آخر تحديث:00:02(بيروت)
الإثنين 06/04/2020
share

حقيقة "عودة المغتربين": الميدل إيست تُتاجر والحكومة تُفاخر

خضر حسان | الإثنين 06/04/2020
شارك المقال :
حقيقة "عودة المغتربين": الميدل إيست تُتاجر والحكومة تُفاخر الميدل ايست أجرت عملية تجارية ناجحة جداً (علي علوش)
بعد سجال سياسي حول السماح بعودة المغتربين الراغبين بالعودة إلى لبنان، استقرّ الرأي على فتح المطار استثنائياً لطائرات شركة طيران الشرق الأوسط (الميدل إيست) التي ستُقلّ العائدين.

كان الظنّ بتحمّل الحكومة مسؤولية العودة، من ناحية الكلفة كما من ناحية التنظيم والمتابعة الصحية. فخاب الظن، حين شكّلت "المرحلة الاستثنائية" فرصة لشركة الميدل إيست لمراكمة أرباح تعوّض تراجع إيراداتها في ظل إقفال المطار. 

ولم تكتفِ الشركة باستغلال الحالة الاستثنائية للمتاجرة المادية، بل تماهت مواقفها مع مواقف الحكومة التي فاخرت بأنها قامت بخطوة غير مسبوقة. وصدّقت ذلك.

طبق من ذهب
وَضَعَ رئيس مجلس إدارة الميدل إيست، محمد الحوت، شركته، في تصرف الحكومة اللبنانية، معلناً استعدادها لتسيير رحلات لإعادة المغتربين الراغبين، فور سماح الحكومة بذلك. وكان له ما تمنّى. وكيف لا، إن كانت الرحلات ستؤمّن لشركته أرباحاً لم يكن ينتظرها، في زمن توجّه البلاد نحو المزيد من الانغلاق على الذات تماشياً مع إجراءات منع انتشار فيروس كورونا.

تعدّت أسعار تذاكر السفر المستوى المعمول به في المناسبات والأعياد، أو ما يُعرَف بـ"الهاي سيزون". مع الإشارة إلى أن الأسعار هي لتذكرة بخط واحد، أي العودة إلى لبنان فقط، ما يعني أن على العائدين دفع ثمن تذاكر المغادرة إلى بلاد الاغتراب مستقبلاً.

لم يساوِ الحوت زمن الوباء بزمن الأعياد حتّى، فلو فعل، لتمكّن المسافرون من العودة إلى بلاد اغترابهم بثمن التذكرة ذاتها، وإن كان مرتفعاً. لكن الحوت أبى، مفضّلاً المضيّ باتّباع قواعد السوق الرأسمالي، حيث تُعتَبَر مراكمة الأرباح هدفاً نهائياً، مهما كانت الظروف. وليس هناك أفضل من فرصتين ذهبيتين حصل عليهما الحوت خلال أقل من 3 أشهر، فرصة ارتفاع سعر الدولار، وتالياً أزمة كورونا.

فبعد قراره حصر قبول دفع ثمن تذاكر السفر بالدولار، إثر الأزمة النقدية، رفع الحوت ثمن تذاكر السفر إثر أزمة الفيروس. فكان على العائدين من الرياض دفع 650 دولاراً ثمن تذكرة العودة فقط، في حين أن ثمنها ذهاباً وإياباً في الأحوال العادية، يتراوح بين 400 و500 دولار للدرجة السياحية. وفي المناسبات، كان السعر يصل إلى 650 دولاراً، لكن ذهاباً واياباً.
وقس على ذلك ثمن التذاكر إلى باقي الدول. فالرحلات إلى الدول الإفريقية ليست أفضل حالاً. ووفق جدول الحوت، على العائدين من أبيدجان، دفع 1800 دولار للدرجة السياحية، وهو رقمٌ لا يُدفع إلاّ نادراً جداً في المناسبات، حين يصل سعر التذكرة في مواسم الأعياد إلى 1500 دولار ذهاباً واياباً.

الحكومة شريكة
هذه الأرقام كانت محط انتقاد الرأي العام اللبناني في الداخل والخارج. فبالنسبة إلى اللبنانيين، لم تراعِ الشركة الحالة الاستثنائية التي تمر بها البلاد والمغتربون، لأن الحالة الاقتصادية المتردّية واحدةٌ في كل دول العالم تقريباً. كما أن من بين الراغبين بالعودة، عدد كبير من الطلاّب الذين يعتمدون على تحويلات عائلاتهم للدراسة، وفي أحسن الأحوال، يعملون إلى جانب دراستهم لتحصيل المصروف، لا أكثر.


والانتقاد لم يوجَّه فقط إلى الحوت، بل إلى الحكومة اللبنانية بوصفها شريكاً في ما حصل. فالأسعار لم تكن خفيّة، بل أعلن عنها رسمياً قبل تسيير الرحلات. كما أن الميدل إيست مملوكة للدولة والحوت يعمل على إدارتها. ومن الطبيعي أن تتباحث الدولة مع مدير شركتها في القرارات المهمة كالتي تشهدها البلاد حالياً.

شراكة الحكومة في استغلال الأزمة، تسجّل ذروتها حين يتعلّق الأمر بالطلاب. فأوضاعهم المادية معروفة ولا تحتاج الكثير من البحث والاستمارات وتدخّل السفارات اللبنانية في الخارج. فأغلب الطلاب يعتمدون على تحويلات ذويهم التي قضى عليها تحالف السلطة السياسية والمصارف. ولذلك، وافقت الحكومة على أسعار الحوت التي زادت من وقع الأزمة على الطلاب وذويهم. أما إن قالت الحكومة أنها لم تشارك في وضع الأسعار، فهذا أمر يدينها ولا يعفيها من المسؤولية.

الأم الحنون
تنبّهت الحكومة إلى هفوتها، فسارع أفرادها لإظهار تعاطفهم مع الطلاب عبر الطلب من الحوت مراعات الظروف المادية. فأعلنت وزيرة الإعلام منال عبد الصمد، أن الحوت "سيعلن عن تخفيض أسعار عدد من التذاكر"، فيما أكد وزير الأشغال العامة والنقل، ميشال نجار، أن الحوت "قام بمبادرة تقديم حسم على تذاكر السفر للطلاب اللبنانين المحتاجين الراغبين بالعودة، وأن وزيريّ الخارجية والصحة أبلغاه وجود متبرعين لبنانيين لاستكمال النصف الباقي من سعر التذكرة".


أما رئيس الحكومة حسان دياب، فبشّر بأن "الوزراء المعنيون سيعلنون دعم الطلاب الذين يريدون العودة إلى لبنان، ليس على صعيد تذكرة السفر فحسب، بل الاقامة في لبنان، وموضوع الدعم المالي للعائدين من الخارج سيكون على مراحل عدة متتالية"، لافتاً النظر إلى وجود "80 مليار ليرة سنوزّعها على العائلات المحتاجة بمساعدة الجيش، ولدينا تحديات اقتصادية كبيرة. لذا، لا قدرة لنا على دفع بدل إقامة العائدين في فنادق، بل سعينا إلى تخفيض سعر الحجوزات".

رقّ قلب الحوت، فأعلنت الميدل إيست أنه "بناءً على طلب رئيس مجلس الوزراء حسان دياب، أعطيت التوجيهات اللازمة لمديري محطات الشركة لمنح الطلاب غير القادرين على تسديد ثمن البطاقة، حسم 50 بالمئة على سعر بطاقة السفر". ولم تجد الشركة خجلاً في نسب قرار التخفيض إلى نفسها، واعتبار أنه جاء "انسجاماً مع السياسة المتبعة من قبل الشركة، بمساعدة الطلاب اللبنانيين غير القادرين على تسديد ثمن بطاقات السفر".

واجب لا كرم شخصي
لتبرير ارتفاع أسعار تذاكر السفر، تذرّعت الميدل إيست بأن طائراتها أقلعت من لبنان فارغة وعادت بنصف عدد الركاب. وبهذا التبرير، تسقط كل ادعاءات المساهمة في التخفيف من حدة الأزمة على المغتربين. فالشركة بتغطية من الحكومة، تقاضت ثمن "الخدمة" أكثر مما ينبغي، وبالتالي، بات من واجبها إعادة المغتربين. ولم يعد ذلك كرماً شخصياً كما أوحى به الحوت عند إعلانه استعداد الشركة لإعادة المغتربين. فمثل هذا الاعلان المسبق، يفترض تحمّل الشركة تكاليف الخدمة، أو في أقصى حد، تتحمّل الدولة أو شركاؤها في إفلاس هذا البلد، كامل التكاليف، وهُنا تتجه الأنظار أولاً نحو المصارف والمعتدين على الأملاك العامة، إلى جانب الوزراء وموظفي الدولة الذين أهدروا أو ساهموا بهدر المال العام.

الميدل إيست إذاً، أجرت عملية تجارية ناجحة جداً، حققت أرباحاً لقاء كلفة أقل، وهذه هي معادلة التجارة الناجحة. وجرى ذلك، في ظل إعلان الحكومة سعيها لاتخاذ اجراءات للحد من ارتفاع الاسعار ومكافحة الاستغلال، فيما تمر أمامها أوضح عملية استغلال.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها