آخر تحديث:18:57(بيروت)
الخميس 07/05/2020
share

ثرثرة سيادية على أبواب الصندوق

عصام الجردي | الخميس 07/05/2020
شارك المقال :
ثرثرة سيادية على أبواب الصندوق لبنان ذاهب إلى المفاوضات مع الصندوق محطمًا منقوص السيادة (علي علّوش)

وافقت الحكومة على التوجه إلى صندوق النقد الدولي. من يراقب مسار القرار يعتقد وهلة أولى أن الصندوق في وضع إفلاس والتوقف عن الدفع، وراغب في الحصول على قرض من الدولة اللبنانية! نحو شهور ثلاثة استغرقها طلب الحكومة التفاوض على برنامج قرض ميسّر للبنان. شريطة "عدم المسّ بالسيادة اللبنانية، أو القبول بأي نوع من أنواع الوصاية على البلد".. وكان واضحًا لذوي الأبصار، أن صندوق النقد الدولي هو محطة إلزامية للبنان منذ بواكير 2020. كتبنا مرات ثلاثًا عن ذلك. بعد قرار التوقف عن سداد اليوروبوندز لم يعد هناك من مفرّ عن الصندوق لالتقاط الأنفاس في المفاوضات مع الدائنين، وأملًا في إحياء تعهدات مؤتمر سيدر.

الصندوق من "أصحاب السوابق والسمعة السيئة" في البلدان الفقيرة والعالم الثالث. لطالما استُخدم من طرف واشنطن لتدبير الانقلابات العسكرية ودعم أنظمة معادية للديموقراطية وحقوق الانسان. أي لكل ما في "مدونة السلوك الأميركية" التي كانت تسوقها زمن الحرب الباردة. لكن الصندوق لم يُلزم دولة من الدول التوجه إليه لطلب المساعدة. بعد الحرب الباردة غيّر الصندوق الكثير من أساليبه السابقة. من دون تغيير واقع أن الولايات المتحدة لا تزال المقرر الأساسي في الصندوق ومعها الدول الأوروبية واليابان. كل ضجة الوفود والتقارير والمفاوضات مع الصندوق محطتها مجلس المديرين التنفيذيين. يوافق أم لا يوافق. الصوت الأعلى هو المرجّح بالأسهم. يعني واشنطن والحلفاء.

الثقب السيادي
"ثرثرة لبنان السيادية" تبعث على الأسى والسخف معًا. التهويل بشروط الصندوق الاقتصادية والمالية ثرثرة أخرى. سيادة مَن على مَن التي يتحدثون عنها. لبنان ذاهب إلى المفاوضات مع الصندوق محطمًا منقوص السيادة، ممسوس الدستور ومُمتنهن المواطَنة. ماليًا ونقديًا واقتصاديًا لا شيء ينبض، سوى الحاجة والعوز والجوع التي تودي إلى الخراب. تذهب الدول إلى الصندوق وتأتي مثقلة بالشروط ووصفات التقشف والإصلاح المالي وتبدأ الاضطرابات. نحن نتأبط بلايا ونذهب قبل بدء المفاوضات. وما من معطى يطمئن إلى أن مسار المفاوضات سيكون يسيرًا. لأن البلاد التي فاوضها الصندوق على حزمة قروض وإصلاحات مالية لم يكن وضعها كوضع لبنان البتّة خصوصًا من الناحية المؤسسية. في اليونان والأرجنتين وإيسلندا وسواها، كانت الأزمات عميقة، لكن النظام السياسي كان يعمل والمؤسسات الدستورية عاملة. في لبنان الأزمة ستكون أعمق لأن النظام السياسي الطائفي عاطل من العمل. والمؤسسات مسيطر عليها من النظام. هذا هو الثقب السيادي الحقيقي لدينا. في البلدان الثلاثة أنظمة اقتصاد حرّ. وضعت قيودًا بقانون على التحويلات إلى الخارج. في لبنان ضد القانون بينما تحويل الأموال السوداء والنظيفة إلى الخارج أخذ مداه. الذين حوّلوا يريدون استعادة الأموال الآن. لكنها تبخّرت يقول رئيس الحكومة حسّان دياب.


سنؤيد اضطرارًا كل ما سيطلبه الصندوق من شروط الحصول على القرض، لاسيما ما يعتبره إصلاحًا ماليًا ونقديًا ومصرفيًا في سياق عملية هيكلة شاملة، بما في ذلك لمصرف لبنان. الجانب الاجتماعي بات الصندوق يحرص عليه أكثر من لبنان. تقرير مجلس المديرين التنفيذيين في الصندوق الذي أحاله إلى الحكومة اللبنانية السابقة كان واضحًا. "ينبغي استكمال التشديد المالي بتحويلات مستهدفة إلى الفقراء والضعفاء. شبكة الأمان الاجتماعي الحالية في لبنان محدودة. من أجل تخفيف تأثير التعديل المالي المطلوب بما في ذلك الزيادات في تعريفة الكهرباء، ينبغي على السلطات أن تسمح بـ 0.5 نقطة مئوية إضافية من الناتج المحلي الإجمالي في إنفاق شبكة الأمان الاجتماعي. ويمكن توجيه معظمها من خلال نسخة مطورة من البرنامج الوطني الحالي لاستهداف الفقر".

تركت دعوة رئيس الجمهورية ميشال عون للقاء بعبدا الكثير من التساؤلات عن غرضها بعد أن تمّت الموافقة على خطة الحكومة الإصلاحية وليس قبلها. للعلم، صندوق النقد الدولي صار يطلب موافقة سياسية وطنية على برامجه الإصلاحية وقروضه، من ضمن التعديلات التي أدخلها على نمط أعماله وتوجهاته. فعل ذلك في مصر وتونس ودول أخرى. لا ندري ما إذا كانت دعوة عون في السياق المذكور قبل وصول وفد الصندوق إلى بيروت في غضون أيام. في كل الأحوال كانت المشاورات يجب أن تتم قبل إقرار الخطة وليس بعدها.

لو تمكّن الصندوق في مفاوضاته مع لبنان أن يملي علينا أوامر وإجراءات لوضع حد للفساد، لكفّر عن كل ذنوبه في القرن العشرين. هذه الآفة اللبنانية النظامية التي حوّلت السلطة السياسية الزبائنية جماعة من الأشرار، فيها "السيادي والممانع ومن لا لون له ولا طعم". نستعد للمفاوضات على وقع سرقات في قطاع المحروقات لا يجوز تسميتها فضيحة. لأنها مستمرة منذ الحرب وبعدها.

أي سوناتراك؟
كان غريبًا على "رئيس التيار الوطني الحرّ" جبران باسيل أن يتجاهل الكهرباء في المطالعة التي قدمها في لقاء بعبدا قضية الفيول أويل لكهرباء لبنان، التي لا يمكن أن تكون بلا علم وزارة الطاقة والمياه. وزراء التيار احتكروا الوزارة منذ 2010. سيطروا مباشرة على مؤسسة كهرباء لبنان. ثم رفضوا تعيين مجلس إدارة جديد وهيئة ناظمة للكهرباء. وزير الطاقة السابق محمد فنيش قال أن العقد المنجز في 2005 كان مع سوناتراك الجزائرية وكان من دولة لدولة. سوناتراك هي أكبر شركة حكومية جزائرية ونفطية في البحر المتوسط وأفريقيا. كيف دخلت على الخط بعد سنوات سوناتراك المسجّلة في جزر الكايمن؟ كيف تسلل الوسطاء اللبنانيون وقومسيونجية السياسة لينهبوا من البلد التعيس ومن غذاء مواطنيهم؟ هذه الوزراة صادرها التيار العوني باسمه وحشر فيها الموظفين والمستشارين. ثم تناسل المستشارون وزراء ثلاثة بعد باسيل، تراكم عجزها المتوالي 40 مليار دولار أميركي نحو نصف الدين العام وبقي التيار بالتقنين. ولم يحقَق مع إداري أو موظف واحد في الكهرباء وفي منشآت النفط الخاضعة للتيار السياسي نفسه.

كل تقارير صندوق النقد والتقارير الدولية ركّزت على مؤسسة الكهرباء. نعم هذا ليس سعر الكهرباء. يجب أن يرفع بعد تأمين التيار 24 ساعة. في تقريره الأخير يقدّر صندوق النقد أن "الوفورات الكبيرة المتوقعة من إصلاح قطاع الكهرباء، إذا تم تنفيذها بالكامل، ستحل محل بعض الإيرادات والمدخرات المفقودة من انتهاء التدابير المؤقتة في ميزانية 2019. ومن دون تدابير إضافية، سيبقى العجز الرئيسي أعلى من مستوى استقرار الديون، وستظل نسبة الدين العام غير القابلة للاستمرار بالفعل إلى الناتج المحلي الإجمالي على مسار متزايد"، على ما ورد في نص التقرير.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها