آخر تحديث:00:13(بيروت)
الخميس 20/02/2020
share

وقاحة المصارف تُمهد لإشعال الشارع: قيود جديدة على الودائع

عزة الحاج حسن | الخميس 20/02/2020
شارك المقال :
وقاحة المصارف تُمهد لإشعال الشارع: قيود جديدة على الودائع "الفقراء الجدد" لن يكون أمامهم سوى المواجهة (علي علّوش)
لا يمر يوم إلا وينشغل فيه المواطنون بإجراء جديد أو قَيدٍ جديد، تُحكِمه المصارف على عملائها.. من دون أدنى توضيح أو تبرير. تتعامل المصارف مع عملائها باستخفاف لا يوصف، ووقاحة لا تُضاهى، بحيث يعزّز أسلوب تعاملها اليومي مع المواطنين صورتها كأحد أبرز أركان طبقة الأوليغارشية المالية وتجار السلطة. وهو ما يرفع بطبيعة الحال من مستوى عداء المواطنين لها.


فلم يكن تحرك ليل الأربعاء أمام بنك عودة في وسط بيروت مخططاً له في وقت مسبق. بل جاء عفوياً بالمعنى الحقيقي للعفوية، كرد على ما كشفته "المدن" من إجراءات مُجحفة وممارسات جديدة، باشر بنك عودة بتطبيقها بحق المودعين وعملاء المصرف. تطور التحرك أمام بنك عودة إلى جولة على عدد من فروع المصارف وتحطيمها، ليس عبثاُ وإنما انطلاقاً من قلق المواطنين من تمدّد تلك القيود إلى باقي المصارف. وهو ما بات مؤكداً. فالمصارف تتجّه فعلياً الى وقف سحوبات الدولار كلياً في المرحلة المقبلة، مع استثناء الأموال الجديدة fresh money المحولة من الخارج فقط.

اقتراحات جديدة أكثر سوءاً 
قلق المواطنين وعداؤهم للمصارف إنما يُبنى على الضبابية التي تحيط بمصير أموالهم، وإمعان المصارف في إذلالهم يومياً قبل تسليمهم جزءاً يسيراً من سحوباتهم النقدية. والأسوأ من ذلك، تعديل الإجراءات وتشديد القيود بشكل مستمر على حركة التحويلات والسحوبات، لاسيما الدولارية منها. فغالبية المصارف توقفت بشكل كلّي عن صرف الشيكات المعنونة بالدولار، وحصرتها بإيداعها في الحسابات وإعادة استخدامها عبر شيكات دولارية، أو سحبها نقداً بالليرة فقط، أو تحويلها إلى حسابات أخرى داخل لبنان، قلة من المصارف لا تزال تسمح بإيداع الشيكات الدولارية وإعادة سحبها نقداً بعد مرور عدة أشهر، وضمن سقف السحوبات المسموح به أي 300 دولار بالحد الأقصى أسبوعياً.

حتى الموظفين "الموطّنة" رواتبهم بالدولار لم يرحمهم "إسفاف" المصارف، فبعد ان خفضت سقوف سحوباتهم الأسبوعية إلى 100 أو 150 دولار فقط (بمعدل 300 دولار كحد أقصى كل أسبوعين) تتّجه حالياً إلى حصر السحوبات بالدولار للموظفين الذين يتم تحويل رواتبهم من مؤسساتهم بالخارج فقط، باعتبارها fresh money. أما الموظفون الذين يتقاضون رواتبهم من لبنان وبالدولار فتبحث المصارف بحصر سحوباتهم بالليرة. ومنها من بدأ فعلياً بالتفاوض مع المؤسسات اللبنانية التي تسدد رواتب موظفيها بالدولار للتوصل إلى صيغة تعفي المصرف من تسليم الدولارات. ومن المُحتمل أن يتم التوصل إلى تحويل رواتبهم من الدولار إلى الليرة على سعر صرف يحدّد بـ2000 ليرة.

إقتراح آخر يتم التداول به في كواليس المصارف يقضي بسداد الفوائد على الودائع الدولارية بالليرة اللبنانية. لكن على سعر صرف 2000 ليرة. ويشمل الاقتراح المذكور السحوبات الأسبوعية الدولارية التي لا تتجاوز شهرياً الـ1000 دولار. أما السحوبات الكبيرة فمن المقترح حصرها بالليرة اللبنانية فقط على سعر الصرف الرسمي 1507 ليرات.

الاستهتار بالاقتصاد الوطني
هذه الإجراءات وإن كانت لم تتجاوز حتى اللحظة نطاق المقترحات، ولا تزال بالطبع قابلة للبحث، إلا أنها تساهم من دون شك برفع مستوى قلق العملاء وعموم المواطنين، خوفاً على أموالهم ومعيشتهم. وتُترجم بالتالي عداء للمصارف، لاسيما حين يتم تسريب تلك المقترحات أو سواها عن طريق رسائل واتصالات محفوظة لعاملين ومدراء مصرفيين. وهو ما حصل بالفعل يوم الأربعاء، حين نشرت "المدن" خبراً يشرح بعض تفاصيل الإجراءات التي باشر بنك عودة بتطبيقها على مودعيه والمتعاملين معه. قبل أن يصدر المصرف بياناً يصر فيه على استمرار السحوبات النقديّة بالدولار ضمن السقوف المعمول بها سابقًا.

وليست ممارسات المصارف تجاه المودعين وحدها تشكّل استفزازاً للمواطنين. بل ممارسات القيّمين على المصارف أيضاً واستخفافهم ليس بعملاء المصارف وحسب، بل باقتصاد البلد برمّته. إذ شكّل خبر "تورّط" رئيس جمعية المصارف سليم صفير بـ"التواطؤ" على الاقتصاد الوطني مادة استفزازية بين المواطنين والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، ذلك من خلال بيعه نسبة 10 في المئة من محفظة بنك بيروت من اليوروبوندز لمستثمرين أجانب، تبلغ قيمتها نحو 240 مليون دولار، خلال الأسابيع الماضية. أي بعد تزايد احتمال تخلّف لبنان عن سداد استحقاق اليوروبوندز في آذار، البالغ 1.2 مليار دولار، في محاولة منه لممارسة الضغط على الدولة اللبنانية لدفعها إلى السداد، على الرغم من المخاطر المُحدقة بالأمر.

كثيرة هي الممارسات الوقحة التي تقوم بها جمعية المصارف أو مصرف لبنان أو حتى الفروع المصرفية وبعض مدرائها، ولا يمكن فصلها عن الفوضى التي تحكم سوق الصرف وخضوع الأسواق التجارية لسعر صرف الدولار المعمول به في السوق السوداء، ولا عن الانهيار التدريجي لليرة والقدرة الشرائية، وما ينتج عنها من اتساع شريحة الفقراء. هؤلاء "الفقراء الجدد" إذا صح التعبير استنفذوا كافة وسائل الاعتراض في وجه المصارف وسلطتها. ولم يبق أمامهم سوى المواجهة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها