آخر تحديث:17:24(بيروت)
السبت 27/06/2020
share

طوابير الخبز تنطلق... رفع الأسعار أم تسوية جديدة؟

خضر حسان | السبت 27/06/2020
شارك المقال :
طوابير الخبز تنطلق... رفع الأسعار أم تسوية جديدة؟ لم تشهد البلاد طوابير الخبز على نحو مخيف، منذ انتهاء الحرب الأهلية (علي علوش)
حفلات الجنون تتكاثر في هذا البلد. كل شيء أصبح تحت وطأة التقلّب السريع لسعر صرف الدولار الذي أطاح بالليرة، فيما المسؤول عن سلامة النقد يطمئن بأن "لا داعي للهلع". وفي النتيجة: الهلع يضربنا وننتظر الاصطدام بقعر الوادي السحيق الذي لا نعرف عمقه.

سلسلة تتهاوى حلقاتها واحدةً تلو أخرى، وقطاعاً بعد قطاع، وصولاً الى لقمة الخبز. ومن هنا، تبرز بوضوح بوادر السقوط العظيم لبلد بُنيَ على وهم فَرادَته وخصوصيّته، فيما هو لا يقوى على تأمين لقمة العيش لأبنائه الذين أجبرهم زعماؤهم على الانتظام في الطوابير للحصول على رغيف الخبز، سواء في الحرب أو في السِلم.

الطوابير عادت
لم تشهد البلاد طوابير الخبز على نحو مخيف، منذ انتهاء الحرب الأهلية. عرف الشارع في زمن السلم بعض محطّات أزمات الخبز، لكنها كانت ظرفية، محقّة حيناً وغير محقّة أحياناً كثيرة، إذ كانت الأزمات تُختَلَق من قِبَل أصحاب الأفران، لتحقيق المزيد من الأرباح، تفوق الـ40 بالمئة.

لم تكن ردّة فعل المواطنين في وقت سابق، تدل على خوف مؤكّد على المستقبل. فالتفاعل مع قرار أصحاب الأفران بالاضراب، والتوقّف عن انتاج الخبز، لم يخلق ذعراً. ففي أسوأ الأحوال، يشتري المواطنون ربطتيّ خبزٍ لتمرير يوم الإضراب، لتعود الأمور إلى نصابها. أما اليوم فطوابير الناس أمام الأفران وصالات بيع الخبز، تُنذر بواقع جديد كاد يغيب عن بال من عاش الحرب الأهلية.

سوق سوداء للرغيف
من البقاع الى بيروت والجنوب، وقفت الحشود أمام الأفران وصالات البيع، طلباً لأعداد كبيرة من ربطات الخبز. فالأنباء تقول بأن سعر الربطة الكبيرة سيصبح 2000 ليرة بدءاً من يوم الاثنين 29 حزيران.

وقيل أيضاً إن الكميّات الموزّعة بعد هذا التاريخ، ستتناقص عمّا كان يوزّع في الأيام السابقة. أي أن الأزمة ستنعكس كمّاً وسعراً، ما وَضَعَ في الأذهان صورة سوق سوداء للخبز، وبالتالي ارتفاعاً للأسعار، يزيد عمّا ستعلنه الأفران.

ابتزاز علني
يقرّ نقيب أصحاب الأفران علي ابراهيم، خلال حديث لـ"المدن" بأن "لا أزمة طحين أو مازوت أو أيّ من المواد الداخلة في صناعة الخبز. كل شيء متوفّر لدى الأفران التي لن تتوقّف عن إنتاج الخبز ولن ترفع سعر الربطة". ويحيل ابراهيم سبب الطوابير إلى "الناس". فبرأيه "هُم اختلقوا أزمة غير موجودة"، فكلّ ما فعلته الأفران أنها قررت بيع الخبز داخل صالات العرض والتوقّف عن توزيعه إلى المناطق، لأن "التوزيع يكبّد الأفران خسارة 500 ليرة في كل ربطة خبز، فيما الخسارة داخل الصالات تقتصر على 200 ليرة".

يتباكى النقيب ويعلن مظلومية الأفران التي تعاني بفعل نتائج بلوغ الدولار نحو 8000 ليرة، على حد تعبيره. لكن ابراهيم يتناسى سعر صرف السوق، ومع ذلك يريد رفع الأسعار. ومع أنه لم يعلن صراحةً نيّته رفع الأسعار، إلاّ أن المؤشرات لا توصل سوى الى ذلك المقصد. إذ ينتظر أصحاب الأفران موافقة وزارة الاقتصاد على رفع الأسعار، وإن كان ابراهيم يبرر الزيادة بتغطية نفقات التوزيع فقط.

هو ابتزاز علني للمواطنين، تحت شعار "الحق" الذي يطالب به أصحاب الأفران منذ نحو ثمانية أشهر، على حد زعم ابراهيم. فخلال هذه المدة، لم تنقطع الاتصالات مع وزارة الاقتصاد، بهدف ايجاد حلّ يرضي أصحاب الأفران والمواطنين. لكن فعلياً، لا حلّ يرضي المواطنين سوى الإبقاء على سعر ربطة الخبز 1500 ليرة، مع أن اعطاءهم حقّهم الفعلي، يعني خفض سعر الربطة. وعليه، لا يبقى في المعادلة سوى مصلحة أصحاب الأفران. ووزارة الاقتصاد بيَّنَت حقّهم بعد الوقوف على نتائج حساب كلفة الانتاج وهامش الربح. وكانت الخلاصة هي الابقاء على السعر الحالي، ما دفع أصحاب الأفران إلى السير في طريق ابتزاز المواطنين والوزارة في آن.

وفي معرض بحثه عن "الحق"، لم يلتفت ابراهيم إلى حق العمال الذين أوصلوا صوتهم إلى وزيرة العمل لميا يمين، التي التقت يوم السبت 27 حزيران، وفداً من نقابة عمال المخابز في بيروت وجبل لبنان برئاسة رئيس النقابة شحادة المصري، الذي سلَّم الوزيرة مذكرة تتضمّن مطالب العمال لناحية "تطبيق قانون العمل على عمال الأفران، وعدم التعدي على التعويضات العائلية للعمال أو استرجاعها منهم، لأنها حق مكتسب للعمال، وعدم استغلال العمال الأجانب، وخصوصاً العمال والنازحين السوريين بساعات العمل والأجر الأقل، وأفضلية العمل للعمال اللبنانيين. وكذلك المطالبة برعاية العمال اللبنانيين للعمل فى الأفران وتدريبهم وتأهيلهم في ظل هذه الظروف الاقتصادية والمعيشة المتفاقمة، بالإضافة إلى تنظيم العمل في قطاع الأفران من خلال تشكيل لجنة من أهل الخبرة والكفاءة لدرس الوضع بصورة شاملة، تمهيدا لإصدار القرارات والمراسيم التي من شأنها تنظيم العلاقة التعاقدية والقانونية بين عمال المخابز والأفران وأصحاب العمل".

الموعد يوم الاثنين
عادةً ما كنت تنتهي جولة الابتزاز بتسوية تقودها السلطة السياسية، وينطق باسمها رئيس مجلس النواب نبيه برّي، أو يوكل مهمّة الكلام إلى المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم، فيسكت أصحاب الأفران عن "حقّهم"، ويستيقظون لاحقاً على المطالبة بذلك الحق، لتُعادَ المعادلة نفسها: إضراب أو امتناع عن التوزيع، فتدخّل سياسي، فعودة إلى الانتاج والتوزيع.

يقول نقيب أصحاب الأفران إنه سينتظر يوم الإثنين "لنشوف إذا بيصير شي". هذه العبارة هي دعوة للسلطة السياسية إلى التدخّل. لكن السؤال الأبرز، هل ستتدخّل السلطة لفرض استمرار التوزيع والإبقاء على سعر ربطة الخبز على حاله، أم أن تفاقم الوضع الاقتصادي واستقالة السلطة من دورها، سيفتح المجال أمام الأفران لتقرر ما تشاء؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها