آخر تحديث:00:07(بيروت)
الجمعة 22/05/2020
share

الأوليغارشيا تتّحد ضد الدولة

عصام الجردي | الجمعة 22/05/2020
شارك المقال :
الأوليغارشيا تتّحد ضد الدولة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي لن تكون منجاة من الأزمة (المدن)

خلاص لبنان واللبنانيين لن يكون إلّا في رحيل المنظومة السياسية. مهمة واحدة مطلوبة. تعديل قانون الانتخابات على أساس النظام المدني لا الطائفي. ولبنان دائرة واحدة، وحق الاقتراع لمن بلغ الثامنة عشرة وانتخابات مبكرة. بعد ذلك استقالة رئيس الجمهورية والحكومة وانتخاب رئيس جديد وتأليف حكومة جديدة. من يستعجل الانتخابات من أحزاب السلطة التقليدية التي غدت في صفوف المعارضة من دون تعديل قانون الانتخابات، إنما يسهم كقوى السلطة في انهيار الكيان دولة ومؤسسات، وينتظر تحسين شروطه لدخول السلطة من جديد.

ينهار وضع اللبنانيين المعيشي بسرعة كبيرة. وتتراجع كل المؤشرات الاجتماعية. الغطاء الصحي الذي كان مفقودًا لنحو 42 في المئة اللبنانيين توسّع بلا حدود. لا أرقام يُركن إليها الآن. النظام التعليمي يتهاوى إلى فوضى. ينبهنا رئيس الحكومة حسّان دياب من النافذة الأميركية عبر مقالة في "واشنطن بوست" إلى أن المعروض من الغذاء على وشك النضوب. يتداعى له نقيب مستوردي المواد الغذائية الذي ربط الأزمة بسعر صرف الدولار الأميركي. وينصح دياب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بإنشاء صندوق طوارئ مخصص لمساعدة الشرق الأوسط على اجتناب أزمة غذاء حادة. وإلا فالمجاعة. وقد تؤدي إلى تدفق جديد للهجرة إلى أوروبا.

عندما كان دياب يتلو ما وصفه إنجازات الحكومة في اليوم المئة بعد نوالها الثقة، كان عسكر وزير الداخلية "القبضاي"، مدعومًا بأشباح بالثياب المدنية يعتدون على مواطنين سلميين قرروا نقل الاحتجاج على انقطاع الكهرباء القاسي إلى وزارة الطاقة بدلًا من مؤسسة كهرباء لبنان. وقيل إنهم من جماعة وزير الطاقة. ولم يوفروا حتى الإعلاميات والإعلاميين. ووزيرة الاعلام تكتفي بدور الترجمان المحلّف لرئيس الحكومة. ومهمتها في الأصل سياسية وليست تقنية فحسب، للدفاع عن الإعلاميين وتوفير الظروف الملائمة للقيام بواجباتهم تجاه الرأي العام بحرية وديموقراطية.

نعوضكم من أملاككم
في المقلب الآخر، بدأت المصارف وحاكم مصرف لبنان هجومًا مضادًا عنوانه الدولة اللبنانية. الهجوم مدعوم من قوى مزركشة الألوان سياسيًا وطائفيًا 14 آذار و8. حين تصل القضية إلى الامتيازات والمصالح المالية والمادية، تتغيّر الخرائط السياسية وتتكتّل القوى. أليس غريبًا ألّا تتضمن خطة المصارف أي إشارة أمان إلى المودعين بحق الوصول إلى ودائعهم؟ "الدولة هي المسؤولة". والدولة شعب وأرض ومؤسسات. الشعب نعرف حاله. والأرض لا حدود لها لا مع فلسطين المحتلّة والعدو الصهيوني، ولا شرقًا وشمالًا مع سوريا النظام، الغارق في الفساد والقتل، والممانع عن الحرية والتحرير. لا يقال سلطة مسؤولة. بل دولة. لأن التكتل الجديد الذي يُعاد تشكيله الآن من قوى المال والسياسة هو السلطة الأوليغارشية. من هم على رأس المؤسسات في قلب هذه السلطة. من بقي من الدولة إذن؟ الشعب المسحوق. 55 في المئة من اللبنانيين لا يملكون حسابات مصرفية. نحو مليون 715 ألفًا ودائعهم أقل من 3 آلاف دولار أميركي. بقية الشرائح معروفة. كلّما تراجع عدد المودعين ارتفع حجم الودائع. هل يوجد موقف من الحكم أو من الحكومة يحدد من المسؤول عن إفلاس البلد؟ أبدًا حتى الآن. "الدولة هي المسؤولة ولها حيازات وكيانات اقتصادية تعوض مسؤوليتها وخسائرها. الاتصالات والجمارك وإنترا وشركاتها وكازينو لبنان، "الميدل إيست" والمرفأ والمطار والريجي وأملاك بحرية وبرية وكل كيان ينتج"!  وصندوق استثماري وربما ابتكارات صناديق أخرى. سيناريو التسعير 40 مليار دولار أميركي. الدولة تسد دين مصرف لبنان والأخير يسد دين المصارف. لكن كيف يسترد المودعون أموالهم ومتى؟ ليس معروفًا. واستثمارات الصندوق حيازات لكل اللبنانيين بما في ذلك الذين لا يملكون حسابات مصرفية (55% من اللبنانيين).

حزب الله والصندوق وواشنطن 
في مئوية حكومة دياب لم يقل لنا كيف يمكن أن يكون الفرق في الخسائر المقدّرة بين الخطة الحكومية وبين خطة المصارف 104 آلاف مليار ليرة لبنانية. ويبدو أن المصارف تبنّت رقم الخسائر الذي عرضه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة. ومجلس النواب لن يتبنى رقم الحكومة. بات على صندوق النقد الدولي أن يقوم بدور قاضي الصلح بين عشائر الدولة اللبنانية قبل الوصول إلى محطة المفاوضات النهائية. وطريقها ليس سالكًا من دون مطبّات سياسية على صلة بالصراع الإقليمي الأميركي الإيراني و"حزب الله" ودوره في لبنان.

ما هي الشروط التي يخشى "حزب الله" أن يفرضها صندوق النقد الدوي على لبنان في حال قبول الصندوق توفير برنامج قروض ميسّرة للبنان؟ الكلام كثير، حمّال أوجه، فيه هواجس ومنعرجات. هواجس الحزب السياسية لها ما يسوغها. اعترض منذ البداية على التفاوض مع الصندوق. ليس من الجوانب المالية والاقتصادية التي يواجه حرجًا فيها، بل كي لا يصل لبنان إلى المنعطف السياسي مع الولايات المتحدة والغرب لتتبدل الشروط التقنية إلى سياسية تستهدف الحزب وملف السلاح وتطبيق القرارات الدولية ذوات الصلة وسياسة النأي بالنفس التي لم تتمكن الحكومات اللبنانية من إلزام الحزب بها. ويُفهم من مسار المواقف الأميركية احتمال أن تلجأ واشنطن إلى استخدام مزيد من القيود المالية والسياسية معًا ضد الحزب بات من المستحيل ألّا تؤثر على مسار خروج لبنان من محنته المالية والاقتصادية والمعيشية. ولا بدّ أن تقيد عمل الحكومة. ولنا أن نستنتج ذلك من مقالة دياب في "واشنطن بوست" وكلمته في يوم الحكومة المئة. إذ التزم قواعد السلوك بدقة. واجتنب التطرق إلى شؤون أمنية وسياسية إقليمية باتت موقوفة على الحزب.

كائنًا ما كانت نتائج المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، فلن تكون منجاة من الأزمة وهي ليست كذلك أساسًا. لكن أهمية الصندوق جسر تواصل للبنان مع الدعم الدولي مساعدات وقروضًا ميسّرة. القروض للبنان غدت عصيّة من الداخل والخارج وترقى إلى مستوى الدعم هذا دين الأمر الواقع. لأن دين لبنان ما عاد مستدامًا وموفورًا من أي مصدر كان. مصادر التمويل الأخرى دولًا ووكالات ومؤسسات مفتاحها الصندوق، لكونه مرجعًا لمعرفة أهلية الدولة في الحصول على القروض أولًا. وثانيًا، لمعرفة ما اذا كانت ملتزمة الإصلاحات وثالثًا، لتتأكد من قدرة الدولة المعنية على سداد القروض المموّلة من دافعي الضريبة في بلادها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها