آخر تحديث:00:06(بيروت)
الإثنين 18/05/2020
share

سلامة والصندوق.. مبارزة تقنية

عصام الجردي | الإثنين 18/05/2020
شارك المقال :
سلامة والصندوق.. مبارزة تقنية لبنان يقترب من دولة فاشلة بكل المعايير (Getty)

يفاوض صندوق النقد الدولي في جولة أخرى اليوم دولتين في لبنان. دولة الأختام الشرعية بمن يمثلها من حكومة حسّان دياب، ودولة الأمر الواقع ممثلة بحاكم مصرف لبنان رياض سلامة إذا حضر. لأن عجز مصرف لبنان الكبير هو الاستعصاء المالي في خطة التعافي الحكومية. معه حق سلامة. لم تستشره الحكومة في الخطة كما يقول. حبل التفاهم مقطوع بينه وبين دياب. وقد ظنّ الثاني مدعومًا من رئيس الجمهورية ميشال عون، أن في وسعه استكمال اتهاماته الخطيرة لحاكم مصرف مركزي بإبعاده، وإصدار حزمة تعيينات تشمل نوّاب الحاكم الأربعة، ومعها لجنة الرقابة على المصارف وسدّ شواغر أخرى. لكنه فشل. ودياب يعلم أن عون لم يتمكن من المهمّة وجدّد لسلامة.

مشهدٌ بائس
مشهد انقسام دولة مفلسة على نفسها هو أخطر من الإفلاس بذاته. صندوق النقد الدولي لم يواجه حالة كهذه قطعًا. هي التي ستتصدر تقريره إلى مجلس المديرين التنفيذيين في الصندوق بصرف النظر عن مضمون التقرير. وستكون إشارة جديدة تضاف إلى أخرى تشي بأن لبنان يقترب من دولة فاشلة بكل المعايير. لم يعد قرض الصندوق ينقذه ولا تعهدات سيدر. ويدفع إلى مرحلة تتطلب تدخلًا دوليًا كي يجتنب الفوضى والاحتمالات الكبيرة. كل مضمون التصريحات التي تصدر عن جهات دولية وعواصم غربية والأمم المتحدة فيها إشارات إلى ذلك.

مرور الكرام مرّ بيان أصدره سلامة في نيسان الماضي يعتبر فيه تقديرات الخسائر التي تضمنتها الخطة الحكومية مبالغًا فيها. وكذلك خسائر مصرف لبنان. البيان كان تقنيًا بامتياز. مؤكد أن العدد الكبير من الوزراء لم يستوعبوا البيان. النواب كذلك، والإعلام – وليس الصحافة الرصينة – في منطقة أخرى من زمان. وجهة نظر سلامة ترى أن مصرف لبنان يمكنه ترحيل الخسائر إلى سنوات مقبلة. وأن معايير المحاسبة الدولية الحديثة وفي رأسها 9IFRS لا تنطبق على المصارف المركزية. ويرى البيان، أن الخسائر قد تستمر سنوات عدّة. ومن السبل المتاحة لتغطيتها استخدام الاحتياطات المتراكمة، وفي حال استنفاد تلك الاحتياطات، تعويض offset الخسائر المدوّرة بالأرباح المستقبلية إلى حين تصفيتها. يدعم سلامة موقفه بدراسة أعدها المصرف المركزي الأوروبي عن خسائر المصارف المركزية. ويورد أن مجلس الاحتياط الفدرالي الأميركي ومصرف إنجلترا والمصارف المركزية الوطنية في أوروبا، واجهت جميعها سلسلة من الأزمات المالية، ولو كانت مختلفة المنشأ. "وقد لجأت هذه المصارف المركزية أيضا إلى تدابير غير تقليدية أوسع وأخطر ماليًا من أي تدابير اتخذتها سابقا".

رأي الصندوق
بحثنا في مدونات صندوق النقد الدولي وعثرنا على موقف من حالات الخسائر التي تواجهها المصارف المركزية لفهم مدى تناسبها مع ما ورد في بيان سلامة، لناحية ترحيل الخسائر وتعويضها في سنوات لاحقة ومعايير المحاسبة. وكان فيها لسلامة وعليه. لكن المحصلة كانت على الدولة المعنية أن تتحمل مسؤولياتها حيال مصارفها المركزية، وتسهم في إعادة رسملتها وتغطية خسائرها إنما بشروط وحالات أغفلها بيان حاكم مصرف لبنان سهوًا أو عمدًا.

في مدونة الصندوق أن "مفهوم القيمة السلبية الصافية للمصرف المركزي (أي مصرف مركزي) يختلف عن مفهوم الإعسار كما هو مطبق على المؤسسات التجارية. وعلى عكس المؤسسات التجارية المُعسرة، لن يخضع المصرف المركزي بثروة صافية سالبة لعقوبة التصفية الرسمية بسبب وضعه كوكالة اقتصادية متخصصة. للحصول على مناقشة أكمل لماذا يحتاج المصرف المركزي إلى صافي ثروة إيجابية. Stella) 1993) لكن الصندوق يرى أن في "حالات كثيرة، تم تكبّد خسائر تتعلق بالأنشطة التي تتجاوز بكثير وظائف المصارف المركزية التقليدية".

هل تجاوز مصرف لبنان وظيفة المصارف المركزية التقليدية من وجهة نظر صندوق النقد الدولي؟ لو كان الأمر كذلك وهو صحّ من وجهة نظرنا، لباتت قضية تغطية الخسائر وترحيلها التي يراها سلامة في المقلب الآخر، بصرف الاعتبار عن صحتها لكونها نتيجة. يعود ذلك بنا إلى السؤال الأهم. هل كان سلامة مجبرًا على تمويل الدولة؟ لا بموجب قانون والتسليف. كتبنا مرتين وعرضنا المواد. هل كان مجبرًا على تمويل عميل واحد (الدولة في هذه الحال) إما مفلس بمعايير المحاسبة ويشترك في تغطية إفلاسه، وإما في طريقه إلى الإفلاس المحتوم بعد الفراغ من شراء الوقت؟ هل كان مصرف لبنان مجبرًا على الاستمرار في تمويل منظومة فاسدة سياسيًا وأخلاقيًا بما يخالف كل معايير الشفافية والنزاهة ومسؤوليات المصارف المركزية؟ هل يمكن أن يستمر مصرف لبنان في تمويل هذه المنظومة مع علمه اليقين أن تسليفاته من ودائع المصارف ومال المودعين في النهاية؟ وأن سياسة التمويل هذه ستقود بالضرورة إلى إفلاس المصارف واهتلاك رساميلها وتوقفها عن واجباتها الائتمانية والاقتصادية والاجتماعية؟ أخيرًا، هل وصل الإمعان في الإنكار والتنكر للحقيقة أن يستمر مصرف لبنان في التسليف رغم علمه بالخسائر الهائلة التي يتكبدها ونتائجها على مصرف مركزي يضع قواعد العمل المصرفي؟

مدونة صندوق النقد تشدّد على "وجوب أن تنعكس أي خسائر في الحسابات المالية لمجرد اكتشافها مرّة أولى". هل كان سلامة يبلغ رئيسي الجمهورية والحكومة السابقة سعد الحريري بخسائر مصرف لبنان وأذنا له أن يستمر بتسليف الدولة؟ خسائر المصرف في 2016 بحسب تقرير سرّي للصندوق صدر في 2017، بلغت نحو 14 مليار دولار أميركي. من رأى هذا التقرير من المسؤولين غير سلامة؟ وماذا كانت التدابير الاحترازية التي اتخذت؟

صندوق النقد الدولي يوصي بأن تتولّى الدولة إعادة رسملة المصارف المركزية وتغطية خسائرها بإصدار الأوراق المالية الحكومية تحمل فائدة بمعدلات بالسوق. "وتتطلب المعايير المحاسبية الاعتراف بأي مدفوعات فائدة يتم تلقيها على الأوراق المالية الصادرة من الحكومة لتغطية خسائر المصرف المركزي كإيراد، وتسجيلها على هذا النحو في بيان الدخل. ولا ينبغي أن تقيد مباشرة في حساب الميزانية العمومية". قانون النقد والتسليف ينص على دور للدولة في رسملة مصرف لبنان بمعايير محددة. لكن واحسرتاه! من أين للدولة أن تعيد الرسملة وبفوائد السوق، وقت باتت مقصية عن الأسواق وتنفق هي ومصرف لبنان من ودائع الناس، بعد أن فتحت المصارف خزائنها كما مصرف لبنان لمنظومة أشرار لا خلاص للبلاد والعباد إلّا بكسرها، وليس طردها من السلطة فحسب.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها