آخر تحديث:15:41(بيروت)
الخميس 21/05/2020
share

الدولار المدعوم للاستيراد: تدميرٌ للصناعة وازدهارٌ للتهريب!

علي نور | الخميس 21/05/2020
شارك المقال :
الدولار المدعوم للاستيراد: تدميرٌ للصناعة وازدهارٌ للتهريب! الخطة ستثير شهوة المافيات التي تتقن قراءة فوارق أسعار السلع بين لبنان وسوريا (علي علّوش)
لا يزال تسارع التخبّط والتضارب في توجّهات المؤسسات الرسميّة العنوان الأساسي للمرحلة. خصوصاً في ما يتعلّق بقرارات معالجة الأزمة على المستوى النقدي. وزير الاقتصاد راوول نعمة، أعلن أخيراً أنّ مساراً بدأ لتحديد "السلع الغذائيّة الأساسيّة" في الأسواق، وكلفة استيرادها سنويّاً، للعمل مع مصرف لبنان على برنامج توفير الدولارات المطلوبة لاستيرادها، وفقاً لسعر خاص مدعوم.
ثم أصدر حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، يوم الخميس 21 أيار، البيان الآتي:
"يستهل مصرف لبنان بدءاً من 27 أيار 2020 اتخاذ الإجراءات الضرورية لحماية الليرة اللبنانية، ومن ضمنها تأمين الدولارات لتأمين استيراد المواد الغذائية الأساسية، تبعاً لتعميم سيصدر بالتنسيق مع وزارة الاقتصاد. ويمكن للمصارف المساهمة بهذه العمليات بالتنسيق مع مصرف لبنان".

قطعة "البازل" الناقصة
لم يحدّد نعمة السعر "المدعوم" الذي يتحدّث عنه. لكن رئيس جمعيّة تجار بعلبك - الوسط التجاري، سارع إلى زف خبر مماثل مع مزيد من التفاصيل: هناك اتفاق مع مصرف لبنان على أن يبيع المصرف المركزي الدولار الأميركي إلى التجار مباشرة، بسعره المحدد للصيارفة البالغ 3200 ليرة كحدٍ أقصى. والسعر هذا يعدُّ "مدعوماً"، لأن السعر الفعلي لشراء الدولار يلامس 4300 ليرة، فيما يرفض الصيارفة حتّى اليوم الالتزام بالسعر الأقصى الذي يحدده مصرف لبنان للدولار.

تؤكّد هذه التطوّرات توجّهات أشارت إليها "المدن" الأسبوع الماضي: نيّة مصرف لبنان العمل على آليّة لبيع الدولار إلى التجار مباشرة منه أو من المصارف، بسعر خاص، من دون عبورهم بشركات الصيرفة. لكن الدولارات المنوي بيعها إلى التجار مصدرها منصّة مصرف لبنان الجديدة، والواردة من التحويلات الخارجية إلى شركات تحويل الأموال، والتي تسدد قيمتها الآن لمستحقيها بالليرة اللبنانيّة. في الحالات كلها، تشكّل هذه الخطوة قطعة "البازل" الناقصة في خريطة تعاميم مصرف لبنان، تلك التي حددت آليّة مصادرة الدولارات الواردة من التحويلات الخارجية، وتُخوَّل المنصّة تداولها. وقد حددت التعاميم أيضاً الحد الأقصى لسعر بيع الدولار. ولم يبق حاليّاً سوى إنجاز آليّة بيع الدولار للمستوردين. 

المخاوف من التهريب
لدى النظر في الخطّة، تقفز أمامنا محاذير ومخاوف كثيرة، خصوصاً أنّنا نتحدّث عن خلق سعر صرف إضافي مدعوم للدولار، في ظل تفلّت مستمر لسعر الصرف الفعلي في السوق الموازية. ومن الطبيعي أنّ تضيف الخطّة من الفرق بين السعرين، إلى درجة كبيرة، خصوصاً أنّها تستهدف تجاهل سوق الصرف الموازية أو السوداء، وخنق جميع مصادر الدولار النقدي في السوق، في مقابل توجيه الدولارات لعدد محدود من السلع المعينة بعناية، حسبما شرح وزير الاقتصاد.

مكمن التخوّف الأوّل هو تهريب السلع المدعومة عبر الحدود. وهناك ما يكفي من مؤشّرات تؤكد التخوّف من هذا العامل. فتهريب بعض السلع المدعومة حاليّاً - المحروقات والقمح - إلى سوريا، ظاهرة معروفة منذ سنوات. لكنّ اتساع الفرق المستجد بين سعر الصرف الفعلي وسعر الصرف المدعوم لهذه السلع، جعل التهريب أكثر إغراءً لكثيرين. وهذا ما أدّى إلى اتساع تفشّي هذه الظاهرة في الأشهر الماضية تحديداً. وباختصار، يمكن التاجر شراء السلع بسعر الصرف المدعوم في لبنان، وبيعها في سوريا بالدولار النقدي. ويكفي أن نعلم أن سعر الصرف الفعلي يوازي 2.8 مرّات سعر الصرف المدعوم، لندرك الحجم الخيالي لأرباح المهرّبين. أمّا كلفة هذه العمليّة فهي ببساطة استنزاف ما تبقى من احتياطي العملة الصعبة لدى مصرف لبنان.

بالتأكيد، سيكون السعر الجديد المعتمد في منصّة مصرف لبنان أعلى من سعر الصرف المدعوم لإستيراد المحروقات والقمح. لكنّ الفرق الكبير بين سعر الصرف الفعلي وسعر المنصّة المدعوم، سيكون كفيلاً بإثارة شهوة المافيات التي تتقن قراءة فوارق أسعار الصرف في لبنان، وفوارق أسعار السلع بين لبنان وسوريا. وفي الحالات كلها، من الطبيعي أن يتوسّع بالتدريج الهامش بين سعر الصرف في السوق الفعلية وسعر منصّة مصرف لبنان المدعوم بفعل الخطّة نفسها. وفي هذه الحال ستزيد تدريجيّاً جاذبيّة عمليّات التهريب عبر الحدود.

ماذا يعني ذلك؟ ببساطة سيذهب شطر من دولارات التحويلات الواردة التي يصادرها مصرف لبنان، لتمويل أرباح حلقة من مافيات التهريب عبر الحدود. خصوصاً إذا فشلت الدولة في ضبط الحدود ضبطاً تاماً، بالتوازي مع تطبيق خطّة مصرف لبنان الجديدة. وكان رئيس تجمّع الصناعيين في البقاع نقولا أبو فيصل، أوّل من التفت إلى مخاطر العمليّة، حين قال: "حذار تمرير أي قرار في مجلس الوزراء يسمح للتجار باستيراد الأصناف الأساسيّة بدولار مدعوم، على غرار الطحين والمازوت والدواء، ومن ثم تهريبها إلى خارج الحدود".

سيبقى موضوع الحدود مسألة صعبة المعالجة على المدى المنظور. ففكرة ضبط بعض أجراء الحدود السوريّة - اللبنانيّة، ترتبط بحسابات أمنيّة واستراتيجيّة تخص حزب الله تحديداً. ومن الطبيعي أن يخضع الموضوع إلى مقاربة حزب الله وحاجاته بالدرجة الأولى.

مخاوف أخرى كثيرة
في الواقع، ثمّة مخاوف أخرى على صعد كثيرة، تتعلّق جميعها بإشكاليّة اعتماد أسعار صرف جديدة مدعومة. فمن المعروف أنّ الدولة لا تملك أساساً آليّات لمراقبة ميزانيّات الشركات مراقبة دقيقة وشاملة. فالشركات اللبنانيّة تمتلك دفاتر حسابات متعددة للتفلّت من الرقابة الضريبيّة. لذا، من الطبيعي التخوّف من إساءة استخدام خطّة الدولارات المدعومة، عبر التلاعب بالكلفة الفعليّة للبضاعة المستوردة، بهدف شراء الدولارات بالسعر بالمدعوم محليّاً، وتحويل المبالغ إلى الخارج للاستفادة منها كدولارات طازجة يمكن بيعها بسعر السوق الفعلي. ومن المعلوم أن أصحاب شركات محلّية كثيرة يملكون شركات مسجّلة في الخارج، لإستعمالها - إضافة لتهرّب الضريبي - وسيطاً أو واجهة بينهم وبين البائع الحقيقي، مع كل ما يرافق هذه العمليّة من تمويه لكلفة البضائع الفعليّة.

إضافة إلى هذا الهاجس، ثمّة أسئلة أخرى يجب طرحها هنا حول هويّة الشركات المستوردة التي تستفيد من هذه الخطّة، خصوصاً أن حجم الأموال المتاح لهذه العمليّات - عبر المنصّة - محدود، مقارنة بطلب السوق الفعلية على الدولارات التي تحتاجها الشركات للاستيراد. ومن ناحية أخرى، ثمّة إشكاليّة كبيرة هنا حول الاحتكارات والكارتيلات التي تستفيد منها شركات كثيرة في قطاعات عدة، لفرض تسعيرتها الخاصّة. وهذه مسألة لم تعالج قبل اللجوء إلى الخطّة التي يجري الحديث عنها.

دعم الاستيراد بدل الإنتاج!
لعلّ أكثر ما يمكن استغرابه هو لجوء دولة تعاني من مشكلة عجز في ميزان المدفوعات، إلى خطّة لدعم الاستيراد، قبل إنجاز خطّتها لدعم الإنتاج المحلّي! فالمصانع اللبنانيّة تعاني حاليّاً من أزمة كبيرة عنوانها شح الدولارات المطلوبة لاستيراد المواد الأوليّة، لا بل ثمّة قطاعات شهدت موجات نزوح لمؤسساتها بإتجاه دول أخرى لهذا السبب بالذات. وحتّى المفاوضات التي جرت مع مصرف لبنان في المدة الماضية، لمعالجة هذه الأزمة، لم تتمكّن من تأمين سوى جزء بسيط جدّاً من حاجة القطاعات الصناعيّة للدولار.

وهكذا، وبدل إنجاز خطّة كاملة تراعي معالجة أزمة الإنتاج المحلّي، ومعالجة فجوات دعم الإستيراد، توجهت الحكومة ومصرف لبنان إلى دعم الاستيراد قبل معالجة مشكلات القطاعات الانتاجيّة المحليّة. ثم إن فكرة دعم سعر الصرف للاستيراد، تقلل فرص نشوء صناعات محليّة بديلة في القطاعات التي تحتاج إلى مصانع تلبّي الطلب المحلّي.

أمّا الأزمة الأكبر التي تكشف عنها الخطة الجديدة، فهي تضارب توجّهات وخطط المؤسسات الرسميّة المختلفة وتخبّطها. فمصرف لبنان يستمر حتّى اللحظة في دعم السلع الحيويّة - أي المحروقات والدواء والقمح - فيما تبيّن تقارير ماليّة أن حجم عمليّات تهريب بعض هذه السلع ارتفع منذ أكثر من سنتين إلى مستويات قياسيّة، من دون أن تبادر السلطة إلى أي إجراء جدّي. وهذا على الرغم من خطورة الموضوع. واليوم يتجه المصرف المركزي إلى التعاون مع وزارة الاقتصاد لصوغ الخطّة الجديدة، قبل تمكّن السلطة من معالجة موضوع التهريب على نحوٍ حاسم، وقبل مبادرة الحكومة إلى التفكير في آليّات ضبط عمليّات الاستيراد وتنظيمها عند تطبيق الخطّة. مع العلم أن آليّات الاستيراد لا يمكن ضبطها إلا من خلال وزارة الماليّة وإدارة الجمارك.

وفي الأحوال كلها، من الواضح أن قلّة الانسجام بين المؤسسات الرسميّة، باتت ظاهرة في جميع المسائل الماليّة والنقديّة التي يجري التعامل معها. ووصل الأمر إلى حد تبادل الاتهامات بين رئيس الحكومة وحاكم المصرف المركزي، عبر وسائل الإعلام. وطالما تقيم مؤسسات الدولة، ويقيم رجالها، على التصرف بهذه الطريقة في المسائل المطروحة كافة، فمن المستبعد جدّاً أن تنجح الخطط التي يجري تطبيقها في لجم تداعيات الانهيار الحاصل على المدى القصير. ومن غير المعقول أن تنجح مثل هذه الدولة بأساليبها المتبعة، في تنفيذ أي خطة بعيدة الأمد، للخروج من المآزق المتراكمة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها