آخر تحديث:13:46(بيروت)
الثلاثاء 22/12/2020
share

مصرف لبنان يبتدع مخارج عجائبية لمخالفات المصارف

علي نور | الثلاثاء 22/12/2020
شارك المقال :
مصرف لبنان يبتدع مخارج عجائبية لمخالفات المصارف ما قرره مصرف لبنان بخصوص الأسهم التفضيليّة يمثّل اليوم سابقة في عالم المصارف (Getty)

تحت عنوان "معالجة مخالفات المصارف في تسويق الأسهم التفضيليّة"، أصدر مصرف لبنان قراره الأساسي، الذي يهدف على ما يبدو إلى إيجاد المخارج اللائقة لأزمة تسببت بها طريقة تسويق المصارف لبعض الأدوات الماليّة في الماضي.

في الشكل، يحاول القرار أن يوحي بأن المصرف المركزي يهدف إلى فرض سداد قيمة أرباح مستحقة لمصلحة حملة الأسهم التفضيليّة، تحت طائلة تحميل المصارف غرامات قاسية. لكن عمليّاً، ثمّة مخالفات كبيرة حصلت في الماضي عندما جرى تسويق هذه الأسهم على أنها أسهم مضمونة الأرباح، في حين أن هذه الأسهم لا يجب أن تستفيد اليوم من الناحية القانونيّة من أي أرباح أو فوائد، خصوصاً في ظل الأزمة التي يعاني منها أصحاب الودائع في المصارف.

وبذلك، يكون قرار مصرف لبنان مجرّد مخرج مشرّف لإدارات المصارف لإنقاذها من ورطتها، عبر تمكينها من دفع أرباح غير مستحقة فعليّاً، تحت غطاء هذا القرار، وعلى حساب سائر دائني القطاع وعلى رأسهم أصحاب الودائع.

عمليّاً، يصب هذا القرار في سياق سلسلة القرارات الطويلة التي ينفرد مصرف لبنان بإصدارها، لهندسة توزيع خسائر الأزمة بين فئات المتضررين المختلفة، من دون أي معيار واضح أو عادل لهذا التوزيع. فالطلب من المصارف سداد أرباح لمساهمين يحملون أسهم تفضيليّة، تبدو اليوم مسألة نافرة وغريبة في ظل تعثّر المصارف، وعدم قدرتها على سداد إلتزاماتها الأخرى كالودائع مثلاً. وهو ما يطرح أسئلة كبيرة حول هدف هذا القرار وخلفيته.

لعبة الأسهم التفضيليّة
الأسهم التفضيليّة هي عمليّاً كالأسهم العاديّة، مجرّد رساميل ومساهمات، يحملها أصحاب الأسهم في المصرف. الفرق الأساسي بين الأسهم التفضيليّة والأسهم العاديّة، هو عدم إمتلاك أصحاب الأسهم التفضيليّة حق التصويت داخل الجمعيات العموميّة للمصرف، وعدم اشتراكهم في عمليّة انتخاب مجالس الإدارة. وفي مقابل تحييد أصحاب الأسهم التفضيليّة عن الاشتراك في الأمور الإداريّة، يستفيد حملة الأسهم من بعض الإمتيازات، أبرزها أفضليّة استفادتهم من حقوقهم على سائر المساهمين، في حال تسييل موجودات المصرف أو إفلاسه، وأفضليّة استفادتهم من الأرباح على سائر المساهمين. لكنّ مع كل ذلك، لا يحق لحملة الأسهم التفضيليّة، شأنهم شأن جميع المساهمين في المصرف، الاستفادة من أي أرباح في حالات التعثّر، أو عند تسجيل خسائر على مستوى المصرف، وفي الحالات التي يمتنع فيها المصرف عن سداد التزاماته لسائر الدائنين، كالمودعين مثلاً. مع العلم أن معظم صيغ الاكتتاب في الأسهم التفضيليّة تنص على استفادة أصحابها من أرباح ثابتة كنسبة من اكتتاباتهم، لكن بشرط وجود أرباح مخصصة للتوزيع للمساهمين.

في حالة المصارف اللبنانيّة، توسّعت المصارف في بيع الأسهم التفضيليّة طوال الفترة الماضية، وشجّعها على ذلك وجود الهندسات الماليّة، التي سمحت لها بتحقيق أرباح كبيرة من خلال توظيف السيولة لدى مصرف لبنان. لكنّ المصارف وبدلاً من تسويق هذه المنتجات على كونها أسهم، تحمل مخاطر معيّنة في حالات التعثّر أو في حال عدم وجود أرباح، سوّقتها على أنها أدوات ماليّة مضمونة الفوائد أو الأرباح، وتوسّعت من خلال هذه الأدوات استقطاب السيولة بالعملة الصعبة إلى خزائنها. وبالفعل، عمد كثير من عملاء المصارف إلى الاكتتاب بهذه الأسهم، بوصفها شكلاً من أشكال الودائع التي تدفع نسباً مرتفعة من الفوائد. وبالإضافة إلى كل ذلك، شجّعت المصارف عدداً كبيراً من أصحاب الودائع على تحويل ودائعهم إلى أسهم تفضيليّة، بهدف توسيع قاعدة الرساميل في الميزانيّات، كون الأسهم التفضيليّة تقع ضمن خانة حقوق المساهمين، وبذلك استعملت المصارف هذه الأسهم لتحسين ملاءتها دفتريّاً.

إنكشاف المخالفات بعد التعثّر
بعد دخول المصارف في مرحلة التعثّر خلال الفترة الماضية، كان من الواضح أن ميزانيّاتها وسيولتها وملاءتها لا تتحمل توزيع أي أرباح للمساهمين فيها، بمن فيهم أصحاب الأسهم التفضيليّة. وعمليّاً، نصت تعاميم مصرف لبنان نفسها على عدم إمكانيّة هذا الأمر، وهي مسألة طبيعيّة بالنسبة إلى قطاع غير قادر على إيفاء إلتزاماته لمودعيه. وهنا انكشفت مخالفات المصارف بشكل فاقع، عندما رفع أصحاب الأسهم التفضيليّة الصوت مطالبين بالفوائد والمستحقات التي وعدتهم بها المصارف، كحقوق مضمونة تماماً كالفوائد التي تستحق لمصلحة أصحاب الودائع. وفي الوقت نفسه، بدأ بعض أصحاب الأسهم التفضيليّة بالضغط للسماح لهم بتحويل أسهمهم إلى ودائع عاديّة، للتمكّن من استخدامها داخل النظام المصرفي، أو على الأقل الاستفادة من بعض الفوائد وإن كانت بنسب منخفضة. وبالفعل عمدت الكثير من المصارف إلى فتح باب تحويل هذه الأسهم إلى ودائع، رغم أن هذا الأمر يقلّص من حجم رساميلها، لاستيعاب نقمة أصحاب هذه الأسهم.

هنا أتى تعميم مصرف لبنان، الذي فتح الباب أمام المصارف لسداد قيمة الأرباح التي نصّت عليها عقود اكتتاب الأسهم التفضيليّة، رغم أن أصحاب هذه الأسهم لا يفترض أن يستفيدوا من أي أرباح في هذه الفترة بالذات. وبذلك، جاء التعميم لينقذ المصارف من ورطتها، ليفتح لها باباً واسعاً للخروج من ورطتها التي وقعت فيها، بسبب طريقة تسويقها لهذه الأدوات الاستثماريّة بالتحديد. مع العلم أن هذا المخرج سيعني عمليّاً تسديد نسب فوائد أو أرباح مرتفعة لأصحاب أسهم في المصارف، في حين أن أصحاب الودائع –التي يفترض أن تملك الأفضليّة على سائر المساهمين- لا يستفيدون إلا من فوائد منخفضة جدّاً على ودائعهم.

باب الاستنسابيّة المفتوح
عمليّاً، نص القرار على سداد "النسبة المتفق عليها" من الأرباح، للعملاء الذين تم تسويق الأسهم لهم بوصفها "مضمونة الفوائد"، مع العلم أن هذا النوع من المنتجات المصرفيّة غالباً ما يتم الاكتتاب به بموجب عقود قانونيّة مُحكمة من مئات الصفحات وباللغة الأجنبيّة، ومن المستحيل أن تنص العقود نفسها على مسألة ضمان الفوائد. بمعنى آخر، ما يتحدّث عنه القرار هنا –من ناحية تسويق الأسهم على أنها مضمونة الفوائد- هو طريقة التسويق الشفهي التي تمّت في المصارف لهذا النوع من الأسهم، وهي مسألة يستحيل إثباتها أو نفيها بعد سنوات من اكتتاب المساهم في الأسهم التفضيليّة. وبذلك يكون مصرف لبنان قد فتح الباب أمام كل مصرف لدفع الفوائد أو الأرباح لأصحاب الأسهم التفضيليّة، من دون أي معايير يُحدد على أساسها المساهمين الذين يستحقون تلقي هذه الأرباح، وهو ما يمثّل باباً واسعاً من أبواب الاستنسابيّة في التعامل مع العملاء. مع العلم أن جزءاً كبيراً من هؤلاء العملاء هم عمليّاً من كبار النافذين أو المساهمين الكبار في المصارف، وهو ما يطرح أسئلة كبيرة عن الطريقة التي سيتم من خلالها توزيع الأرباح.

في كل الحالات، ما قرره مصرف لبنان بخصوص الأسهم التفضيليّة يمثّل اليوم سابقة في عالم المصارف، وتحديداً من ناحية تمكين مؤسسات متعثّرة على دفع جزء من سيولتها المتوفّرة لمساهميها من دون أي معيار محدد. وبذلك، يصبح من الواضح أن حاكم مصرف لبنان مازال يشعر بحريّة واسعة للتحرّك وتقرير طريقة توزيع الخسائر، ولو كان ذلك من خلال تعاميم وقرارات نافرة من جميع النواحي القانونيّة والماليّة. ولعلّ أبرز ما يستفيد منه الحاكم للقيام بهذا الأمر، هو الغياب التام لأي حكومة قادرة على المبادرة، وتحديد استراتيجيّة متكاملة للتعامل مع خسائر الانهيار المالي. وبانتظار حصول التوافق السياسي على حكومة من هذا النوع، سيخضع الجميع لهذا النوع التعاميم والمعالجات التي ينفرد الحاكم في صياغتها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها