر الاعتمادات المالية اللازمة لشراء مادة الفيول بكميات كافية، ووفق جدول زمني لا يعيق انتاج حاجة لبنان من الكهرباء. وانطلاقاً من هذين العاملين، تتفرّع عوامل وأسباب أخرى، تلتقي أطرافها عند مصبّ أوحَد، وهو صفقات أهل السلطة.

مع تسارع حركة تأزّم الوضع الاقتصادي والنقدي، لم يعد سهلاً حلّ أزمة الكهرباء. فمَن رَفَضَ إجراء الاصلاحات خلال 30 عاماً، لن يجترح معجزات خلال أيام. وعليه، سلّمت مؤسسة كهرباء لبنان بالأمر الواقع، وأقرّت بأن الأوضاع في لبنان والمشاكل باتت تزيد من الصعوبات الملقاة على عاتقها وتثقل كاهلها إلى حد قد يستحيل عليها معه الحفاظ على استمرارية المرفق العام، لإنتاج ونقل وتوزيع التيار الكهربائي إلى المشتركين. وألقى مجلس إدارة المؤسسة، بمسؤولية ايجاد الحل، على كاهل وزارة الطاقة، طالباً منها "إعطاء المؤسسة التوجيهات اللازمة للتمكّن من الاستمرار بتسيير هذا المرفق".

طلب التوجيهات هو دليل إضافي على عدم وجود نيّة للإصلاح، ومؤشّر على تجذّر الأزمة وبلوغها حدّ اللاعودة. أفلا يعلم مجلس الإدارة ماهيّة الأزمة التي يمر بها القطاع وتمر بها المؤسسة، وتالياً سبل الحل وأشكاله؟ يعلم الجميع علم اليقين فحوى التوجيهات المطلوبة، فقد نصّت عليها القوانين وخطط الإصلاح التي أقرّتها السلطة نفسها، وأصرّ عليها المجتمع الدولي خلال مؤتمر سيدر، وجدّد صندوق النقد الدولي إلحاحه عليها، وهي تبدأ بتعيين مجلس إدارة لمؤسسة كهرباء لبنان، وتشكيل الهيئة الناظمة للقطاع. وبالتوازي، وقف الهدر والفساد الذي يُلتَمَس في كافة المشاريع والعقود التي أنتجتها وزارة الطاقة، وعلى رأسها مشروع مقدّمي الخدمات وبواخر الطاقة.

واذا غضّينا الطرف قليلاً عن البواخر انطلاقاً من تقديمها الكهرباء وإن بأسعار وشروط مجحفة بحق خزينة الدولة، إلاّ أنّها تقدّم شيئاً ملموساً في نهاية المطاف. لكن شركات مقدّمي الخدمات أسهمت في تراجع واردات مؤسسة الكهرباء، نتيجة تراجع معدّل الجباية، ناهيك عن التأخّر في إنجاز المشاريع المنوطة بها بموجب العقود، من أعمال صيانة وغيرها. أمّا الطامة الكبرى، فهي عدم إكمال المشروع الأساس الذي من أجله وُلِدَت فكرة مقدّمي الخدمات، وهو تركيب العدادات الذكية وربطها بسنترال رقمي. ومع انتفاء أسباب بقاء الشركات، تصر وزارة الطاقة على تجديد العقود، بعد الاتفاق بين الأطراف السياسية المستفيدة من الشركات الأم ومتفرّعاتها من مقاولين فرعيين.

جمهورية المولّدات الخاصة
العراقيل التقنية وتأخّر وصول مادة المازوت واختلاق أزمة التقنين، لا تطال فقط مؤسسة كهرباء لبنان، وإنما من المنتظَر أن يُعلن أصحاب المولّدات الخاصة جدول التقنين الخاص بهم، كانعكاس لارتفاع أسعار المازوت أو عدم توفّره. على أن سيناريو موازياً قد يترافق مع شح المازوت، وهو رفع أسعار الاشتراك من جانب واحد. وهذه المرّة، لن تنفع الاجراءات الفلكلورية الشعبوية التي قامت بها وزارة الاقتصاد غير مرّة، من مصادرة مولّدات أمام الكاميرات وإعادتها لأصحابها بعيداً عن العدسات، أو ختم أخرى بشمع أحمر سرعان ما ذاب. وإن كان أصحاب المولدات في زمن سعر صرف يوازي 1500 ليرة للدولار، قد رفعوا التعرفة بما يخالف تسعيرة وزارة الطاقة، فكيف في زمن انفلات السعر واتجاه البلاد إلى ما يشبه "حارة كل مين إيدو إلو"؟. فخلاصة النقاش مع أصحاب المولدات ستكون "مش عاجبك السعر، فِك الاشتراك".

قريباً سيُفَكّ الاشتراك عن بكرة أبيه، إن لشح المازوت أو لعدم تحمّل المواطنين ارتفاع الأسعار. وحينها، ستكون كهرباء الدولة قد أعلنت باسم التقنين، استسلامها للأزمة، ولن يبقى أمام المواطنين سوى سراج الكاز الذي بدأ يشهد ارتفاعاً في الطلب عليه، ووصل سعره في بعض المناطق إلى نحو 100 ألف ليرة، بعد أن كان سعره لا يتجاوز الـ20 ألف ليرة، ولا يُشرى إلاّ للزينة.

هي حالة انفكاك خدماتي عن الدولة، تبدأ من الكهرباء وتنسحب إلى باقي القطاعات. فوحدها الكهرباء قادرة على شل حركة الاتصالات والانترنت والمصانع والمؤسسات. والى أي مدى يمكن للحلول الفردية أن تشكّل بديلاً فاعلاً؟ لا يبدو الأمر بهذه السهولة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها