آخر تحديث:16:56(بيروت)
السبت 09/05/2020
share

اعتقال الصرّافين وخطّة رياض سلامة: مَنْ كسر الخطوط الحمر؟

علي نور | السبت 09/05/2020
شارك المقال :
اعتقال الصرّافين وخطّة رياض سلامة: مَنْ كسر الخطوط الحمر؟ فشلت المفاوضات بين مصرف لبنان ومؤسسات الصيرفة (مصطفى جمال الدين)

أربعٌ وعشرون ساعة فصلت ما بين تأكيد نقيب الصرّافين محمود مراد على اقتراب التوصّل إلى تفاهم مع حاكم المصرف المركزي على سعر الصرف، وخبر توقيف مراد نفسه في الضاحية الجنوبيّة، بناءً على إشارة المدعي العام المالي علي إبراهيم.

توقيف مراد ليس تفصيلاً صغيراً. فنحن لا نتحدّث هنا عن لاعب عادي في سوق الصرف، بل عن صاحب شركة مرادكو، إحدى أكبر الشركات التي تمارس مهنة الصيرفة في الضاحية الجنوبيّة، مع كل ما يعنيه ذلك من نفوذ وتأثير استثنائيّين في السوق. وبمعزل عن الشركة وحجمها، يملك الرجل نفسه وزناً معنوياً خاصاً على ساحة الأحداث المالية، من خلال علاقاته وصلاته مع أصحاب النفوذ السياسي والأمني في البلاد. وبرز هذا الوزن بشكل لافت في مروحة اللقاءات التي كان يجريها، بالتزامن مع إضراب الصرّافين المستمر حتّى اللحظة.

ما الذي تغيّر اليوم؟
الرواية الرسميّة تتحدّث حتّى الآن عن عمليّات اعتقال طالت أكثر من 40 صرّافاً، من بينهم مراد نفسه. فيما تركّزت الاتهامات التي جرى الحديث عنها حول مسألة "التلاعب بسعر صرف الليرة". عمليّاً، وبلغة أدق وأكثر تحديداً، ما تسرّب من التحقيقات حتّى اللحظة، يشي بوجود ارتكابات تتمحور حول المضاربة على سعر صرف الليرة، عبر تخزين الدولار بكميات كبيرة، بغية الاستفادة من صعود سعره، والمناورة في مسألة الإضراب الشكلي الذي أعلنته نقابة الصرّافين، ومخالفة تعميم مصرف لبنان، الذي حدد حد أقصى لسعر الصرف في الأسواق.

لكنّ معظم هذه الارتكابات كانت فعليّاً جزءاً لا يتجزّأ من آليّات عمل الغالبيّة الساحقة من الصرّافين منذ أشهر. وهي ممارسات جرى تطبيعها منذ تشرين الأوّل الماضي، من خلال تخزين الدولار وجمعه من السوق أثناء فترات صعوده، والتحايل على أسعار الصرف القصوى التي يحددها مصرف لبنان للصرّافين. وهذه الارتكابات جرى التسامح معها رسميّاً طوال الفترة الماضية، على قاعدة غض النظر معظم الوقت، مع الإبقاء على بعض المداهمات التي كان يُعلن عنها بين الفينة والأخرى، من باب تثبيت حضور الجهات المختصّة.

إذاً، ما الذي جرى الآن حتّى تغيّر المشهد بهذا الشكل؟ في الواقع، يبدو أنّ الاستفاقة المستجدّة والقاسية على ممارسات شركات الصيرفة، تعكس اتجاهات جديدة لدى مصرف لبنان في ما يتعلّق بطريقة تنظيم سوق القطع الموازي، وكيفيّة التحكّم بأسعاره. وبينما تأتي هذه الاتجاهات المستجدة بعد فترة طويلة من المناكفات المستترة والتفاوض بين مصرف لبنان ومؤسسات الصيرفة، من الواضح أنّ عنوان المرحلة المقبلة سيكون العمل على فرض سيطرة مصرف لبنان على سوق القطع الموازي بشكل تام وكامل، مع إقصاء دور الصرّافين أو تطويعه إلى أقصى حد ممكن. وهكذا، يمكن من هذه الزاوية فهم المستجدّات الأخيرة، ويمكن أيضاً فهم كل المناورات التي كانت تجري خلال الفترة الماضية إن بخطوات الصرّافين أو بتعاميم مصرف لبنان المختلفة.

المنصّة وسعر الصرف
لفهم ما جرى في الأيام الماضية، وما سيجري في الفترة المقبلة، يبنغي العودة أوّلاً إلى منعطف كبير في مسار المناورات التي كان يقوم بها الصرّافون، والمواجهة الذي كان يحاول أن يقوم بها في المقابل مصرف لبنان.

بدأت المسألة بثلاثة تعاميم صدرت عن مصرف لبنان بشكل منفصل. لكنّه حاول بها نسج حبكة متكاملة ومنسجمة، يمكن أن تمنحه السيطرة على سعر الصرف في السوق الموازي: التعميم المتعلّق بإنشاء منصّة تداول للعملات الأجنبيّة في مصرف لبنان، والتعميم الذي وضع سقف لسعر الصرف المعمول به لدى الصرّافين، والتعميم الذي قضى بسداد قيمة التحويلات الواردة من خلال شركات تحويل الأموال بالليرة.

كانت الخطّة كالتالي: يعمل مصرف لبنان على مصادرة الدولارات الطازجة المتأتية من التحويلات الواردة عبر شركات تحويل الأموال، من خلال منصّته المستحدثة للتداول بالعملات الأجنبيّة، بينما يسدد قيمة هذه التحويلات بالليرة لمستحقيها. في المقابل، يقوم مصرف لبنان من خلال المنصّة أيضاً ببيع الدولارات هذه إلى الصرّافين –وربما المصارف أيضاً- لعرضها للبيع وفقاً لسعر الصرف الأقصى الذي حدده لهم. كما جرى التداول أنّ مصرف لبنان خطط خلال المرحلة الماضية لتنظيم مسألة التحويلات الواردة من الخارج إلى المصارف اللبنانيّة وفقاً للآليّة نفسها.

مناكفات الصرّافين
كان الصرّافون قد تجاهلوا في وقت سابق تعميم لمصرف لبنان، قضى بتحديد حد أقصى لسعر صرف الليرة، عند مستوى 2000 ليرة مقابل الدولار. في وقت لاحق، جرى تحديد الحد الأقصى عند مستوى 3200 ليرة مقابل الدولار، بتعميم آخر. لكنّ الدولة أصرّت هذه المرّة على محاولة فرض هذا الحد الأقصى، ربّما تمهيداً لتنفيذ الخطّة المتكاملة، وفقاً للحبكة التي يشرف عليها مصرف لبنان.

حاول الصرّافون التملّص مرّة أخرى من هذا السقف، خصوصاً أن مصرف لبنان لم يكن قد تفاهم معهم بعد على آليّة لبيعهم الدولار، بواسطة منصّته الجديدة، ووفقاً لسعر الصرف المحدد من قبله. وبالنسبة لهم، كان الالتزام بالسقف الذي حدده مصرف لبنان قبل تطبيق آليّة تأمين الدولارات منه، سيعني الانتقال إلى تفاوت كبير بين العرض والطلب. وهو ما سيؤدّي في النهاية إلى تحجيم أعمالهم لصالح قنوات أخرى من المداولات، مثل الصرّافين غير النظاميين. وفي الواقع، أراد الصرّافون أيضاً التملّص من هذا السقف للضغط على مصرف لبنان، لدفعه للتفاوض معهم على طريقة شراء الدولارات من المنصّة الجديدة، قبل الالتزام بأي تعاميم تصدر عنه.

أخذ هذا التملّص شكل الاضراب. إذ ناور الصرّافون بإضراب حمل في البداية شعار الاحتجاج على إقفال محلّات زملاء لهم واعتقالهم. لكنّهم في حقيقة الأمر كانوا يحاولون بذلك تفادي التعامل وفقاً للسقف الجديد المحدد من مصرف لبنان لسعر الصرف. وبينما توقّفت محلّات الصيرفة عن البيع والشراء بشكل علني، انتقلت لبيع وشراء الدولار بشكل غير معلن عبر التعامل مع عدد محدود من الزبائن المعروفين من قبلها، ووفقاً لأسعار الصرف التي يريدونها. وهذا النوع من عمليّات البيع والشراء هي تحديداً ما أدّى إلى اعتقال مراد ومجموعة كبيرة من الصرّافين.

كانت شركات الصيرفة تستمر في إضرابها الشكلي، في حين كان الصرّافون يرفعون السقف أكثر في وجه مصرف لبنان، بعد تحول مطلبهم العلني إلى إدراج التفاهم على آليّة عمل المنصّة كجزء من مطالب الإضراب نفسه. وهكذا، تحوّل الإضراب إلى محاولة من قبل الصرّافين للضغط على الدولة بأسرها، بواسطة رفع سعر الصرف والمضاربة على الليرة، من أجل تحقيق مطالب تعزز موقعهم في المعادلة النقديّة والماليّة، ومن أجل فرض شروط على خطط مصرف لبنان في ما يتعلّق بتدخّلاته في السوق.

هنا بالذات، يبدو أنّ الصرّافين ونقابتهم قد تجاوزوا الخطوط الحمر. وأصبح هناك إجماع من جميع الأطراف المعنيّة على وضع حد لهذا الإبتزاز، وكشف عمليّات المضاربة التي كانت تجري تحت ستار الإضراب الشكلي. فكانت عمليّات الاعتقال والتحقيق الواسعة التي رأيناها.

توجّهات جديدة: لجم الصرّافين كلّياً
بالإضافة إلى تخطّيهم الخطوط الحمر، يبدو أنّ هناك عاملاً آخر دفع الدولة إلى توجيه الصفعة الأخيرة للصرّافين. ويكمن تحديداً في تغيّر بعض التوجّهات لدى مصرف لبنان في ما يتعلّق بخطّته. ففي ظل إضراب الصرّافين، يبدو أن مصرف لبنان اكتشف صعوبة التعامل والتفاهم مع الصرّافين، الذين ظهروا في آخر تجربة معهم ككتلة يصعب ضبطها أو ضبط ممارساتها في السوق. مع العلم أن الخطة التي كان يرغب مصرف لبنان بتطبيقها، تستلزم الكثير من الانضباط، خصوصاً أن الخطة تفترض بيع كمية محددة من دولارات منصّة مصرف لبنان بسعر منخفض نسبةً إلى السعر المعمول به حاليّاً في السوق. وبالتالي، فيمكن لأي تفلّت أو تواطؤ أن يُترجم بقيام شركات الصيرفة ببيع هذه الدولارات إلى مافيات، تتاجر بها لاحقاً بأسعار مرتفعة، بدل بيع هذه الدولارات إلى المستوردين بالسعر المحدد من مصرف لبنان.

في ظل هذه المخاوف، ثمّة معلومات أن هناك توجّهات جديدة لدى مصرف لبنان –لم يتم البت بها نهائيّاً- تقضي بتعديل الخطّة، وتنص على بيع دولارات المنصّة للمستوردين عبر النظام المالي، وفقاً لأولويّات قطاعيّة محددة. وهنا، سيكون على مصرف لبنان محاولة تحجيم ولجم سوق الصرّافين إلى أقصى حدود، وصولاً إلى تطويقه بإجراءات عقابيّة أقسى، إذا حاولوا التشويش على خطته. مع العلم أنّ بعض المعلومات تؤكّد حتّى وجود اقتراحات بسحب رخص الصرّافين، ووقف أنشطتهم بشكل كلّي في المرحلة المقبلة، طالما أن الحاجة إليهم ستنتفي مع ضخ مصرف لبنان للدولارات لصالح المستوردين بشكل مباشر عبر النظام المالي. وهكذا، يمكن فهم الصفعة الأخيرة للصيارفة، من زاوية مباشرة هذا النوع من الإجراءات القاسية للجمهم قدر الإمكان، تمهيداً للمرحلة الأقسى لاحقاً.

هل ينجح مصرف لبنان في خطّته؟ لا يمكن التنبّؤ بذلك في هذه اللحظة. فذلك، سيعتمد حكماً على تضامن الجهات الأمنيّة والجسم القضائي مع كل القرارات التي سيتجه مصرف لبنان إلى إصدارها. وهذا التضامن يستدعي بالتأكيد وجود حد أدنى من التنسيق والتفاهم مع السلطة التنفيذيّة في البلاد. وهذا الأمر غير مؤكّد حاليّاً، مع وجود تباينات كبيرة في التوجّهات بين مصرف لبنان من جهة، ورئاستي الحكومة والجمهوريّة من جهة أخرى.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها