آخر تحديث:00:29(بيروت)
الجمعة 14/02/2020
share

من ماكينزي إلى صندوق النقد: إصرار السلطة على الانهيار

خضر حسان | الجمعة 14/02/2020
شارك المقال :
من ماكينزي إلى صندوق النقد: إصرار السلطة على الانهيار لم يعد هناك ثقة بأي اجراء تقرّه السلطة والمطلوب هو تغيير جذري (مصطفى جمال الدين)
رغم المسار الانحداري الذي تسلكه البلاد، تلملم السلطة أسلحتها السياسية والمالية، وتعيد تنظيم صفوفها بعد الهجوم الناجح الذي شنّه الشعب في ثورة 17 تشرين الأول 2019. فبعد إعطاء النواب الثقة غير الدستورية لحكومة حسان دياب، تحت غطاء القمع العسكري للمنتفضين في الشارع، تتجه السلطة لتضييق الخناق على ما تبقّى من أموال في المصارف لصغار المودعين، فضلاً عن استنزاف قيمة رواتب الموظفين في القطاعين العام والخاص.

والأخطر من كل ذلك، هو استنجاد السلطة بصندوق النقد الدولي، الذي يُشكّل خشبة الخلاص لها، ودرب جلجلة لا ينتهي بالنسبة للشعب.

سياسات الإغراق
قطعت السلطة السياسية عهداً على نفسها بعدم التنازل عن مكتسباتها ضمن نظامها التحاصصي، قبل هدم أسس الدولة، وإن عنى ذلك إغراق الشعب في مستنقع الفقر والأزمات الاجتماعية، إلى جانب إثقال المالية العامة بعجز غير مسبوق.

عدم التنازل تجلّى في تكرار استخدام منطقٍ الوعود قبل اتخاذ القرارات، في محاولة لإيهام الشعب بجديّة الأفعال. وتذهب السلطة حالياً بعيداً في محاولة إقناع الشعب بأن الحكومة الجديدة تملك الحل. وأبرز بوادره، الاجتماع المالي الذي عقد في بعبدا يوم الخميس 13 شباط، والذي أسفر عن البحث في استحقاق اليوروبوند واجراء الكابيتل كونترول. وحسب وزير المالية غازي وزني "تمت دراسة خيارات متعددة، وخلال المرحلة المقبلة سنستمر في البحث لاتخاذ القرار المناسب. إذ أن ذلك ليس سهلاً". أما في ما يتعلق بالكابيتل كونترول، فأشار وزني إلى أنه "تم التفاهم على صدور تعميم واضح في اليومين المقبلين لوضع حد للاستنسابية، حماية بالدرجة الاولى للعملاء، إن كان من ناحية المقترضين أو المودعين في القطاع المصرفي".

البحث في هذين العنوانين ليس عشوائياً، بل يرتبط بمفصلين أساسيين سيحددان مصير البلاد في المستقبل القريب جداً. فلبنان على بعض خطوات من استحقاق سندات اليوروبوند ومن تحمّل نتائج الدفع أو عدمه.
والتداعيات المرتبطة بالاستحقاق، تتّصل كذلك بكمية الدولار المتوفر في المصارف، وحُكماً بمصير الودائع التي تمارس المصارف بحقها كابيتل كونترول غير معلَن. من هُنا، تُمهّد الحكومة لقوننة الكابيتل كونترول، لتتفادى الاتهامات بعدم قانونية الاجراء بصورته الحالية. وهذا ما يناسب جمعية المصارف التي لم تعد قادرة على الدفاع عن قراراتها غير القانونية.

التقاط الأنفاس
ما تمرّ به السلطة ليس سهلاً، فهي في موقف حرج جداً، ويتفاقم منذ 17 تشرين الأول. وتزداد قتامة المشهد بالنسبة لها، مع وقوف المجتمع الدولي برمّته في صف المعارضة، عبر الطلب المستمر بإجراء إصلاحات. لكن السلطة حتى اللحظة تضرب عرض الحائط مطالب اللبنانيين والمجتمع الدولي.

وبين الشعب والمجتمع الدولي ومصلحتها، ارتأت السلطة تبنّي خيار توافقي يؤمّن مصلحتها ورغبة المجتمع الدولي، ويستبعد الشعب. فكان الحل الأنسب بطلب المساعدة من صندوق النقد الدولي. والمساعدة في قاموس الصندوق، تعني رسم قواعد محددة لأنشطة المصارف وتحديد سياسات نقدية وضرائبية وسياسات لسعر الصرف لا تتناسب مع مصالح الشعوب.

وتصدّر مساعدة الصندوق للمشهد، يعكس حاجة السلطة لمن ينقذها. فهي التقطت أنفاسها من خلال طرح مساعدة من الصندوق، وهو الجهة التي يمكن للسلطة رمي الانعكاسات السلبية عليها. أما إذا أدت توصيات الصندوق إلى انعكاسات إيجابية (وهذا مستبعد) تقطف السلطة الايجابية بالقول أن الصندوق أتى بطلب منها.

إصرار على الانهيار
بعيداً عن التجربة السلبية للكثير من دول العالم مع صندوق النقد وتوصياته واجراءاته ومساعداته، إلا أن إلتزام السلطة السياسية بالخطوات الإصلاحية، غير موثوق. فالسلطة دفعت مليون و300 ألف دولار، لقاء خطة ماكينزي، من دون أن تؤثر التوصيات على الوضع الاقتصادي قيد أنملة. فالخطة نصت على "العمل على تطوير القنوات الرقمية في القطاع المصرفي لنمو القطاع وتوفير البدائل للعملاء. تطوير قطاع الخدمات المالية وترسيخها من أجل تمكين وتمويل برامج التنمية الاقتصادية الوطنية. تحويل لبنان إلى وجهة رئيسية لإدارة الاستثمارات والخدمات المصرفية (الأوفشورينغ)، من خلال استهداف العملاء ذوي الأرصدة المالية الضخمة. إنشاء مراكز متخصصة في مجالات محددة مثل بحوث الأسهم والدراسات وغيرها". ولم تشهد البلاد أي تقدّم على هذا الصعيد. ناهيك عن عدم الالتزام بما تعهدت به السلطة من تنفيذ للاصلاحات المرتبطة بمؤتمر سيدر، فما الذي سيضمن تنفيذ ما يوصي به صندوق النقد؟ هذا إذا سلّمنا بأن توصياته إيجابية.


ما تقوم به السلطة اليوم هو تأكيد على الذهاب نحو الانهيار ونحو سحق قيمة الليرة مقابل تحليق سعر صرف الدولار من دون قيود (الدولار يرتفع رغم قرار نقابة الصرافين تثبيته على سعر 2000 ليرة). أما إذا كان هناك ما يُفترض القيام به لتفادي الأسوأ، فهو التوقف عن سداد الديون والاهتمام بالشأن الداخلي المرتبط بمعيشة الشعب وبدعم القطاع الزراعي والصناعي، لا البحث في اجراءات تعاقب الناس وتبرّىء السلطة ومن راكم الثروات عبر المصارف والمشاريع والصفقات.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها