آخر تحديث:00:17(بيروت)
الثلاثاء 15/12/2020
share

المصارف قيد التصفية ومصرف لبنان يهلك بالخسائر

علي نور | الثلاثاء 15/12/2020
شارك المقال :
المصارف قيد التصفية ومصرف لبنان يهلك بالخسائر خسائر مموّهة بهندسات محاسبيّة غريبة (علي علّوش)

اعتاد اللبنانيون منذ حصول الانهيار المالي على الأرقام التي تعكس تراجع القطاع المالي وتآكل ميزانيّاته، سواء من ناحية المصارف التجاريّة التي يتراجع حجم موجوداتها باستمرار، أو من جهة المصرف المركزي، الذي ينزف منذ أكثر من سنة من احتياطته. لكنّ أرقام شهر تشرين الأول التي جرى الإعلان عنها منذ أيام، خرجت بحقائق جديدة وصادمة، سواء من ناحية حجم التآكل الحاصل في القطاع المصرفي، أو من جهة التغيّرات السريعة والغامضة في تركيبة موجودات مصرف لبنان.

ما يجري في المصارف لا يمكن وضعه إلا في خانة التصفية الذاتيّة السريعة، أمّا مصرف لبنان فيبدو أنّه يدفع الثمن عبر الكثير من الإجراءات الاستثنائيّة التي تجري بعيداً عن الأنظار، والتي ضخّمت بعض الموجودات، التي لا تخفي سوى خسائر مموّهة بهندسات محاسبيّة غريبة.

يمكن القول أنّ ما تظهره الأرقام الأخيرة والمريبة لمصرف لبنان، وخصوصاً خسائره الجديدة المموهة بألاعيب محاسبيّة، تبرّر كل مخاوف الجهات الدوليّة التي تصر على التدقيق الجنائي قبل تقديم الدعم للبنان، ومن بين هذه الجهات الاتحاد الأوروبي نفسه، الذي ربط في بيانه الأخير الدعم للبنان بإجراء التدقيق الجنائي بالتحديد، وليس أي تدقيق محاسبي آخر. فاستمرار مصرف لبنان في اختلاق البدع المحاسبيّة في عز الانهيار المالي، ورغم كل الانتقادات التي خرجت بعد إنكشاف أمر الخسائر السابقة المتراكمة والمخفيّة، لا يعني سوى الخوف على أي دولار يمكن أن يدخل النظام المالي في المستقبل.

تصفية المصارف
ما يجري في المصارف لم يعد يُصنّف في خانة تراجع الموجودات، بل في خانة التصفية الشاملة التي تعكس تقلّصاً غير مسبوق في حجم القطاع المصرفي اللبناني. فحتّى شهر تشرين الأول الماضي، كان القطاع المصرفي قد خسر ما يقارب 71.71 مليار دولار من موجوداته مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وهو ما يقارب 27% من هذه الموجودات. وإذا تابع القطاع المصرفي تسجيل هذه الوتيرة في انخفاض حجم الموجودات، فمن المتوقّع أن يكون القطاع قد خسر ثلث حجمه بعد ثلاثة أشهر، مقارنة بحجمه قبل حصول الانهيار المالي.

عمليّاً، يمكن القول أن عمليّة التصفية التي ظهرت على شكل هبوط قياسي في حجم الموجودات الإجماليّة، كانت نتيجة عدّة تحوّلات داخل ميزانيات المصارف، سواء من ناحية المطلوبات (أي الإلتزامات والرساميل) أو من ناحية الموجودات. فمن ناحية المطلوبات، تراجعت قيمة الودائع إلى نحو 146 مليار دولار خلال تشرين الأوّل، في مقابل 173 مليار دولار في الفترة المماثلة من العام الماضي، وهو ما يعني خسارة القطاع ودائع إجماليّة بقيمة 27 مليار دولار. هذه المليارات التي غادرت النظام المصرفي توزّعت بين الودائع التي جرى سحبها نقداً، وتلك التي جرى استخدامها لإطفاء الديون المصرفيّة، عبر شراء أصحاب الودائع للعقارات من المدينين، بالإضافة إلى الودائع التي تم تهريبها إلى الخارج. وفي كل الحالات، كان انخفاض حجم الودائع مسؤول عن حوالى 38% من الخسارة في قيمة موجودات القطاع.

في المقابل، ومن ناحية الموجودات، خسر القطاع ما يقارب 11 مليار دولار من موجوداته الخارجيّة حتّى تشرين الأول الماضي، مقارنة بالفترة المماثلة من السنة الماضية. علماً أن هذه الموجودات تمثّل ودائع المصارف واستثماراتها لدى المصارف المراسلة. مع الإشارة إلى أن هذه الموجودات بالذات تصنّف في خانة السيولة بالعملة الصعبة الطازجة، كما تمثّل المصدر الأخير المتوفّر للمصارف للحصول على الدولارات النقديّة، كون احتياطات مصرف لبنان تنقسم بين سيولة مخصصة لاستيراد السلع الأساسيّة أو احتياطات إلزاميّة يُمنع المس بها.

وعمليّاً أيضاً، ثمّة الكثير من الأسئلة على طريقة استعمال المصارف لهذه المليارات 11، خصوصاً بوجود 3 مليارات جرى تبديدها بعد توقّف المصارف عن توفير السحوبات النقديّة بالدولار لزبائنها، في شهر آذار الماضي، فيما لا توفّر المصارف أي أرقام دقيقة بخصوص إلتزاماتها الخارجيّة التي قامت بتصفيتها خلال هذه الفترة من موجوداتها الخارجيّة. وفي كل الحالات، كان بإمكان إقرار قانون الكابيتال كونترول أن يعالج كل هذه الإشكاليّات فيما لو أقر، سواء عبر توفير الغطاء القانوني للمصارف للتوقّف عن سداد الإلتزامات الخارجيّة، أو من خلال التأكّد من عدم وجود استنسابيّة بين المودعين واستخدام لسيولة المصارف من أجل تهريب بعض الودائع إلى الخارج. ومن الناحية العمليّة، يمكن القول أن انخفاض الموجودات الخارجيّة للمصارف مثّل وحده حوالى 15% من إجمالي الانخفاض في الموجودات المصرفيّة.

وظلّت الخسارة الأكبر في موجودات المصارف كامنة في حجم الانخفاض في ودائعها لدى مصرف لبنان، حين بلغ هذا الانخفاض حدود 42.8 مليار دولار حتّى نهاية تشرين الأوّل. وتتوزّع مصادر هذا الانخفاض بين الأموال التي سمح مصرف لبنان للمصارف بسحبها من ودائعها بالعملات الأجنبيّة، بالليرة اللبنانيّة ووفقاً لسعر صرف المنصّة، بموازاة عمليّات السحب المماثلة التي كان يجريها زبائن المصارف من المصارف. وفي الوقت نفسه، قامت المصارف ومصرف لبنان بعمليّات تصفية بين ودائع المصارف لدى مصرف لبنان، وقروضها منه، في الفترة التي تلت الانهيار المالي، وهو ما ساهم بزيادة حجم الانخفاض في الموجودات المصرفيّة.

خسائر مصرف لبنان تتضخّم
في مقابل تراجع أرقام موجودات المصارف، كانت ميزانيّة مصرف لبنان تتضخّم، لتزيد الموجودات فيها بنحو 10% منذ بداية السنة. لكنّ على عكس ما قد يعتقد كثيرون، لم تعكس هذه الزيادة أي تطوّر إيجابي في أرقام المصرف، بل عكست تدهوراً غير مسبوق وتضخيماً لبنود لا تمثّل سوى خسائر يخفيها مصرف لبنان ويراكمها دفتريّاً تحت خانة الموجودات. فبند "الموجودات الأخرى"، الذي أشارت إليه مختلف التقارير الماليّة، لكونه لا يمثّل عمليّاً أي موجودات فعليّة، بل يشكّل خسائر سابقة قرر حاكم مصرف لبنان تسجيلها كموجودات بقرار فردي منه، تضخّم حتّى نهاية شهر تشرين الثاني الماضي بنسبة 92.37% مقارنة ببداية العام. بإختصار، مصرف لبنان مستمر بمراكمة الخسائر، من خلال إجراءات مجهولة الطابع والأهداف، وبتدابير محاسبيّة إشكاليّة تعرّضت خلال الفترة الماضية للكثير من الانتقادات. وحتّى نهاية شهر تشرين الثاني الماضي، كان بند "الموجودات الأخرى" قد بلغ مستوى 48 مليار دولار، وهو ما يعني أن ما يخفيه مصرف لبنان من خسائر بات أكبر من الاستيعاب بأساليب الحاكم التقليديّة.

أرقام مصرف لبنان تشير أيضاً إلى أن المصرف خسر خلال سنة واحدة فقط، وحتّى تشرين الثاني الماضي، ما يقارب 13 مليار دولار من موجوداته الخارجيّة، أي السيولة بالعملة الصعبة التي تمثّل احتياطاته المتوفرة للإستعمال. بمعنى آخر، كان من الواضح أن مصرف لبنان يشهد طوال تلك السنة تراجعاً في أصوله التي تمثّل سيولة فعليّة قابلة للإستعمال، في مقابل زيادة في حجم الموجودات التي لا تمثّل أي سيولة فعليّة، كبند "الموجودات الأخرى". أما النتيجة فكانت زيادة دفتريّة في حجم الموجودات، لكن مع تردّي نوعيّة هذه الموجودات وقابليّتها للتسييل أو الإستخدام.

في الخلاصة، بين ما يشهده القطاع المصرفي من تصفية تلقائيّة، وما يشهده مصرف لبنان من تراجع في حجم سيولته وموجوداته المنتجة أو القابلة للإستخدام، يصبح من الواضح أن زمن القطاع المالي المتضخّم قياساً بحجم الاقتصاد اللبناني وإنتاجيّته بات من الماضي. وفعليّاً، أدخل السوق اللبناني القطاع المصرفي بشكل طبيعي في عمليّة تحجيم قاسية، قبل أن يعمد مصرف لبنان إلى تطبيق إجراءات إعادة الهيكلة التي يعد بها منذ أكثر من سنة. أما ما يبقى أن نرتقبه، فهو أثر هذه التطورات على شكل القطاع من ناحية عدد الفروع والمصارف، وتداعيات كل ذالك على موظفي القطاع أنفسهم وأمنهم الاجتماعي.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها