آخر تحديث:10:53(بيروت)
السبت 26/12/2020
share

خدعة قانون مجلس النواب لإنقاذ سلامة وإفشال التدقيق الجنائي

علي نور | السبت 26/12/2020
شارك المقال :
خدعة قانون مجلس النواب لإنقاذ سلامة وإفشال التدقيق الجنائي القانون الجديد بثغراته وألغامه يمهّد لإسقاط التدقيق الجنائي (مجلس النواب)
ما أن أقرّ المجلس النيابي قانون رفع السريّة المصرفيّة لغايات التدقيق الجنائي أو المالي، حتّى خرج وزير الماليّة غازي وزني من القصر الجمهوري ليبشّر اللبنانيين بنيّته التواصل مع شركة آلفاريز آند مارسال، لإعادة إطلاق مسار التدقيق الجنائي. وبذلك، أراد وزني الإيحاء بأنّ العراقيل القانونيّة التي كانت قائمة في المرحلة السابقة، وأدّت إلى انسحاب الشركة من مسار التدقيق، قد ذلّلها القانون الجديد.

ومن سمع وزني، ظنّ للوهلة الأولى أن مجلس النواب أنقذ بالقانون الجديد مسار التدقيق الجنائي، بعد كل ما ألمّ به من ضربات قاسية. لكن ما أن يراجع المرء نص القانون نفسه، يكتشف أن واضعيه حمّلوه ما يكفي من ثغرات تسمح لحاكم مصرف لبنان بالتملّص من كشف المعلومات الأكثر حساسيّة.

أما الحاكم فحرص على استباق تنفيذ القانون بمواقف تستغل الثغرات التي يحتويها نصّه، ممهّداً لمناورات تطيح حكماً التدقيق الجنائي من جديد، أو تفرغه من مضمونه الحقيقي على الأقل. وذهبت مواقف معظم القوى السياسيّة في اتجاه تعبيد الطريق لنسف هذا التدقيق أيضاً، في تناغم واضح مع مناورات الحاكم. وببساطة، وعلى عكس أجواء التفاؤل التي أشاعها وزني، لم تحمل التطورات الأخيرة أي جديد على صعيد التدقيق الجنائي.

ثغرة حسابات المصارف
عمليّاً، ميّز رياض سلامة في مقابلته الأخيرة بين أنواع ثلاثة من الحسابات الموجودة في المصرف المركزي. النوع الأوّل هو حسابات مصرف نفسه، وهي في معظمها أرقام متاحة للعموم ولا تحتوي على الكثير من المعلومات الحسّاسة، علماً أن الحاكم - وحسب المقابلة نفسها - سلّم شركة التدقيق سابقاً جميع بيانات هذه الحسابات. أما النوع الثاني، فهو حسابات الدولة والمؤسسات الحكوميّة. والمعلومات عنها موجودة أساساً بحوزة وزارة الماليّة والإدارات الرسميّة، أو يمكن الحصول عليها من مصرف لبنان بمجرّد طلبها منه خطيّاً. وهذا بالضبط ما جرى أخيراً حين راسل وزير الماليّة المصرف المركزي طالباً تزويده بهذه الحسابات.

النوع الثالث من الحسابات، وهو الأهم والأكثر خطورة، يتعلّق تحديداً بحسابات المصارف لدى مصرف لبنان. وهذه الحسابات، تحديداً ما تعمّد حاكم مصرف لبنان إبعادها عن أعين شركة التدقيق الجنائي ووزارة الماليّة طوال الفترة الماضية. في هذه البيانات المخفيّة حتّى اللحظة، يمكن اكتشاف ما جرى في حقبة الهندسات الماليّة التي استمرّت منذ 2016 وحتّى حصول الانهيار المالي سنة 2019، كما يمكن العثور على حجم الأرباح التي تحققت لمصلحة المصارف من هذه الهندسات، وطريقة تحقيق هذه الأرباح. لا بل يمكن أن نجد أيضاً في هذه البيانات تفاصيل التحويلات الماليّة المشبوهة، التي حصلت بعد تشرين الأوّل من العام الماضي، بهدف تهريب أموال كبار النافذين، فيما كان يعاني سائر المودعين من تعسّف المصارف.

عمليّاً، نص القانون الجديد على رفع السريّة عن حسابات مصرف لبنان وحسابات الدولة والمؤسسات الرسميّة. وهذه الحسابات هي التي سلّمها سلامة أساساً لشركة التدقيق ووزارة الماليّة. لكن واضعي القانون حرصوا على عدم وضع حسابات المصارف في قائمة البيانات المشمولة برفع السريّة المصرفيّة. لا بل حرص المجلس النيابي خلال مناقشة مشروع القانون قبل إقراره على شطب عبارة "أيٌ تكن طبيعتها" الواردة بعد ذكر حسابات مصرف لبنان. وهذا لئلا تفسر العبارة على أنّها تشريع لرفع السريّة عن حسابات المصارف.

بمعنى آخر، أصرّ النواب عن سابق تصوّر وتصميم على عدم معالجة مسألة الحسابات التي تمنّع حاكم مصرف لبنان عن تسليم بياناتها سابقاً لشركة التدقيق الجنائي، بحجة السريّة المصرفيّة. وهذا يعني عدم إبطال هذه الذريعة التي استخدمها الحاكم لعرقلة التدقيق. وبذلك، لم يقدّم القانون أي جديد على مستوى هذه العقبات. خصوصاً أن الحاكم نفسه حرص في مقابلة تلفزيونيّة على التمييز مجدداً وبالإسم بين أنواع الحسابات الثلاثة، كما حرص على ذكر اشتمال حسابات المصارف بقانون السريّة المصرفيّة، في تمهيد واضح لعدم تسليم حسابات المصارف لشركة التدقيق الجنائي المستقبلي.

ثغرات تطبيق القانون
ولم تكن مسألة حسابات المصارف الثغرة الوحيدة في القانون. فهو نصّ مثلاً على حصر استعمال المعلومات التي تُرفع عنها السريّة المصرفيّة لغاية التدقيق فقط. وهذا ما يمنع القضاء لاحقاً من استعمال هذه المعلومات لملاحقة مرتكبي أي جرائم أو مخالفات يمكن أن يكشفها التدقيق. مع العلم أن قانوني السريّة المصرفيّة والنقد والتسليف يمنعان وبشكل صريح الكشف عن أي معلومات مصرفيّة لمصلحة الجهات القضائيّة، طالما أن هذه المعلومات لم تمر من خلال هيئة التحقيق الخاصّة.

ومن ناحية أخرى، أصرّ واضعو القانون على وضع سقف زمني قدره سنة واحدة لمسألة تعليق العمل بالسريّة المصرفيّة. وهذه حكماً مهلة غير كافية في انتظار تشكيل الحكومة وإقرار عقد جديد للتدقيق الجنائي، ومن ثم السير في ورشة التدقيق الجنائي مجدداً. مع العلم أن العقد السابق مع شركة آلفاريز آند مارسال كان ينص على إجراء تدقيق أولي، تمهيداً للتدقيق الفعلي والشامل الذي كان سيتغرق حكماً أكثر من سنة.

مناورات سياسيّة
وبمعزل عن كل الثغرات التي تشوب نص القانون نفسه، بات من الواضح أن المسألة التي ستطيح بمسار التدقيق بشكل تام في المرحلة المقبلة، ترتبط وثيقاً بالمناورات السياسيّة التي مهّد لها القانون. فهو ربط إجراء التدقيق بقرار يجب اتخاذه على مستوى الحكومة، مع العلم أن عقد التدقيق السابق بات بحكم المنتهي بعدما ألغته شركة آلفاريز آند مرسال نفسها. وبالتالي، أصبح إطلاق عجلة التدقيق الجنائي مجدداً، يستلزم قراراً حكومياً بتوقيع عقد جديد، سواء مع الشركة نفسها أو مع شركة أخرى، بعد تشكيل الحكومة الجديدة.

أما الإشكاليّة الكبرى هنا، فهي ما أصبح واضحاً من إصرار قوى سياسيّة كثيرة وسياسيين، منهم رئيس المجلس النيابي، على ربط تنفيذ التدقيق الجنائي في مصرف لبنان بالتدقيق الجنائي بمؤسسات رسميّة أخرى كوزارة الطاقة مثلاً، في محاولة لتطيير مسار التدقيق الجنائي بأسره في مجلس الوزراء أو تعديله. فالتيار العوني الذي يستعمل ملف التدقيق الجنائي للضغط على رياض سلامة اليوم، لن يرغب حكماً بالسير بعيداً في هذا الملف، إذا كان ذلك سيعني فتح ملفّات حساسة بالنسبة إليه، كعقود وزارة الطاقة ومعاملها وسدودها. فبعد تشكيل الحكومة، يدخل ملف التدقيق الجنائي بازار الضغوط السياسيّة المتبادلة بين أقطاب الحكومة أنفسهم. وهذا كفيل إمّا بالإطاحة بإمكان التفاهم على إعادة إطلاق مسار التدقيق، أو بتمييع أهداف التدقيق التي سيحددها العقد الجديد.

نكسات متكررة
تعرّض التدقيق الجنائي إلى نكسات عديدة، منذ ظهور المصطلح لأوّل مرّة على الساحة السياسيّة اللبنانيّة: من توقيع العقد قبل وضع الحصانات القانونيّة المطلوبة في وجه ذرائع حاكم المصرف المركزي، إلى صوغ العقد من دون تضمينه أي آليات كفيلة بفرضه على حاكم مصرف لبنان، وصولاً إلى تمنّع الحاكم عن تزويد الشركة بالمستندات بحجّة حواجز السريّة المصرفيّة. واليوم، يأتي القانون الجديد بثغراته وألغامه التي تمهّد لإسقاط التدقيق الجنائي، ولتؤكّد أن ثمّة من لا يريد أن يكشف ما حصل في ميزانيات مصرف لبنان فعلاً.

أما السؤال البديهي، فبات يتعلّق اليوم بمصير الدعم الخارجي، بعدما تبيّن مرّة تلو أخرى عدم جديّة أقطاب الحكم في تنفيذ أبسط الإصلاحات التي طلبها الخارج منهم. ومنها معرفة خفايا أرقام المصرف المركزي. وإذا كان صندوق النقد قد أصر في السابق على تنفيذ تدقيق شامل من دون أن يشترط مبدأ التدقيق الجنائي بالتحديد، فالاتحاد الأوروبي كان أكثر صرامة من الصندوق، حين حدد التدقيق الجنائي بالذات كشرط لا يمكن تخطيه، قبل الحصول على أي قرش من المساعدات التي يأمل لبنان الحصول عليها للخروج من أزمته. مع العلم أن شروط الاتحاد الأوروبي تكتسب أهميّتها من نفوذ الاتحاد داخل الصندوق، ومن قدرته على التأثير في مسار مفاوضات لبنان مع الصندوق في المستقبل. وبذلك، تصبح كلفة إسقاط التدقيق الجنائي مضاعفة: إخفاء الحقيقة التي يستحق اللبنانيون معرفتها أولاً. وتعقيد مسار الحصول على المساعدات الدوليّة ثانياً.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها