آخر تحديث:00:07(بيروت)
الجمعة 20/03/2020
share

ائتلافُ الجائحات و"الغموض غير البنّاء"

عصام الجردي | الجمعة 20/03/2020
شارك المقال :
ائتلافُ الجائحات و"الغموض غير البنّاء" الوباء غير مسبوق بين ظهرانينا منذ الحرب العالمية الأولى (علي علّوش)

جارت علينا جائحة كورونا كما سمّتها منظمة الصحّة العالمية. وقد اجتاحت دولًا وشعوبًا تنفق على البحوث العلمية والصحية مئات المليارات. وتجهد لابتكار علاجات لا تبدو إنها طوع اليد في وقت قريب. الهلع يضرب الإنسانية جمعاء وبني البشر. وتداعيات الوباء الاقتصادية تُحسب الآن بالتريليونات من الدولار الأميركي. والاقتصاد العالمي كان بدأ في التباطؤ مع بداية 2020. حكومات الدول الصناعية الكبيرة بدأت في رصد تريليونات لجبه ركود قد يتخطى أزمة 2008.


بتنا أميل إلى الاعتقاد في أن "لبنان فريد من نوعه"، فرادة الجائرات التي ائتلفت في وقت واحد. الوباء غير مسبوق بين ظهرانينا منذ الحرب العالمية الأولى. لبنان دولة متخلّفة عن الدفع مرّة أولى في تاريخه. مستوى فقر من نحو 50 في المئة. وبطالة فوق 35 في المئة. وسعر صرف فلت من الرقابة. وأصحاب حقوق في المصارف مقصيون عنها. والمصارف الآن في وضع التوقف عن السداد، توقف الدولة عن سدادها ديونها. ومصرف لبنان جفّت عروقه ويحتاج إلى هيكلة. وهمّنا أن نتمكّن من استيراد القمح والدواء والوقود والمستلزمات الطبية لجبه الجائرة وبالكاد نسعى. الباقي في السياسة والسياسات. والحكم والحكومة والدستور والنازحين. والإصرار المريب على الارتهان للخارج. ونسجّل، أن هذا الائتلاف المرعب في وقت واحد لم نرَ مثيله في العصر الحديث حدًا أدنى.

كارثة بحجم وطن
لا تستطيع حكومة بمفردها التصدي لهذا الواقع أيًا تكن. بات ائتلاف الجائرات بحجم وطن، ويحتاج إلى حشد الموارد الوطنية والبشرية وما بقي منها. ويقيني أن الباقي كبير وأهمّه عقول اللبنانيين وإراداتهم. الثورة أكّدت ذلك قبل كورونا، وقبل التوقف عن الدفع. دهمتنا الجائرتان قبل بلوغ "كلن يعني كلن" مساره. أي رحيل الجائرة السياسية، وإعادة بناء الوطن الحصين، النظيف، العصري، والعادل والسيد المستقّل. جائرة الكورونا حجرت على الثورة والثوّار ولم تحجر على قضيتها.

سنطمئن الحكومة الموجودة بالقانون الطبيعي الآن. لستِ على بال أحد لتغييرك، وسط ائتلاف الجائرات على لبنان البشر والوطن. دعك من التردد لتأتي متأخرة. نظامنا الصحّي مكشوف على جائرة كورونا. لولا ائتلاف العقول والإرادات من أبطال الطواقم الصحية والاستشفائية، وخصوصًا في مستشفى رفيق الحريري، وطلّاب كلية الطبّ في الجامعة اللبنانية، لكانت الكارثة وقعت قبل أوانها. نعلم لماذا كان قرار الطوارئ الصحية وليس حالة الطوارئ. "كلن يعني كلن" لن يأتي من طريق حالة الطوارئ كما يخشى النظام السياسي. قيل بعد جلسة مجلس الوزراء أمس، أن وزير الصحّة طلب الحجر على منطقتين لأن الوباء فيهما أرسل نُذرًا. ولم يُستجب. إذا كان الأمر يتطلبّ منع التجوال إلّا لأصحاب العلاقة والضرورة فليؤخذ القرار اليوم قبل غدٍ. أعلنّا عزلة لبنان عن سداد التزاماته واقترابه من "إفلاس دولة" كي نوفرّ تمويل السلع المعروفة. المستلزمات الطبية في رأسها الآن. انفقوا من مال الناس وودائعهم لطلب المستلزمات. وهي لن تحضر فور فتح الاعتمادات لأن أولوية تصديرها لبلاد منشئها. من يحول دون الإفراج عن التمويل يعتقل فورًا. وفي الدستور والقوانين من الأسناد ما يسوّغ الأمر ويزيد. القرار حكومي. لكن المال ليس مالها. ولا مال المصارف. بل التزامات عليها وحقوق للناس. كفى. لو كان قرار التعبئة والطوارئ الصحّية ليس كافيًا فلتعلن حالة طوارئ أمس قبل اليوم. ألا يكفي أن الوباء في سباق مع الزمن فكيف تستأخر الحكومة قراراتها؟

الخطة الاقتصادية أولًا
في الجائرة الثانية الاقتصادية المالية والنقدية. القرار الكبير الذي صدر عن الحكومة كان التوقف عن سداد اليوروبوندز استحقاق 9 آذار. انتهت الأيام السبعة التي يفترض أن نتلقى ردّ الدائنين وأشمور وفيدليتي على طلب المفاوضات. لم يصدر بيان حكومي بالردّ. بينما مرّ قرار وكالة فيتش تصنيف التصنيف الطويل الأجل بالعملات الأجنبية إلى D مرور الكرام حتى على وسائل الإعلام. ولئن أبقت الوكالة على C لتصنيفات سندات لم تستحق بعد كما ورد في التقرير، "فلأن الوكالة لم تعد تعتبر هذه التصنيفات ذات صلة بتغطيتها، بالنظر إلى أن الدولة أعلنت عزمها على إعادة هيكلة جميع هذه سندات اليوروبوندز". وتتوقع وكالة فيتش أن "تتعسّر جميع سندات اليوروبوند المتبقية في الوقت المناسب. إمّا عندما يفقد السداد مدفوعات خدمة الديون، وإمّا حين يتم التوصل إلى اتفاق بشأن إعادة هيكلة السندات". الغموض غير البنّاء مستمرّ في قانون القيود المصرفية (كابيتال كونترول). أرجأ مجلس الوزراء أمس أيضًا مشروع القانون. لماذا وكيف وإلى متى؟ الغموض غير البنّاء نفسه! يا جماعة، هذا القانون في حجم التوقف عن السداد. بل وأخطر من ذلك. لا نتحدث عن تعقيداته الدستورية. حتى ولا عن حقوق الناس المقيدة بالأمر الواقع بلا قانون ولا تشريع. ولا عن قصّ الشعر Haircut من الودائع وغيرها فحسب، بل لأن القانون لا يمكن أن يأتي من خارج الرؤية الاقتصادية الأوسع لمعالجة ملف الدينين الخارجي والداخلي، وهيكلة المصارف ومصرف لبنان. ومعالجة قضية سعر الصرف. لنلتفت إلى الاقتصاد، والبطالة، وارتفاع الأسعار، وتوقف كل محركات الاقتصاد استثمارًا واستهلاكًا. تينك الرؤية والخطة هما أولًا حاجة للدائنين الخارجيين ليبنى عليها في مفاوضات إعادة الهيكلة، كي يقتنعوا في أن الدين المهيكل قابل للسداد بروزنامة الآجال الجديدة. خصوصًا أن لبنان سيبقى في سوق الدين بعد إعادة الهيكلة. وهي ثانيًا حاجة لصندوق النقد الدولي كي يقبل هو وليس نحن، برنامج قروض ميسّرة. الممرّ الإلزامي لنطفو إلى سطح الأزمة. قيل أن "الصندوق الرجيم" بات مقبولًا بعد ان استغاث به وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف لبلاده! للتذكير، وافق المصرف الدولي على طلب الحكومة تخصيص 26 مليون دولار أميركي من قرض أكبر للبنان لاستخدامه في مكافحة كورونا. المصرف والصندوق توأمان في "الاستكبار العالمي". "أميركا الشيطان الأكبر" هناك أيضًا في رسملة المؤسستين. وفي قرارات مجلسي المديرين التنفيذيين في كليهما. لماذا نقبل قرض المصرف ونستغيث، ونرفض الصندوق التوأم اللعين؟ ثالثًا، الرؤية الاقتصادية والخطّة ضروريتان بالأولوية بعد التوقف عن السداد لمواجهة ركود اقتصادي وقذف عشرات الآلاف إلى البطالة. لو تأمنت لنا مساعدات الآن، واستمرّ النمو سالبًا، لن تتغيّر المؤشرات والعجوز إلى الناتج لا في الموازنات ولا في الحساب الجاري. ومجلس الوزراء كان يعلم تداعيات إغلاق المؤسسات والحجر الصحي سلفًا على الصعيد الاجتماعي. لكل ما ورد وسقط وأُسقط، على الحكومة مصارحة الناس بالحقيقة. وإعلان الخطوات المقبلة. "لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد النطق إن لم تسعد الحال" على ما قال المتنبّي.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها