آخر تحديث:18:03(بيروت)
الأحد 31/05/2020
share

أسرار المفاوضات مع صندوق النقد: حقائق صادمة

علي نور | الأحد 31/05/2020
شارك المقال :
أسرار المفاوضات مع صندوق النقد: حقائق صادمة تفيد التسريبات بوجود عثرات ومطبّات كبيرة في المفاوضات (دالاتي ونهرا)

حتّى اللحظة، تكتفي جميع البيانات الرسميّة الصادرة عن وزارة الماليّة ومصرف لبنان بالإعلان عن العناوين العامّة لجلسات التفاوض مع صندوق النقد، مع إشارة متكرّرة إلى الطابع البنّاء الذي تتسم به هذه النقاشات، وبحرص شديد على الابتعاد عن الإعلان عن أي من التوصيات، أو الإنطباعات التي يقدّمها وفد الصندوق خلال المحادثات.

إشكالية الكتمان
في الواقع، لم تأتِ هذه الضبابيّة الشديدة في التعامل مع الملف من فراغ. فعدم الكشف عن تفاصيل الاجتماعات والمداولات كان أحد الشروط الأساسيّة التي طلبها وفد صندوق النقد من الوفد اللبناني، قبل عقد هذه الاجتماعات، ربما لتفادي إقحام هذه المحادثات في بازار السجالات والمزايدات الداخليّة. وبالأخص، في ظل التباين بين الجهات الرسميّة حول عدد كبير من ملفّات. وعلى أي حال، أكّد البيان الأخير لمصرف لبنان هذه المسألة، حين أعلن أن المصرف لن يكشف عن فحوى الإجتماعات نزولاً عند طلب صندوق النقد.

بمعزل عن الأسباب التي تدفع الصندوق إلى طلب الكتمان الشديد حول مضمون الاجتماعات على هذا النحو، ثمّة إشكاليّة كبيرة تتعلّق بكل هذه السريّة التي تحيط بالمفاوضات مع الصندوق. فهذه المحادثات تحديداً ترتبط اليوم بقدر لا يُستهان به من الهواجس والمخاوف لدى شرائح إجتماعيّة واسعة، بالنظر إلى طبيعة الشروط التي ستتمخّض عنها وأثرها على المستوى المعيشي. خصوصاً، كون هذه المناقشات ستحدد عمليّاً الشكل النهائي لخطّة الدولة للتعامل مع الانهيار الحاصل.

عثرات ومطبّات
وهكذا، وبدل أن تتسم لهذا السبب النقاشات بالشفافيّة والوضوح أمام الرأي العام، يبدو أن هناك إصراراً شديداً على إبقاء كل ما يجري طي الكتمان، عن سابق إصرار وتصميم. مع العلم أنّ بعض ما يجري من نقاشات مع الصندوق أصبح يأخذ طابع الشروط غير المعلنة، والتي بدأت الدولة بالاستعداد لتنفيذها تدريجيّاً، كحال ملف مشروع قانون "الكابيتال كونترول"، الذي جرى تحريكه في المجلس النيابي بالتزامن مع بلوغ النقاشات مع وفد صندق النقد مرحلة الحديث عن ضرورته في المرحلة المقبلة.

في كل الحالات، وبعكس كل ما يشاع عن إيجابيّة سائدة في النقاشات التي تجري مع وفد صندوق النقد، تفيد التسريبات بوجود عثرات ومطبّات كبيرة في هذا المسار. كما يبدو أن وفد الصندوق يملك قدراً كبيراً من الملاحظات حول المعالجات التي يجري اعتمادها اليوم من قبل السلطة ومصرف لبنان.

فوفد الصندوق أبدى استغرابه الشديد من وجود ما يزيد عن أربعة أسعار صرف متفرّقة، معتمدة اليوم، من بينها مثلاً سعر الصرف الرسمي القديم، وسعر الصرف المحدد كحد أقصى لتداولات الصرّافين، وسعر الصرف المعتمد لسحب الودائع المدولرة بالليرة اللبنانيّة، وسعر الصرف المعتمد لقبض الحوالات الواردة من الخارج بالليرة، بالإضافة طبعاً إلى سعر الصرف الفعلي المعتمد في الأسواق. وحسب وفد الصندوق، ثمّة محاذير كبيرة وواضحة من هذا النوع من السياسات النقديّة "غير المألوفة"، وهو ما يحتّم إعتماد سعر صرف فعلي وواقعي موحّد في المرحلة القادمة.

الكلفة الاجتماعية
بالتأكيد، ترتبط مخاوف الصندوق من ثغرات كبيرة ترتبط بشكل تلقائي بهذا النوع من السياسات النقديّة. وخصوصاً تلك الثغرات التي تسمح بإساءة استعمال أسعار الصرف المدعومة المتعددة، سواء لتهريب الأموال أو السلع أو تحقيق أرباح غير مشروعة بأساليب مختلفة. كما أن الصندوق يتخوّف أيضاً من استنزاف احتياطات البلاد من العملة الصعبة، في عمليّات الدفاع عن أسعار الصرف المدعومة. وهو استنزاف سيطال حكماً ما يمكن أن يستفيد منه لبنان من قروض من صندوق النقد والجهات الداعمة الأخرى.

وهكذا، يفسّر إلحاح صندوق النقد على هذه المسألة منذ بداية المفاوضات التصريح السابق لوزير الماليّة، والذي أعلن فيه أن لبنان مستعد لتلبية طلب صندوق النقد بتعويم سعر صرف الليرة بعد تلقيه الدعم. لكنّ هذه الخطوة ستنطوي حكماً على آثار اجتماعيّة مكلفة. وخصوصاً من ناحية كلفة السلع الحيويّة مثل المحروقات والطحين على المستهلك، وكلفة السلع الأساسيّة التي أعلن مصرف لبنان عن دعمها مؤخّراً. ولهذا السبب تحديداً، ولخشية السلطة من آثار الخطوة، سيكون موضوع توقيت وطريقة تحرير سعر الصرف، أحد المواضيع السجاليّة الأساسيّة في المفاوضات الدائرة مع صندوق النقد.

المسألة الأخرى التي حازت على قدر كبير من النقاش مع صندوق النقد كانت مشروع قانون "الكابيتال كونترول". فوفد صندوق النقد أصرّ على إقرار قانون الكابيتال كونترول قبل المضي قدماً في مناقشة أي شكل من أشكال الدعم التي يمكن أن ينالها لبنان من الصندوق لاحقاً. وهكذا، يشرح هذا الإصرار من جانب الصندوق بعض ما جرى مؤخّراً، من تحريك مفاجىء لمشروع قانون الكابيتال كونترول قبل إحالته إلى لجنة المال والموازنة.

الحاكم والكابيتال كونترول
في الواقع، يبدو أن حرص صندوق النقد على إقرار قانون الكابيتال كونترول، ينطلق أولاً من رغبة الصندوق بتحصين النظام المالي اللبناني من أي ثغرات قانونيّة، يمكن أن تضغط في الخارج على سيولته بالعملة الأجنبيّة، قبل المضي قدماً في منح لبنان قروض جديدة. كما ينطلق هذا الاهتمام بالقانون من حرص صندوق النقد على سد أي ثغرات قانونيّة يمكن أن تسمح لبعض النافذين من تهريب السيولة بالعملة الأجنبيّة إلى خارج البلاد، بعد ضخ الصندوق للسيولة بالعملة الصعبة من خلال القرض الذي يطلبه لبنان.

لكنّ ضغط الصندوق في المفاوضات باتجاه إقرار القانون، واجهه ضغط مضاد من حاكم المصرف المركزي، الذي أرسل إلى رئيس المجلس النيابي مجموعة من الملاحظات، أفضت إلى إسقاط صفة العجلة عن مشروع القانون، وأحالته إلى لجنة المال والموازنة لمزيد من الدرس. ومن الواضح أنّ ملاحظات الحاكم لم تتعلّق ببعض العقد البسيطة التي يمكن تذليلها سريعاً، بل ارتبطت بإشكاليّات جوهريّة في مشروع القانون، مثل اعتبار الحاكم أن منح سقف للتحويلات الضروريّة لكل فرد، يدفع إلى وجوب رفع السريّة المصرفيّة، لتمكين مصرف لبنان من مراقبة تحويلات كل فرد في جميع المصارف. وهذه المسألة ستحتاج حكماً إلى نظام معلوماتي معقّد على طريقة نظام مركزيّة المخاطر المعتمد لمراقبة التزامات الأفراد في المصارف المختلفة.

الحكومة العاجزة
وحتّى اللحظة، لم يتضح إذا كانت ملاحظات سلامة مجرّد مناورة تخفي رفضاً لمشروع القانون لأسباب أخرى. كما لم تتضح مقترحات سلامة لمعالجة العقبات التقنيّة الشائكة التي تحدّث عنها. لكن من المؤكّد أن طريق مشروع قانون الكابيتال كونترول سيكون مليئاً بالألغام والعثرات، كما من المؤكّد أن مسار مشروع القانون سيكون تحت مجهر وفد صندوق النقد، الذي حدد إقرار القانون كشرط أساسي قبل مناقشة أي مساعدة مقبلة للبنان.

تكثر العثرات على طريق صندوق النقد، ومعها تكثر التساؤلات حول قدرة لبنان على الحصول على الدعم المنشود في السرعة المناسبة، وقبل وصول الأزمة إلى مراحل أصعب. فبالإضافة إلى كل ما ذكرنا، تكمن العثرة الأكبر حتى الآن عدم قدرة الحكومة على إثبات "جدارتها القياديّة"، أي قدرتها على ضبط الأمور وتوجيه البلاد نحو المسارات المطلوبة للخروج من الإنهيار الحاصل. فعجز الحكومة عن إنجاز أبسط الأمور المطلوبة في هذا الوقت، كالتعيينات مثلاً، يمثّل مصدر قلق بالغ لأي طرف يريد تقييم قدرتها على تنفيذ أي خطّة تعرضها اليوم. وهذه المشكلة بالتحديد، ستظل تشكّل نقطة ضعف لبنان الأصعب خلال المرحلة الأيام المقبلة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها