آخر تحديث:00:02(بيروت)
الخميس 31/12/2020
share

عام البؤس: كأنّ عقوداً حدثت في سنة

علي نور | الخميس 31/12/2020
شارك المقال :
عام البؤس: كأنّ عقوداً حدثت في سنة خسر اللبنانيون بلمح البصر 65% من قيمة مداخيلهم خلال سنة واحدة (Getty)

لم يمضِ على لبنان عام كهذا العام: دخلناه بقطاع مصرفي مفلس، ومصرف مركزي متعثّر. وبعد أقل من ثلاث أشهر على بداية العام أعلنت الدولة رسميّاً تعثّرها، بعد امتناعها لأوّل مرّة في تاريخها عن سداد سندات اليوروبوند، التي استحقّت في الثامن من شهر آذار. كان من المفترض أن تدخل الدولة بعد الإفلاس مرحلة التفاوض مع دائنيها من جهة، ومع صندوق النقد من جهة أخرى، لصياغة خطّة كفيلة بالنهوض، ولو بعد إعادة جدولة هذه الديون، وحسم ما يمكن حسمه منها لإعادتها إلى مستويات قابلة للاستيعاب. لكنّ مكائد السياسة ومناورات أصحاب النفوذ رفضاً لأي إصلاحات أو تضحيات، أطاحت بأي خطة يمكن الرهان عليها للخروج من حالة الانهيار.

بعد الإفلاس بأيام، دخلت البلاد في مرحلة التعبئة العامة والإقفال العام. فكانت رصاصة الرحمة القاتلة للاقتصاد المحلي المنهك. وتفاقمت أشكال البؤس والفقر التي ضربت أضعف فئات المجتمع وأكثرها هشاشة: أصحاب الدخل المحدود والعمالة غير المستقرّة. أمّا كارثة انفجار 4 آب، فضربت العاصمة في قلبها النابض، لتحيل مرفأها وشريانها التجاري إلى ركام، ولتحيل الأحياء المجاورة إلى مناطق منكوبة ومهجورة. وحتّى اللحظة، لم تستعد أغلب المناطق المتضررة والمحاذية للمرفأ حيويّتها التي عرفها اللبنانيون قبل الانفجار.

سنة من الزمن مرّت. لكنّها تركت على المجتمع اللبناني المنكوب أثر عقود من الزمن. في النهاية، يبقى الأكيد أن هذه السنة وما شهدته ستبقى محفورة طويلاً في أذهان الجميع. وأقصى آمال اللبنانيين اليوم أصبحت أن يكون الأسوأ قد مرّ فعلاً.

فقر وإفلاس وهجرة
في خلاصة العام، بات أكثر من 45% من المقيمين في لبنان قابعين تحت خط الفقر، وفقاً لأرقام منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو). فيما أصبح أكثر من 850 ألف مقيم في لبنان تحت خط الفقر المدقع، وهو ما يوازي 22% من إجمالي المقيمين على الأراضي اللبنانيّة. مع العلم أن مفهوم المقيمين تحت خط الفقر المدقع هنا يشمل الذين يعتاشون على أقل من 1.9 دولار أميركي في اليوم الواحد. أما أهم ما في تطوّرات هذه السنة من جهة مستويات الفقر، فهو ارتفاع نسبة المعتمدين على الإعانات والإعاشات إلى نحو ثلث المقيمين في لبنان.

عمليّاً، فاقم من سوء الأرقام المتعلّقة بمستويات الفقر التراجع الكبير في القدرة الشرائيّة، بسبب الهبوط القياسي في قيمة الأجور، نتيجة تهاوي سعر صرف الليرة. أما النتيجة الأخرى لتراجع القدرة الشرائيّة، فكانت توسّع ظاهرة إفلاس المؤسسات التجاريّة، حين بلغت نسبة المحال التجاريّة التي أقفلت بالفعل أو دخلت مرحلة التصفية تمهيداً للإقفال نحو 40% حتّى الآن، وفقاً لأرقام جمعيّة تجّار بيروت، بينما من المتوقّع أن ترتفع هذه النسبة إلى حدود 60% خلال الأشهر القليلة المقبلة. ومع كل هذه الإفلاسات التي ضربت القطاع التجاري، ارتفعت معدلات البطالة، ومعها ارتفعت أعداد المهاجرين بحثاً عن فرص عمل في الخارج.

فوفقاً لأرقام مطار بيروت الدولي، بلغ عدد المغادرين هذا العام وحتّى نهاية شهر تشرين الثاني الماضي ما يقارب المليون و167 ألف مغادر، فيما بلغ عدد القادمين من الخارج ما يقارب المليون و17 ألف مسافر. وبذلك، يمكن القول أن عدد الذين هاجروا بشكل نهائي خلال الأشهر 11 الماضية تجاوز مستوى 150 ألف مسافر. وهو ما يوازي ضعف عدد الذين هاجروا بشكل نهائي في الفترة المماثلة من العام الماضي. مع العلم أن حالة الإقفال التي سادت معظم دول العالم هذه السنة، وتشدد الدول في منح تأشيرات السفر نتيجة ذلك، حالت دون تسجيل أرقام أعلى. وهو ما يعني أن هذه الأرقام في طريقها إلى تسجيل مستويات أعلى بكثير بالتوازي مع فتح البلدان لأبواب الهجرة على نطاق أوسع هذه السنة.

وداعاً للرفاهية
في حصيلة كل تلك التطورات، انخفضت حصّة اللبناني من الناتج المحلي –وفقاً لأرقام صندوق النقد الدولي- من 7660 دولار أميركي في بداية العام إلى ما يقارب 2740 دولار اليوم، وهو ما يعني أن اللبنانيين خسروا بلمح البصر 65% من قيمة مداخيلهم خلال سنة واحدة. لا بل عادوا إلى مستويات المداخيل ذاتها التي كانوا يتقاضونها بعد انتهاء الحرب الأهليّة مباشرة. بمعنى آخر، وخلال سنة واحدة فقط، اختفت عقود من نمو المداخيل الذي تمكّنت البلاد من تحقيقه، نتيجة الانهيار الذي ضرب العملة المحليّة، وضرب معها قيمة أجور اللبنانيين ومداخيلهم.

وكنتيجة لإنهيار مداخيل اللبنانيين، انخفضت قدرتهم على الاستهلاك. وهو ما انعكس في أرقام الاستيراد التي تراجعت حتّى الفصل الثالث من هذه السنة إلى نحو نصف ما استورده لبنان خلال الفترة المماثلة من العام الماضي. كما انعكس إنهيار المداخيل على استهلاك اللبنانيين في قطاعات معيّنة، كحال قطاع الملبوسات الذي انخفض الطلب فيه نحو 60% هذا العام، أو السيارات التي انخفض الطلب عليها نحو 73% خلال سنة واحدة فقط. مع العلم أن الطلب على محلات تجارة التجزئة على أنواعها انخفض أيضاً بنحو 70% هذه السنة.

كان على اللبنانيين أن يودعوا هذا العام الرفاهيّة والقدرة على الاستهلاك المريح، ويدخلوا في أتون التقشّف الملائم لهذا النوع من الانهيارات. ولذلك، تشير دراسات وكالة فيتش إلى أنّ اللبنانيين باتوا يستهلكون اليوم نحو 98% من مداخيلهم على الأساسيّات، التي تشمل الحاجات المعيشيّة الملحّة، بالإضافة إلى التعليم والطبابة والسكن والكهرباء والماء، فيما لا يتبقى من هذه المداخيل سوى أقل من 2% للإنفاق على أبواب الرفاهيّة المختلفة، التي تشمل بدورها حاجات لا يمكن الاستغناء عنها في العصر الحديث كشراء الهواتف والكومبيوتر. ببساطة، كان عام 2020 عام تحوّل على مستوى طريقة معيشة اللبنانيّين، بالإضافة إلى كل التحولات التي طرأت على مستوى الاقتصاد العام.

الأفق مسدود
حتّى شهر تشرين الأول الماضي، كان قد سجّل ميزان المدفوعات عجزاً صافياً بنحو 9.98 مليار دولار، علماً أن هذا العجز بالتحديد يمثّل المؤشّر الأكثر حساسيّة بالنسبة إلى الأزمة الماليّة اللبنانيّة، لكونه يلخّص صافي تبادلات لبنان بالعملة الأجنبيّة مع الخارج. وبذلك، يمكن القول أن البلاد سجّلت رقماً قياسياً جديداً على مستوى العجز المسجّل لهذا المؤشّر بالتحديد. مع العلم أن عجز هذه السنة جعل إجمالي العجوزات المتراكمة منذ بداية الأزمة، يفوق كل الفوائض التي حققها ميزان المدفوعات في مرحلة ما بعد الأهليّة. بمعنى آخر، خسرت البلاد خلال بضعة سنوات، وفي أزمة ماليّة واحدة، كل ما جرى تحويله إلى البلاد من عملات صعبة من قبل المغتربين والمستثمرين الأجانب طوال 21 سنة.

ومع استمرار هذا الاستنزاف المالي وانقطاع التحويلات الخارجيّة، ومع التراجع المستمر في احتياطيات مصرف لبنان واقتراب البلاد من لحظة البدء بترشيد دعم استيراد السلع الأساسي، لا يبدو حتّى اللحظة أن ثمّة نهاية وشيكة لهذا النفق المظلم. فالمفاوضات مع صندوق النقد متوقّفة، والعمل على خطة الإصلاح المالي التي يفترض أن تقود المسار للخروج من الأزمة متوقّف تماماً، وجميع الإصلاحات المطلوبة للاستحصال على الدعم الخارجي مجمّدة. وبغياب حكومة مكتملة الصلاحيات، لا يوجد في الوقت الراهن أي جهد لمباشرة العمل على أي من هذه الملفات.

بإختصار، يقترب اليوم هذا العام المشؤوم من نهايته، لكنّنا وعلى ما يبدو سنرث من هذا العام كل ما بدأ فيه من نكبات مؤلمة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها