آخر تحديث:18:05(بيروت)
الأحد 03/05/2020
share

خطّة الإصلاح الاقتصادي: انتظروا كيف ستمزّقها شروط صندوق النقد

علي نور | الأحد 03/05/2020
شارك المقال :
خطّة الإصلاح الاقتصادي: انتظروا كيف ستمزّقها شروط صندوق النقد تتأمل خطة الحكومة داعمين ومموّلين غير موجودين (دالاتي ونهرا)

بعد يوم واحد فقط من إقرار مجلس الوزراء اللبناني للنسخة النهائيّة من خطّة الإصلاح الحكومي، اجتمع رئيس مجلس الوزراء حسّان دياب ووزير الماليّة عازي وزني، لتوقيع طلب مساعدة صندوق النقد الدولي.

أكّدت العجلة في توقيع طلب المساعدة، بعد إقرار الخطّة، كل التحليلات السابقة، التي اعتبرت أن خطّة الإصلاح الحكومي لم تكن سوى إحدى مستلزمات الوصول إلى ما تراهن عليه الحكومة فعلاً. أي برنامج قرض من صندوق النقد الدولي. أساساً، كان واضحاً أنّ مضمون الخطّة لم يستهدف إلا هذا الرهان، حتّى أنّ شركة "لازارد" جرى تعيينها بالذات كاستشاري مالي، لمجرّد إمتلاكها الخبرة الطويلة في التعامل مع إجراءات صندوق النقد، ومعاييره في تقييم الخطط الماليّة.

لكنّ عند النظر إلى آليّات عمل هذا النوع من البرامج لدى صندوق النقد، وطريقة منح هذه القروض، سرعان ما نكتشف أن خطّة الحكومة تفاءلت كثيراً بخصوص المبالغ التي تتوقّع الحصول عليها. كما يبدو واضحاً من آليّات عمل الصندوق أن الإصلاحات التي تقترحها الحكومة مازالت بعيدة عن الشروط، التي يطلبها عادةً صندوق النقد قبل الموافقة على منح هذا النوع من القروض. وهو ما يعني أنّ على لبنان توقّع شروطٍ مؤلمة وأقسى بكثير من الإجراءات المقترحة في الخطة الحكوميّة.

حجم التمويل المتوقّع
تراهن الحكومة في خطّة الإصلاح على الحصول على ما يقارب 10 مليار دولار كقرض على مدى خمس سنوات. وتعلن الوثيقة بوضوح أنّ الوجهة التي ستذهب إليها الحكومة لتأمين هذا التمويل هي برنامج صندوق النقد الدولي. مع العلم أنّ هذه المبالغ لا تشمل أموال مؤتمر سيدر التي تراهن أيضاً الحكومة على الحصول عليها في إطار الخطّة.

عملياً، وبحسب آليّات عمل صندوق النقد الدولي، يحق للبنان الاستفادة من برنامج قرض يسمّى "اتفاقات الاستعداد الائتماني". وهو نوع من القروض التي يمنحها الصندوق لتمويل الدول التي تعاني من مشاكل العجز في ميزان المدفوعات، وهو ما ينطبق تماماً على حالة الأزمة اللبنانيّة. وعادةً، عند منح القرض، يستفيد البلد المقترض من فترة سماح تصل لغاية ثلاث سنوات وربع سنة، على أن يتم تسديد القرض بعد فترة السماح بموجب دفعات فصليّة، في فترة تصل لغاية سنتين. وهكذا تصل فترة برنامج القرض الإجماليّة إلى حدود الخمس سنوات وربع سنة، تشمل فترتي السماح وسداد القرض. وهكذا، يصبح مفهوماً إصرار خطة الإصلاح التي أعدّتها الحكومة على تحديد فترة السنوات الخمس عند الحديث عن مدّة القرض الذي ستطلبه الدولة اللبنانيّة.

لكنّ تطابق الخطّة مع شروط البرنامج بالنسبة إلى فترة القرض، لا تقترن مع تطابق مماثل بالنسبة إلى القيمة التي يحق للبنان الاستفادة منها. فحسب قوانين الصندوق، تملك كل دولة كوتا معينة، تحدد سقف القرض الذي تستطيع الاستفادة منه. وحسب الكوتا الخاصّة بلبنان، يمكن أن تصل قيمة التمويل الذي يستطيع أن يقدّمه الصندوق إلى حدود 1.25 مليار دولار في السنة الواحدة، و3.77 مليار دولار في كل السنوات التي يستفيد خلالها لبنان من هذا القرض. وهكذا، من الواضح أنّ سقف التمويل الذي يحق للبنان الاستفادة منه، حسب قواعد عمل صندوق النقد، منخفض جدّاً مقارنة مع حجم التمويل الذي تأمل الحكومة بالحصول عليه، وفقاً لخطتها.

في الواقع، ولمعالجة هذه النقطة، يمكن للحكومة محاولة تأمين المبلغ المطلوب – أي 10 مليار دولار- من خلال برنامج لصندوق النقد، لكن مع إضافة مصادر تمويل دوليّة مختلفة. بمعنى آخر، ستكتفي الحكومة وفق هذا السيناريو بالحصول على سقف القرض المنخفض المحدد لها من الصندوق، مع التزامها بالشروط التي يفرضها برنامج الصندوق، ثم تراهن على الحصول على باقي القيمة المطلوبة من جهات دوليّة مختلفة.

لكنّ هذا السيناريو يصطدم بعقبات عدة، أوّلها أن لبنان استنفذ جميع مصادر التمويل الأخرى عبر الأموال المرصودة في مؤتمر سيدر، والتي تفترض خطّة الحكومية أن لبنان سيحصل عليها (وهذا موضع شك كبير). مع العلم أن 10 مليارات المطلوبة كقرض من صندوق النقد، تختلف في هدفها ووجهة استعمالها عن القروض التي رصدتها الجهات المانحة للبنان في مؤتمر سيدر.

أمّا العقبة الثانية فهي انشغال الغالبية الساحقة من الدول، التي يراهن لبنان على دعمها عادةً، بالتداعيات الماليّة المؤلمة لأزمة كورونا، وأزمة انهيار أسعار النفط في الأسواق العالميّة. يُضاف إلى كل هذه العقبات، إشكاليّة عدم تمتّع حكومة حسّان دياب بالغطاء الدولي والإقليمي الذي تمتّعت به حكومة الحريري، خصوصاً مع تصنيفها في خانة "حكومة اللون الواحد". واللون الواحد الذي نتحدّث عنه هنا، لا يتمتّع بأفضل العلاقات مع المجتمع الدولي والدول الخليجيّة، القادرة على توفير الدعم المالي.

شروط القرض الاستثنائي
ثمّة بديل أخير يمكن للحكومة أن تلجأ إليه، وهو طلب قرض استثنائي يتجاوز السقف الذي يحق للبنان الاستفادة منه وفق قواعد عمل صندوق نقد. وفي هذه الحالة، وفي أكثر السيناريوهات تفاؤلاً، يمكن أن تصل قيمة القرض –حسب تجارب سابقة- إلى نحو 8.5 مليار دولار. وهي قيمة تقل أيضاً عن المبلغ المحدد في خطة الإصلاحات. لكنّ هذا النوع من القروض يقترب بشروط استثنائيّة قاسية. ومن المتوقّع أن يشترط صندوق النقد تنفيذها قبل الحصول على المبلغ المطلوب.

تلك الشروط حسب قواعد عمل الصندوق تشمل في هذه الحالة قدرة المؤسسات السياسيّة على توفير شروط نجاح الإصلاحات المقترحة، وإمكانية استعادة البلد المعني لقدرته على الاستدانة من الأسواق خلال فترة معقولة. كما تشمل الشروط التمكّن من الوصول إلى مرحلة استدامة الدين العام خلال المدى المتوسّط بعد منح القرض، أي في فترة سنوات قليلة.

وتتمحور الشروط الثلاثة بشكل رئيسي حول ضمان الصندوق لاستعادة ماليّة الدولة والقطاع المالي ملاءتهما على المدى المتوسّط، لضمان القدرة على تسديد دفعات القرض الاستثنائي. وكما هو معروف، وكون أولويّة الصندوق تتعلّق بهذه النقاط تحديداً، بمعزل عن أي اعتبارات اقتصاديّة أخرى، يفرض الصندوق عادة تدابير قاسية على الدول المقترضة. وهو ما أعطاه سمعة سيّئة في الدول النامية التي لجأت إليه في الماضي.

لكنّ الاطلاع على نوعيّة الإصلاحات التي تحدّثت عنها خطّة الإصلاح الحكومي يظهر سريعاً أنّها مازالت بعيدة جدّاً عن تحقيق الشروط القاسية التي تترافق عادةً مع هذا النوع من القروض. فالخطّة تمكّنت مثلاً من تحديد حجم الفجوة الموجودة في القطاع المصرفي ومصرف لبنان، والخسائر المتراكمة عبر السنوات في ميزانيّات المصرف المركزي، لكنّها لم تحدد أي إجراءات واقعيّة وحاسمة للتخلّص من هذه الفجوة.

تحدّثت الخطّة في هذا الإطار عن "استرداد الأموال المنهوبة" كأحد الخيارات، مع العلم أن هذا النوع من الإجراءات يستلزم غطاء سياسياً حازماً وجاداً من جميع المؤسسات الدستوريّة. ومن المعروف أن الجهات التي سيستهدفها الإجراء هي نفسها الممسكة بالقرار السياسي، سواء في مجلس النواب أو الحكومة. وتكمن المفارقة السرياليّة في أن رئيس الجمهوريّة قد دعا إلى اجتماع تشاوري لمناقشة الخطّة، التي تستهدف استرداد الأموال المنهوبة، مع رؤساء جميع الكتل النيابيّة، التي أشرفت بأشكال مختلفة وخلال مراحل متفاوتة على السياسات الماليّة التي شهدت الهدر في المال العام.

كما تتحدّث الخطّة عن إجراءات غير منطقيّة، مثل استرداد الودائع التي جرى تحويلها إلى الخارج خلال المرحلة السابقة، كونها قد خالفت إجراءات ضبط السيولة. وهذا الإجراء يستلزم طبعاً تعاون الدول والمصارف التي نزحت إليها هذه الأموال، وتتبع مصيرها عبر الدول إذا جرى تحويلها أكثر من مرّة في الخارج. ومن المعلوم أن هذا الإجراء غير واقعي. أوّلاً، لعدم وجود أي تشريع قائم يقونن إجراءات ضبط السيولة التي عملت بها المصارف خلال الفترة الماضية، بما يسمح للدولة إعتبارها أموالاً مهرّبة، والمطالبة بها. وثانياً، لأن طبيعة أسواق المال تتيح لأصحاب الودائع تهريبها إلى جنّات ضريبة وملاذات آمنة، يستحيل فيها تتبّع مصير الأموال وصاحب الحق الاقتصادي فيها، ناهيك عن المطالبة باستردادها.

أمّا المفارقة الكبرى، فهي أن تطلب الخطّة استعادة أرباح الهندسات الماليّة. إذ أنّ هذه الأموال سُجّلت كأرباح استثنائيّة جرت إضافتها إلى رساميل المصارف، وهي الرساميل نفسها التي تطالب الخطّة بشطبها، بسبب الخسائر التي مُني بها القطاع المصرفي.

الباب مفتوح للشروط القاسية
الأكيد أن معدّي الخطّة يدركون مدى بُعدها عن ملاءمة جميع شروط الصندوق القاسية. ومن المرجّح أن الحكومة أرادت الابتعاد عن اقتراح الشروط هذه بنفسها، كي لا تتحمّل مسؤوليّتها على المستوى الشعبي، على أن تترك الأمر للصندوق لاقتراحها بنفسه. لذلك، تركت الباب مشرّعاً أمام هذه شروط الصندوق بذكاء. فتحدّثت عن تحويل الودائع إلى أسهم في المصارف، لكن بشكل اختياري. وهو ما يمهّد لفرضها لاحقاً بنسبة معينة كإجراء إلزامي. ثم تحدّثت الخطة عن الخصخصة من خلال صندوق خاص، لكن من دون الغوص في طبيعة الأصول والقطاعات التي سيتم خصخصتها. وفي مجال التقشّف وفرض الضرائب، ابتعدت الخطّة عن الدخول في بعض التفاصيل الحسّاسة التي يمكن أن تثير النقمة الشعبيّة، تاركة هذا الأمر لمرحلة التفاوض مع الصندوق لاحقاً.

في كل شيء، اقتربت الخطّة من نفق الإجراءات المؤلمة وفتحت بابه لصندوق النقد، من دون أن تدخله بنفسها. قد يكون هذا التكتيك جزءاً من خطة شركة لازارد، من ناحية الحديث عن إصلاحات مرنة وخفيفة، مع إبداء الاستعداد لما هو أصعب، لتترك مساحة للتفاوض مع صندوق النقد في المستقبل، حول درجة قساوة شروط الصندوق. وقد يكون تحديد قيمة مرتفعة للقرض المطلوب أيضاً جزء من هذا التكتيك، عبر رفع السقف لبدء التفاوض مع الصندوق انطلاقاً من قيمة مرتفعة.

لكنّ وبموازاة توجّه الخطة إلى صندوق النقد بالدرجة الأولى، وترقّب اللبنانيين لشروطه واحتمالات اتفاقه مع الحكومة على صيغة القرض، لم تحتوِ خريطة طريق المعالجات الحكوميّة على أي من المسائل الجوهريّة التي تهم اللبنانيين أو تُعنى بمصالحهم. فخطة الإصلاح التي ركّزت على المعالجات الماليّة التي تهم الدائنين المحتملين، لم تعطِ أي اهتمام للإصلاحات المطلوبة على مستوى بنية الاقتصاد اللبناني. وطالما أنّ خريطة الطريق هذه لم تقترح أي معالجات جديّة على هذا المستوى، فمن الصعب أن نتوقّع من هذا المسار أي شيء غير ألم شروط صندوق النقد الدولي.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها