آخر تحديث:20:11(بيروت)
الأربعاء 09/12/2020
share

مصرف لبنان لإغراق السوق بالليرة: انفلات التضخم وانهيار العملة

علي نور | الأربعاء 09/12/2020
شارك المقال :
مصرف لبنان لإغراق السوق بالليرة: انفلات التضخم وانهيار العملة السياسات النقديّة تُدار اليوم داخل دهاليز مصرف لبنان، برؤية وتخطيط من الحاكم وحده (Getty)

25 طناً من السيولة النقديّة، من فئتي 100 ألف ليرة و50 ألف ليرة، دخلت البلاد خلال أقل من أسبوعين عبر مطار رفيق الحريري الدولي، رغم أن مصرف لبنان يعتمد في هذه المرحلة سياسة سحب السيولة النقديّة من السوق لا ضخّها، عبر الحد من السحوبات النقديّة بالليرة من المصارف، وطلب تسديد قيمة المواد المدعومة المستوردة بالليرة النقديّة.

وبعكس ما يقوم به مصرف لبنان حاليّاً من سحب للسيولة من السوق، يعمد المصرف منذ الآن إلى مراكمة مخزونه من الليرات النقديّة، تمهيداً لموجة جديدة من موجات إغراق السوق بالنقد المطبوع بالعملة المحليّة، ولموجة أخرى من موجات هبوط سعر الصرف. أما سبب هذه التطورات المتوقّعة، فيتصل بشكل وثيق بعملية ترشيد أو تقليص الدعم المتوقّعة خلال المرحلة المقبلة، وبالسياسات النقديّة التي سيتجه إليها مصرف لبنان قريباً.

طباعة النقد لتمويل البطاقات التمويليّة
ترشيد الدعم يتصل بما يجري من إفراط في طباعة النقد، من ناحية التغيير المتوقّع في آليات هذا الدعم. فحاليّاً، يجري دعم المواد المستوردة كما هو معروف من خلال بيع مصرف لبنان الدولارات المطلوبة للمستوردين من احتياطاته، في مقابل سداد المستوردين لقيمة هذه المواد بالليرة نقداً، ووفقاً لسعر الصرف الرسمي القديم أو سعر صرف المنصّة. بمعنى آخر، آلية الدعم الحاليّة تمتص الليرات الورقيّة من الأسواق، وتوفّر النقد المطلوب بالعملة الصعبة للاستيراد، بدل اللجوء إلى السوق السوداء لشراء هذه الدولارات.

أمّا الآليّة المتوقّعة لتقديم الدعم في المرحلة التالية، فليست سوى استهداف العائلات الأكثر فقراً عبر بطاقات تمويليّة خاصّة، تؤمّن الدولة نفسها السيولة المطلوبة لها بالليرة اللبنانيّة. وبما أن الدولة لا تملك اليوم المداخيل المطلوبة لتمويل هذه البطاقات، فالتمويل سيكون حكماً عبر الاقتراض من مصرف لبنان، الذي سيكون عليه أن يطبع النقد المطلوب للدفع.

ببساطة، آليّة الدعم الجديدة، وعلى عكس آلية الدعم الحاليّة، ستقوم بشكل أساسي على ضخ السيولة بالعملة المحليّة في السوق لا سحبها. وهو ما يبرر لجوء مصرف لبنان منذ الآن إلى مراكمة مخزونه المتوفّر من النقد الورقي، تمهيداً لتلك اللحظة. أما النتيجة المتوقّعة من كل هذه التطورات، فليست سوى تحميل اللبنانيين وزر هذا الشكل من الدعم، من خلال الانهيار المتوقّع في سعر الصرف بعد رفع الدعم، خصوصاً كون هذه السيولة المطبوعة حديثاً، ستتحوّل حكماً إلى طلب على الدولار النقدي في السوق السوداء، لاستيراد السلع الاستهلاكيّة التي كان يتم تمويل استيرادها سابقاً من احتياطات مصرف لبنان.

في الواقع، يمكن القول أن كل ما قام به مصرف لبنان سابقاً، من تقنين عمليات السحب النقدي بالليرة في المصارف، وطلب سداد قيمة السلع المدعومة بالليرة نقداً لسحب السيولة الورقيّة من الأسواق، لم يكن إلا تمهيد لهذه اللحظة بالذات. فمصرف لبنان كان يدرك أنّه مقبل على مرحلة سيحتاج خلالها إلى ضخ السيولة بالليرة بشكل مفرط بعد رفع الدعم. وهو ما دفعه إلى استباق هذه المرحلة بالتقشّف في ضخ الليرات في السوق قدر الإمكان، لمحاولة تقليص حجم الصدمة، وأثرها على سعر الصرف عند الوصول إلى مرحلة ضخ الليرات لاحقاً. وبذلك، يكون اللبنانيون قد دفعوا ثمن هذا التلاطم في السياسات النقديّة مرتين: مرّة عبر الآثار الموجعة لتقنين السحوبات النقديّة بالليرة، والتي طالت حتّى الرواتب، ومرة بأثر هبوط سعر الصرف المتوقّع.

وفي كل الحالات، كان من الواضح أن مصرف لبنان تفرّد بصياغة هذه الخطط بعيداً عن أعين الرأي العام. ففي حين كان حاكم مصرف لبنان يحاول طوال الفترة الماضية تحييد نفسه إعلاميّاً عن ملف الدعم، ورمي هذه الكرة الملتهبة في ملعب الحكومة، كان المصرف المركزي يهندس عمليّاً السياسات النقديّة الموجعة التي سترافق هذا المسار وتمهّد له.

طبع النقد استباقاً لهبوط سعر الصرف
السبب الثاني الذي يدفع حاكم مصرف لبنان إلى استباق التطورات المقبلة عبر طبع النقد، يرتبط تحديداً بما سيطرأ على سعر صرف الليرة. فالتوقّف عن الدعم المباشر للاستيراد، وإحالة الدعم إلى بطاقات تمويليّة ممولة بالليرات المطبوعة، ستؤدّي –كما ذكرنا سابقاً- إلى هبوط كبير في سعر الصرف. وبما أنّ الاقتصاد اللبناني تحوّل منذ بداية الأزمة إلى اقتصاد نقدي يعتمد بشكل أساسي على النقد المطبوع لإجراء التبادلات الماليّة، وكون سياسة تقنين سحب الودائع بالليرة عززت من هذا الطابع، حتّى في ما يخص التبادلات بالعملة المحليّة، فمن المتوقّع أن يرتفع الطلب على النقد الورقي بالتوازي مع حدوث المزيد من هبوط سعر الصرف. وهذه الحقيقة تعود لكون أي انخفاض في سعر صرف الليرة، سيزيد من قيمة الأموال الورقيّة المطلوبة لإجراء التبادلات الماليّة ودفع ثمن السلع المرتفع.

وهنا، من المتوقّع أن يدخل الاقتصاد اللبناني في دوامة من التضخّم الناتجة عن هذا الأمر. فانخفاض سعر الصرف سيدفع إلى طلب المزيد من النقد الورقي، وطباعة النقدي الورقي ستزيد من هبوط سعر الصرف، وهكذا دواليك. أمّا إذا اختار مصرف لبنان الحد من قيمة النقد الذي سيضخّه في السوق بالتوازي مع انخفاض سعر صرف الليرة، فالطريق إلى ذلك سيمر عبر المزيد من التشدد في القيود على السحوبات النقديّة بالليرة من المصارف. وهو ما سيعني إثارة المزيد من المشاكل الاجتماعيّة التي قد تتخطّى في قسوتها المشاكل الناتجة عن التضخّم نفسه.

تضخّم الكتلة النقديّة
بين منتصف تشرين الأول من عام 2019، والفترة المماثلة تماماً من هذا العام، ارتفعت قيمة النقد المتداول خارج مصرف لبنان من 6.59 تريليون ليرة لبنانيّة إلى أكثر من 25 تريليون ليرة، أي أن قيمة النقد المطبوع تضاعفت بنحو 3.8 مرّات خلال سنة واحدة فقط. تتعدد الأسباب: من طبع النقد لسداد قيمة الودائع المدولرة بالليرة وفقاً للتعميم 151، إلى طبع النقد لمواكبة تحوّل الاقتصاد إلى اقتصاد نقدي وارتفاع الطلب على النقد الورقي، وصولاً إلى الارتفاع غير المسبوق في أنشطة المضاربة على الليرة اللبنانيّة، وما تعنيه هذه الأنشطة من حاجة للسيولة الورقيّة. أما نتيجة هذا التوسّع غير المسبوق في الكتلة النقديّة، فكان تهاوي سعر الصرف بشكل سريع.

اليوم، سيُضاف إلى أسباب توسّع الكتلة النقديّة سبب إضافي، مرتبط بمرحلة ما بعد الدعم والسياسات النقديّة التي ستواكبها. لكنّ الأكيد حتّى الساعة أن كل هذه السياسات النقديّة تُدار اليوم داخل دهاليز مصرف لبنان، برؤية وتخطيط من الحاكم وحده، من دون أن تكون جزءاً من أي معالجة متكاملة على المستوى الحكومي. فالحكومة وإن بادرت اليوم –وبعد كثير من التأخّر- إلى محاولة النظر في البدائل المحتملة لمسألة الدعم، لكنّها لا تقارب المسألة بأسرها كجزء من نظرة شاملة للحل. وحتّى حين درست موضوع الدعم، فهي لم تدرسه من ناحية علاقته بالسياسات أو الآثار النقديّة. بل من زاوية الإجراءات العمليّة فقط. ومن ناحية أخرى، لم يحاول الحاكم في أي من المراحل أن يقارب سياساته وقراراته النقديّة مع ما يجري على المستوى الحكومة من نقاشات وخطط. ولعلّ انعدام الثقة ما بين الحاكم من جهة، ورئيسي الحكومة والجمهوريّة من جهة أخرى، كرّس هذا الواقع.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها