آخر تحديث:00:02(بيروت)
الإثنين 15/06/2020
share

ترنّح سلامة ولم يسقُط

عصام الجردي | الإثنين 15/06/2020
شارك المقال :
ترنّح سلامة ولم يسقُط تحرّك برّي لحماية سلامة فخسر الفريق العوني الباسيلي الرهان (المدن)
موجة من الجنون تجتاح البلد لفرط الاستخفاف بعقول الناس. رئيس الحكومة حسّان دياب يعلن الجمعة الماضي فجأة إنه أحبط محاولة انقلاب على حكومته. جلستان لمجلس الوزراء واحدة في السراي وأخرى في مقر الرئاسة الأولى كانت مخصصة لإقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة. حطّ رئيس مجلس النواب نبيه برّي بالطوافة العسكرية في بعبدا وأحبط المحاولة. أُرغم سلامة في المقابل على تعهد ضخ الدولار الأميركي في السوق اعتبارًا من الإثنين 15 حزيران (اليوم). سيوقع تعهده بضخّ الدولار فعلًا وإلّا .. في المقابل، لا يعلم المواطن أن مصرف لبنان هو أكبر شخص معنوي يطلب الدولار الأميركي في السوق. وأنه مع وزارة المال أي الحكومة، يوفران من الذخيرة ما يكفي لتأجيج الطلب على الدولار الأميركي. رئيس الجمهورية ميشال عون، لا صلاحيات له ميدانيًا في سوق القطع إلّا إذا شاء. التوقيع على المراسيم يأخذ وقته وترقد برجاء القيامة. التشكيلات القضائية مفتاح للشروع في عمل القضاء وإطلاق معركة الحرب على الفساد. هناك خاسران من كل تلك الترّهات. الناس والوطن.

بسلامة وسعر الصرف نبدأ. عندما سيأتي وقت تتمكن السلطة السياسية من إقصاء حاكم مصرف لبنان رياض سلامة قبل انتهاء ولايته، يكون الوقت قد أزف لبداية التغيير الحقيقي في منظومة السلطة السياسية. لأن إقالة الحاكم لا سند لها سوى "الإخلال بواجبات الوظيفة أو لخطأ فادح في تسيير الأعمال" كما يستفاد من قانون النقد والتسليف (المادة 19). غير ذلك لا تنطبق الحالات الأخرى المنصوص عنها للإقالة. لذلك، ففي حال الإقالة يفترض أن تستكمل بالتحقيق القضائي. عندها ستتحسّس منظومة الأوليغارشيا مجتمعة رؤوسها. هذا أكبر سدّ طبيعي يحمي به سلامة رأسه. حين انتصر سلامة على رئيس الجمهورية وحمله على التجديد له حاكمًا مؤبدًا لمصرف لبنان، خرج سلامة من دائرة المساءلة. راقبوا المسار الفاحش. وحين انهار النشيد النقدي والبلد تحت سنابك القهر وضياع الحقوق، وجاء دياب رئيسًا للوزراء ليتهم سلامة بالكبائر وينوي إقالته تراجع هو الآخر. السبب، "الوقت ليس مناسبًا فيخترب البلد، وتنهار الليرة ويتغيّر النظام. ليس وقتها الآن اتّقوا الله"!

لسنا من جوقة استهداف سلامة. وقطعًا لسنا من جوقة المتملّقين بلا خجل. نعم، أخلّ رياض سلامة بوظيفته حين أباح الاستدانة لخزانة مستباحة من عصابة أشرار. للمرّة المئة نقول راجعوا قانون النقد والتسليف. لم يكن سلامة وحده؟ بالتأكيد. كان من سدنه وشجّعه إلى ذلك. الفريق السياسي الذي ما انفكّ يثرثر ويهزأ من الشعب ويتلذذ بآلامه. الأمر لم يتوقف على دين وفوائد لتأمين السرقة الموصوفة لهذه الجهة أو تلك، ولمدّ الزبائنية السياسية بقدرة على الاستمرار. بل على مؤسسات وكيانات حكومية تدرّ أرباحًا هائلة على خزائن الدول وموازناتها وتؤمن خدمات. إلّا في لبنان باتت مرتعًا زبائنيًا.

رسالة برّي وصلت
برّي لم يكن يمثل نفسه و"حركة أمل" حين هبط كقاضي العجلة في القصر الجمهوري. كان يمثل عصب النظام السياسي الأوليغارشي الذي تحرّك لحماية سلامة. الفريق العوني الباسيلي الذي يعتبر أسرع ضيف على النظام الأوليغارشي الزبائني خسر الرهان مرّة ثانية. هذا الفريق ضعيف جدًا أمام برّي حليف "حزب الله". وجبران باسيل التائه بين الولاء للحزب وبين مراضاة واشنطن، كلّما اقترب موعد الانتخابات الرئاسية وصعد الخلاف بين واشنطن وطهران، اجترع الكأس بالقبول على مضض. وانسحب دياب من الصورة إلى الأمام بخطبة جديدة تستخف بالعقول..

تلا برّي قرار اجتماع بعبدا. "خفض قيمة الدولار الأميركي إزاء العملة اللبنانية ابتداء من اليوم (الجمعة الماضي)، ولكن حقيقة سيبدأ ذلك من الاثنين (اليوم).. إلى ما دون 4000 ليرة. وصولاً إلى 3200 ليرة لبنانية للدولار الأميركي. هذا الأمر سوف يحصل. الموضوع الثاني الذي اتفق عليه، هو "مخاطبة صندوق النقد الدولي بلغة واحدة، برعاية المجلس النيابي". يقصد لجنة المال والموازنة النيابية برئاسة ابراهيم كنعان، الذي انحاز نهائيًا إلى خطة المصارف وموقف مصرف لبنان. "نحن في حاجة اليوم إلى جميع الناس، ولسنا في حاجة إلى الاستغناء عنهم". ختم برّي.

استنزاف الذخيرة الحيّة
بعد قرار إلزام سلامة عرض الدولار الأميركي، حقَّ لنا أن نخشى العاقبة. سيكون أسيرًا للحكومة التائهة بدورها وكأن الأمر أُسقط في يدها. كان على سلامة منذ البداية عدم مغادرة سوق القطع وتركها للسراحين المضاربين. وللمهربين إلى نظام دمشق. ليضيف إليها تدخله في السوق شاريًا. نعرف الأسباب العائدة إلى تأمين كفاية تمويل الحاجات المعروفة للبنانيين. لكن سلامة وهو الخبير المحترف في السوق، يعلم إنه كان يؤمن وسادة مريحة لاستنزاف ما بقي من ودائع الناس متاحًا لديه. كان قادرًا على عرض الدولار الأميركي ليكسر الاتجاه المرتفع الوحيد الجانب. وليعطي إشارة إلى أنه في السوق فيتغيّر اتجاهها بذاتها ويعود ليشتري ما عرض على سعر أدنى. ومصرف لبنان أقدر على المناورة في عاملي السوق (Support & Resistance) اللذين لا تفتقد السوق إليهما مهما كان حجم المضاربات. لكن لا يمكن أن يستسلم مصرف مركزي وقت الهجوم الضاري على العملة، مهما ضنّت ذخيرة الاحتياط القابل للتصرف. بقاؤه في السوق ولو من باب التهويل يحدّ من الطلب حتى لو كان تدخله بمبالغ زهيدة. أمّا اعتماد علاج أزمة من طبيعة نقدية – مالية – اقتصادية بأساليب بوليسية فنافل. ويكون ناجعًا وفي مكانه الحقيقي على المعابر السيادية التي غدت عبئًا على السيادة والناس والبلاد. نقول ذلك ونعلم، أن فقدان الثقة بالحكم وبالحكومة، وبالقطاع المصرفي والمالي، وبيومنا وغدنا، لا يشبع سوق القطع حتى لو فُتحت لنا خزائن الاحتياط الفدرالي الأميركي..

خفّف من غلوائك قليلًا يا دولة رئيس الحكومة. إنسَ سلفك سعد الحريري الذي لولا سياساته وتحالفاته "لما آلت إليك الكرسي" أيضًا.. الناس تريد منك إنجازات بمستطاعك وحكومتك لا أكثر. فلماذا تهرب من القادر عليه والمفيد فورًا للناس والعباد، إلى ما أنت عاجز عنه ولا يفيد؟ إصعد إلى قصر بعبدا من دون إذن فتى العهد الأغرّ، واطلب مؤازرة رئيس الجمهورية والقوى الأمنية لتقود بنفسك إقفال المعابر غير الشرعية. عيّن مجلس إدارة لمؤسسة كهرباء لبنان والهيئة الناظمة. القانون موجود.. أطلب إلى رئيس الجمهورية مرسوم التشكيلات القضائية فورًا. أمّا سلامة فترنّح ولم يسقط..

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها