آخر تحديث:14:36(بيروت)
الجمعة 27/11/2020
share

التوضيح "المَلغوم" لسلامة: أربعة مليارات دولار ستطير قريباً

خضر حسان | الجمعة 27/11/2020
شارك المقال :
التوضيح "المَلغوم" لسلامة: أربعة مليارات دولار ستطير قريباً المودعون أمام تبديد إضافي لأموالهم (علي لمع)
نفى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة قيامه ببحث فكرة تخفيض الاحتياطي الإلزامي بالدولار، من 15 بالمئة إلى ما بين 12 و10 بالمئة، سعياً لتمويل عملية استيراد الدواء والمحروقات والقمح. وهو ما نقلته وكالة "رويترز"، عن مصادر وزارية لبنانية. ومن على منبر الوكالة عينها، طَمأن سلامة إلى أنّ "أي تخفيض لنِسَب الإحتياطي الإلزامي، لو حصل، سيعود إلى أصحاب الودائع في مصرف لبنان، وهم أصحاب المصارف، وليس لأي غرض آخر".

في الواقع، إنَّ استعمال جزء من الاحتياطي الإلزامي، لأي عملية كانت، ليسَ محَرَّماً في شرع سلامة. بل إنَّ كل الخيارات متاحة، واستنفادها جميعها ليس سوى مسألة وقت. وإلى حينه، يمكن لسلامة والمنظومة الحاكمة، المفاضلة بين تقديم أو تأخير هذا الخيار أو ذاك.

تفخيخ التوضيح
يعرف سلامة أنَّ الـ800 مليون دولار المتبقّية من احتياطات مصرف لبنان، من أصل نحو 17.9 مليار دولار، لا تكفي للاستمرار بدعم الاستيراد. وهي بالكاد تضيِّع الوقت حتّى نهاية العام الجاري. وأكَّد سلامة ذلك بنفسه، خلال حديث لصحيفة "فايننشيل تايمز"، في شهر تشرين الأول الماضي، إذ كشف أنَّ "احتياطيات مصرف لبنان من العملات الأجنبية منخفضة للغاية، لدرجة أنه لا يمكنه توفير الدولارات إلا لدعم الواردات الحيوية مثل القمح، حتى نهاية العام". ولتدعيم النظرة السلبية، كان سلامة قد حذَّرَ في حديث إلى محطة CNN، في تشرين الثاني 2019، من أنَّ لبنان على بُعد أيام من "الانهيار" الاقتصادي.

هذا الحديث يستوجب منطقياً، إمّا وقف الدعم كليّاً، أو توفير الدولارات للاستمرار. أمَّا التَلَهِّي بمسألة الدعم الجزئي أو ما يُسمّى "ترشيد الدعم"، فليس سوى بدعة سرعان ما ستسقط، ليبقى الخيار الوحيد هو توفير الدولارات. ولأنَّ لا دولارات باقية سوى في الاحتياطي الإلزامي للمصارف لدى المصرف المركزي، فإن شهية سلامة لن تجد أمامها سوى هذا الطَبَق.
تخفيض الإحتياطي الإلزامي بات قريباً. لكن طريقة إخراجه إلى العَلَن، هي ما يُبحَث خلف الكواليس. ومِن هُنا جاء توضيح سلامة بأنَّ التخفيض إن حصل، فسيذهب المبلغ إلى المصارف. وهذا الخيار قد يُعتَمَد لتهدئة جمعية المصارف والمودعين على حدٍّ سواء، فالاحتياطي الإلزامي هو ملك للمصارف، وبالتالي، ملك للمودعين لأنه جزء من أموالهم.

والتهدئة مطلوبة لأن وقف الدعم آتٍ، وسيصحَب معه سلسلة اعتراضات، لا تُطفئها سوى توفير الأموال للناس. ليصبح السيناريو المقبل هو ترشيد الدعم بما تبقّى من دولارات لدى المركزي، ليتبعه وقف نهائي مصحوب بالإفراج عن نحو 3 إلى 4 مليارات دولار، متأتّية من خفض نسبة الاحتياطي، تأخذها المصارف لتعطيها للمودعين بالليرة اللبنانية، على سعر صرف 3900 ليرة، وليس بالدولار. ما يَمدّ المودعين بأموال إضافية تُمكِّنهم من زيادة معدّل الإنفاق على الاستهلاك، لمواجهة ارتفاع الأسعار الآتي مع وقف الدعم. لكن هذه الأموال ستتبخَّر بسرعة.
وبالتالي، يَصدق سلامة أمام الرأي العام بأنّه لم يستعمل الاحتياطي الإلزامي للمصارف في تمويل الاستيراد، بل أعاد جزءاً منه للمودعين.

رفض صامت
يخلط سلامة الأوراق مع أركان المنظومة السياسية، لتأمين أسرع إدارة ممكنة للانهيار. ولم تَسلَم المصارف من تداعيات التسويات بين الحاكم والمنظومة، وهو ما أجَّجَ الخلاف بين جمعية المصارف وسلامة من جهة، وبينها وبين الحكومة من جهة أخرى.

وتسريب الحديث عن خفض الاحتياطي الإلزامي، أثار موجة احتجاج داخل أركان جمعية المصارف. لكن الاحتجاج بقي صامتاً ولم يخرج إلى العَلَن، خصوصاً وأنَّ محتوى التسريب جرى نفيه، ولم يُصَرَّح به على الملأ بشكل رسمي.
ومع ذلك، تؤكّد مصادر في جمعية المصارف لـ"المدن"، رفض المصارف وضع اليد على الاحتياطي الإلزامي تحت أي ذريعة "فأولاً هذه أموال الناس، وثانياً، الهدف من الاحتياطي الإلزامي ليس تمويل أي عملية شراء للدولة، بل لتأمين سيولة للمصارف، تعطي من خلالها الأموال للمودعين في حالات طارئة، كي لا تواجه خطر الإفلاس". وتلفت المصادر النظر إلى أنَّ هذه الاحتياطي "جرى استحداثه منذ نحو 20 عاماً لخلق احتياطي إضافي بالدولار لدى المصرف المركزي، علماً أنَّ دول العالم تفرض على المصارف وضع احتياطي إلزامي بعملة البلد، لا بالعملات الأجنبية".

الحديث عن تخفيض الاحتياطي الإلزامي، لأي هدف كان، "هو وضع يد الدولة على أموال الناس وأموال المصارف. وحتى وإن كان الخيار هو تمكين المصارف من التصرف بجزء من الاحتياطي الإلزامي، فهذه مسألة مؤقّتة لن تحلّ كامل الأزمة". وترى المصادر أنَّ الحل يبدأ بـ"وقف كل هذه المهزلة وإيجاد صيغة إصلاحية صحيحة". وتأسَف المصادر لما حصل من "تبديد للدولارات وحرمان المودعين منها، ووضع المصارف في الواجهة مقابل المودعين وكأنها هي المسؤولة عن ضياع أموالهم، في حين أن سياسات مصرف لبنان هي المسؤولة، وهي التي موَّلَت الدولة من دولارات الناس. ومصرف لبنان هو مَن يحدد للمصارف ما يجدر بها فعله، لأنه هو سلطة الوصاية على المصارف".
وبما أنَّ للمركزي سلطة الوصاية، فإنَّ أي قرار باستعمال الاحتياطي الإلزامي سيكون مُلزِماً للمصارف، وهذا ما لا تُنكره المصادر، حتى وإن كانت النتيجة "التهرب من المسؤولية ودعم السلع مِن جيوب الناس وإيهامهم بأن الدولة تساعدهم".

على أيّ حال، رفض المصارف لا يخرج عن نطاق الامتعاض الذي لا يغيِّر شيئاً، ولا يلغي حقيقة أنَّ المصارف استفادت لعقود من السياسات التي توجّه السهام نحوها. وهي إن كانت تسأل عن وجهة تبديد الأموال، فهذا لا يعدو كونه وسيلة ضغط على سلامة والسلطة لتخفيف الضغط المُمارَس مِن قِبَل المودعين على المصارف. وهو بالتأكيد ليس صحوة ضمير تطالب بكشف حقيقة تبديد الأموال. فالهندسات المالية وحدها، هي وجه من وجوه تبديد الأموال، أي أنَّ المصارف ساهمت بتبديد أموال المودعين أيضاً.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها