آخر تحديث:00:08(بيروت)
الإثنين 03/02/2020
share

استحقاق اليوروبوند المرعب: إنقاذ المصارف وسحق اللبنانيين

علي نور | الإثنين 03/02/2020
شارك المقال :
استحقاق اليوروبوند المرعب: إنقاذ المصارف وسحق اللبنانيين لحماية النظام المصرفي قد يدفع المواطنون وحدهم كلفة الانهيار (علي علّوش)

لن تملك الحكومة الجديدة الكثير من الوقت، قبل أن تواجه الامتحانات في زمن الانهيار المالي. خصوصاً، في ما يتعلّق بالقرارت التي ستحدد كيفيّة توزيع خسائر المرحلة الآتية. ففي التاسع من شهر آذار المقبل، سيستحق ما قيمته 1.2 مليار دولار من سندات اليوروبوند. وحتّى اللحظة لا يملك أحد إجابة صريحة عن طريقة التعامل مع هذا الاستحقاق الحسّاس. مع العلم ان سندات اليوروبوند هي سندات الدين السيادي المقوّمة والمستحقّة بالعملات الصعبة لا بالعملة المحليّة. وهو ما يشكّل التحدّي الأبرز كون شح العملة الصعبة يشكّل اليوم العنوان الصريح للانهيار الحاصل في القطاع المالي اللبناني.

استحقاق آذار ليس المشكلة الوحيدة
المشكلة أكبر من استحقاق شهر آذار القريب والملحّ وحده. فحتّى لو وجدت الحكومة طريقة للتعامل معه، ستتوالى مجموعة من الاستحقاقات المماثلة خلال النصف الأوّل من السنة الحاليّة. وكلّها ترتبط بشكل أو بآخر بتحدّي شح العملة الصعبة في النظام المالي. وحسب تقرير "الدين وأسواق الدين" الذي تعدّه وزارة الماليّة، سيلي استحقاق الـ1.2 مليار في آذار استحقاق آخر لسندات اليوروبوند بقيمة 700 مليون دولار في منتصف شهر نيسان، فيما ستستحق سندات يوروبوند أخرى بقيمة 600 مليون دولار في شهر حزيران. وحسب التقرير نفسه، سيُضاف إلى هذه المبالغ الضخمة المستحقة مبلغ 2.7 مليار دولار، هي قيمة الفوائد التي يُفترض أن يدفعها لبنان بالدولار كفوائد على الدين العام القائم بالعملة الأجنبيّة.

في الخلاصة، ستبلغ قيمة كل استحقاقات سنة 2020 بالعملة الأجنبيّة تحديداً حوالى 5.2 مليار دولار، وستكون استحقاقات دولاريّة مؤلمة، في ظل ضغوط بلغت حد صعوبة تأمين العملة الصعبة الضروريّة لتمويل استيراد الحاجات الأساسيّة. وفي الوقت الذي تواجه فيه المصارف ضغطاً رهيباً على شكل سحوبات نقديّة ثابتة ومستمرّة بالدولار من قبل المودعين.

بالتأكيد، سيُضاف إلى هذه المبالغ المستحقّة ما قيمته 10.72 مليار دولار من سندات الدين التي ستستحق بالليرة اللبنانيّة خلال سنة 2020. لكنّها لن تشكّل التحدّي ذاته ولا الخطورة عينها، كون أزمة السيولة الأساسيّة القائمة اليوم ترتبط تحديداً بالمبالغ المتوفّرة بالدولار الأميركي. وعمليّاً، يقوم مصرف لبنان حاليّاً بالتدخّل للاكتتاب بسندات الدين بالليرة، وتأمين السيولة المطلوبة بالعملة المحليّة. وهو ما يسمح للحكومة اليوم بدفع استحقاقاتها المقوّمة بالليرة. وبينما يؤثّر هذا النمط على حجم التضخّم المتوقّع في الأسواق، لا يبدو أن إيفاء قيمة سندات الدين المستحقّة بالليرة سيشكّل الأزمة ذاتها التي تشكّلها سندات اليوروبوند المستحقّة بالدولار الأميركي.

الطرح الأوّل: في خدمة المصارف
حاكم مصرف لبنان، الحريص دوماً على مصالح القطاع المصرفي اللبناني، تنبّه باكراً إلى حجم المشكلة التي ستخلقها الاستحقاقات المقبلة لسندات اليوروبوند في هذه السنة. فالمصارف اللبنانيّة تملك اليوم غالبيّة قيمة هذه السندات، والفشل في سداد قيمتها سيمثّل ضربة كبيرة لمجمل توظيفات المصارف اللبنانيّة في سندات الدين السيادي اللبناني.

ولذلك، طرح سلامة في لقاء مع جمعيّة المصارف قبيل تشكيل الحكومة فكرة إجراء عمليّة "سواب"، يقوم بموجبها باستبدال السندات التي تحملها المصارف والتي تستحق في شهر آذار، بسندات أخرى ذات آجال أطول. وقدّر تقرير لـ"جاي بي مورغان" أن تنال المصارف وفق هذا الطرح سندات يملكها مصرف لبنان تستحق في سنوات 2029 و2035 بفوائد 11.5 في المئة و12 في المئة على التوالي، في مقابل سندات شهر آذار التي ستعطيها لمصرف للبنان، والتي كانت تحمل فوائد تقدّر بـ6.375 في المئة. وبهذا تكون المصارف قد ضاعفت الفوائد التي تنالها على سندات اليوروبوند من ناحية، وتفادت سيناريو التعثّر الذي يقلّص قيمة سندات الدين السيادي التي تحملها من ناحية أخرى.

لم تجرِ الرياح كما تشتهي سفن سلامة. فعند تسرّب خبر المقترح، بادرت وكالة "ستاندر اند بورز" فوراً إلى إعتبار الطرح "تعثّر إنتقائي" في حال تنفيذه. كما قامت مجموعة من حملة السندات بطرح ما تملكه من سندات يوروبوند للبيع في الأسواق، مفضّلةً الانسحاب السريع من المعمعة. وبعد أن بدا أن المسألة لن تمر بسلاسة، فضّل الجميع صرف النظر عن الطرح في ذلك الوقت، بانتظار تشكيل حكومة جديدة تتحمّل مسؤوليّة هذا النوع من الخطوات الكبيرة. وحاليّاً، الطرح مازال موجوداً على الطاولة، كأحد الحلول المطروحة والتي يحبّذها حاكم المصرف المركزي، بانتظار ظهور رأي وزير الماليّة والحكومة الجديدين من ذلك.

في الحال قررت الحكومة السير في طرح سلامة، ستكون قد قررت السير في مقترح يضع لبنان على سكّة التصنيفات، التي تقع في خانة التعثّر الصريح. لكنّ ذلك لن يكون مشكلة الطرح الأساسيّة، فلبنان وفق جميع السيناريوهات متجه إلى هذا النوع من المسارات على المدى الأطول، في ظل أزمة السيولة القائمة والمتفشيّة. عمليّاً، ستكمن المشكلة الأساسيّة في أن الطرح، وبدل أن يستغل واقع التعثّر للتفاوض على أصل الدين العام وفائدته مع المصارف وحملة سندات الدين السيادي، سيقوم بمضاعفة الأرباح التي يجنوها من الدين العام، من خلال منحهم سندات يوروبوند بفوائد مضاعفة. وهذا ما يناقض السيناريو المتوقّع في حالة تعثّر طبيعيّة.

وتكمن الإشكاليّة الأكبر في هذا الطرح، في أن المصرف المركزي قام أساساً منذ مدّة بتخفيض كلفة السيولة على المصارف، عندما خفّض نسب الفوائد الممنوحة على الودائع ووضع سقوفاً عليها. وبدل أن يستغل هذه الخطوة لتخفيض الفوائد التي تجنيها المصارف من الدين العام، سيكون -وفق هذا الطرح- قد رفع عوائد المصارف من توظيفاتها في سندات اليوروبوند. بمعنى آخر، سيكون المصرف المركزي قد رفع عوائد المصارف من ناحية توظيفاتها في الدين العام، وخفّض كلفتها من ناحية التزاماتها للمودعين. وهو ما يعني زيادة أرباحها الناتجة عن الفارق بين القيمتين.

الطرح الثاني: في خدمة المصارف أيضاً!
قد تقرر الحكومة في المقابل صرف النظر عن مقترح سلامة، ويشير إلى هذا الاحتمال قول رئيس الحكومة مؤخّراً أنّ لبنان لن يتخلّف في عهده عن سداد سندات اليوروبوند. وهو ما يعني إمكانيّة صرفه النظر عن أي سيناريو شبيه لطرح سلامة يمكن أن يُعد تعثّراً في نظر الأسواق الماليّة. وفاء دياب والتزامه في ما يخص سندات اليوروبوند واستحقاقاتها سيعني سيناريو واحد: العودة إلى استعمال احتياطي مصرف لبنان لسداد القيمة المستحقّة من الدين العام بالدولار الأميركي. في الواقع، لقد سار لبنان وفق هذا النمط تحديداً خلال الفترة الماضية، فبينما كان المودعون اللبنانيون يعانون من سحب قيمة ودائعهم من المصارف، وبينما كانت القطاعات الحيويّة تعاني من عدم قدرتها على الحصول على الدولارات اللازمة للاستيراد، عمد مصرف لبنان في شهر تشرين الثاني الماضي إلى دفع ما يقارب الـ1.5 مليار دولار من إحتياطاته لحملة سندات اليوروبوند، بدل ما استحق من هذه السندات خلال تلك الفترة.

وإذا إختارت الحكومة اليوم السير بهذا النمط مجدّداً، وصدق دياب في ما وعد به بتصريحه، سيكون علينا التضحية بما يقارب الـ5.2 مليار دولار خلال هذه السنة، من الدولارات المتوفّرة في مصرف لبنان، للتمكّن من الوفاء بالتزامات اليوروبوند وفوائدها بالدولار الأميركي. ولمعرفة حجم الكارثة الناتجة عن هذا الالتزام الغريب بسداد مستحقات اليوروبوند كما هي، يكفي أن نذكر أن هذه المستحقات توازي أربع أضعاف قيمة واردات الأدوية إلى لبنان لمدّة سنة. وهي إحدى أصناف الواردات التي يعاني لبنان اليوم في تأمين الدولارات اللازمة لاستيرادها. باختصار، سيعني هذا السيناريو أن ينتحر اللبنانيون لخدمة مصالح حملة سندات الدين السيادي.

السيناريو الثالث: خارج النقاش!
يمثّل الوفاء بسداد قيمة سندات اليوروبوند، ولو على حساب معيشة اللبنانيين والدولارات اللازمة للقطاعات الحيويّة، أحد السيناريوهات المطروحة، فيما يمثّل اللجوء إلى "السواب" والهندسات والألاعيب المختلفة لحماية أرباح الدائنين السيناريو الثاني. وبين السيناريوين، ثمّة طرح ثالث ما زال خارج التداول كليّاً اليوم، ويقول بضرورة الاعتراف بحجم المأساة الناتجة عن هذه الالتزامات في هذه المرحلة، وبالأخص مع عوارض الانهيار التي تضرب كل أوجه الحياة في لبنان. وبالتالي، فأي إصرار على الوفاء بهذه الالتزامات كما هي، ليس سوى تأجيل في الاعتراف بالتعثّر الحاصل حكماً في المستقبل، وزيادة في كلفة هذا الدين على معيشة اللبنانيين. وبالتالي، فلا مفر اليوم من الانطلاق في مسار واضح يعيد التفاوض على أصل الدين العام وفوائده وتخفيضهما، وفق عمليّات تعيد هيكلة القطاع المالي بأسره، وتخرج لبنان من نفق "إعادة تمويل الدين إلى الأبد".

سيكون الاختيار بين هذه السيناريوهات الامتحان الأوّل لحكومة دياب، وستحدد الإجابة الفئات التي تريد الحكومة تحميلها كلفة الانهيار الحاصل. تصريح دياب حول سندات اليوروبوند يشير إلى إتجاهه نحو الخيارات التي كانت تذهب إليها الحكومات السابقة، ونوعيّة وزرائه تشير إلى الأمر نفسه أيضاً. وربما لذلك، على الشارع المنتفض اليوم التنبّه إلى الخطوات الاقتصاديّة والماليّة التي ستحدد مسار الأزمة فعليّا، والتفاعل مع هذه القرارات على الأرض.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها