آخر تحديث:17:58(بيروت)
السبت 21/11/2020
share

بعد سقوط التدقيق الجنائي: لبنان إلى المجهول

علي نور | السبت 21/11/2020
شارك المقال :
بعد سقوط التدقيق الجنائي: لبنان إلى المجهول مرتكب الجرم لن يسعى إلى الكشف عن ما اقترفت يداه (علي علّوش)

حسمت آلفاريز آند مرسال خيارها، وقررت إبلاغ الدولة اللبنانيّة رسميّاً انسحابها من مسار التدقيق الجنائي، بعد أن تبيّن لها أن المستندات التي حصلت عليها غير كافية للقيام بتدقيق يملك أدنى مقوّمات المصداقيّة، وبعد أن ظهر أن مهلة الأشهر الثلاثة التي طلبها لبنان لن تغيّر في المعادلة أي شيء.

كان من الواضح أن الشركة أرادت الحفاظ على سمعتها العالميّة، كشركة إستشارات ماليّة. ففضّلت الانسحاب من المعمعة قبل الغرق لثلاثة أشهر أخرى في وحل السياسة اللبنانيّة، وتشابك مصالح السلطة مع مراكز النفوذ في النظام المالي اللبناني. في الخلاصة، انتهت مغامرة التدقيق الجنائي. والبلاد باتت على مشارف جحيم لا قعر له، بسقوط آخر الإصلاحات التي طلبها صندوق النقد وسائر المانحين، بعد أن سقطت في مراحل سابقة شروط إصلاحيّة أخرى، كخطّة الإصلاح المالي والكابيتال كونترول والتشكيلات القضائيّة وخطة الكهرباء وغيرها.

قرار لا غبار عليه
من الناحية القانونيّة، لا يوجد غبار على قرار الشركة. كما لا يملك لبنان أي خيار غير التسليم بهذا القرار. فالعقد نصّ منذ البداية على إعطاء مصرف لبنان أسبوعين للامتثال لطلبات الشركة، فيما تمتلك بعدها وزارة الماليّة أسبوعين لمعالجة أي نقص في المستندات التي حصلت عليها شركة التدقيق. بعد هذه المهل، تمتلك الشركة حريّة استكمال التدقيق أو الانسحاب، فيما ينص العقد على تقاضي الشركة مبلغ 150 ألف دولار أميركي كبدل أتعاب، في حال قررت عدم متابعة مسار التدقيق، لعدم كفاية المعلومات التي بحوزتها. كل هذه المهل انقضت منذ أسابيع، وبالتالي، باتت الشركة طليقة اليدين من الناحية القانونيّة، حسب العقد الذي يربطها بوزارة الماليّة.

في الواقع، يمكن القول أن الشركة غامرت أساساً بمصداقيتها وسمعتها، وتنازلت من خلال التريّث طوال الفترة الماضية، وتخطّي المهل المنصوص عليها في العقد، في محاولة لإفساح المجال أمام الوزارة الماليّة لتصحيح المسار، وفرض امتثال المصرف المركزي لموجبات التدقيق. ولذلك، لم يكن من الواقعي أن يتوقّع أحد من شركة عالميّة التورّط أكثر في لعبة شراء وقت مع لبنان، مع العلم أن الشركة كانت ستتحمّل مخاطر كبيرة على سمعتها في حال قررت عدم فض العقد في الوقت الراهن، كون ذلك سيضعها في خانة الشركات التي تساوم وتقايض على نوعيّة المعلومات التي ستوافق على السير بها في مسار التدقيق.

ما رشح عن الموقف الرسمي اللبناني في الساعات الأخيرة الماضية لم يتجاوز حدود تسريب "الاستغراب" من قرار الشركة، بعد أن طلبت وزارة الماليّة رسميّاً من الشركة إمهالها فترة ثلاث أشهر، للتمكّن من الاستحصال على الوثائق والمستندات التي تطلبها. لكنّ العارفين بطريقة عمل هذا النوع الشركات، يعلمون أن طلب وزارة الماليّة لم يكن واقعيّاً منذ البداية، خصوصاً أن الشركة لم تتلقّف من لبنان أي مؤشّرات تدل على إمكانيّة تسهيل مسار التدقيق الجنائي، أو تذليل العقبات الموجودة. كما يمكن القول أن هذا النوع من المهل الطويلة للحصول على المستندات غير مألوف في مسارات التدقيق الجنائي. خصوصاً أنّه يعني منح المؤسسة موضوع التدقيق (مصرف لبنان في هذه الحالة) فرصة التفاوض على المعلومات التي ستمنحها، وهو ما يعني الطعن بنتائج التدقيق نفسه. مع العلم أنّه من الناحية القانونيّة لم يكن هناك ما يسمح لوزارة الماليّة بفرض هذه المهلة على الشركة، كون وفد الشركة لم يوقّع أي ملحق يعدّل شروط العقد السابقة لتمديد مهلة تقديم المستندات.

نحو السقوط الكبير
عمليّاً، النتيجة الأولى لما حصل في مسار التدقيق الجنائي ستكون الإجهاز على ما تبقى من فرص يمكن أن يملكها لبنان للحصول على الدعم الخارجي، سواء من صندوق النقد أو غيره. مع العلم أن ملف التدقيق في أرقام مصرف لبنان بات اليوم يمثّل بالنسبة إلى الفرنسيين مسألة حياة أو موت، فيما أبلغ وفد الصندوق الوفد اللبناني بوضوح خلال المفاوضات السابقة أن أي دعم للبنان سيكون مستحيلاً من دون تفصيل أسباب تراكم الخسائر في ميزانيات المصرف المركزي والمصارف التجاريّة، ومن دون تحديد المسؤوليات بشكل واضح وصريح. أمّا عدم إجراء هذا التدقيق، فسيعني بالنسبة إلى الصندوق تكرار السيناريو مجدداً، وتبديد أي أموال سيتم منحها للبنان في إطار أي برنامج دعم للصندوق. مع العلم أن أحد أسباب عدم موافقة المجلس التنفيذي لصندوق النقد على منح لبنان مساعدات طارئة بعد إنفجار المرفأ، كان عدم استكمال مسار التدقيق في مصرف لبنان حتى ذلك الوقت، كما ظهر لاحقاً في المحاضر التي جرى تسريبها من الاجتماع العاجل الذي عقده المجلس بعد الانفجار.

لن تقتصر التداعيات على عرقلة أي مساعدات يمكن أن يتلقاها لبنان خلال المرحلة المقبلة. فعرقلة عمل آلفاريز آند مرسال على النحو الذي حصل، سيطعن عمليّاً في مصداقيّة الدولة اللبنانيّة، وسيحول دون تمكّنها من استقطاب شركات تدقيق أخرى في المستقبل، في حال أرادت الدولة إعادة إطلاق مسار التدقيق الجنائي من جديد، سواء في مصرف لبنان أو في أي من مؤسسات الدولة الأخرى. فأي شركة تدقيق جنائي دوليّة معتبرة، لن ترغب في المستقبل في التورّط بهذا النوع من المسارات مع لبنان، مع ما سيحمله هذا الأمر من مخاطر على سمعتها وشكوك في إمكانيّة نجاح التدقيق بأسره.

منظومة الفساد
لم يكن رياض سلامة ليجرؤ على رفض التعاون مع التدقيق الجنائي على هذا النحو، مع ما يعنيه هذا الأمر من تداعيات على فرص البلاد في الخروج من أزمتها، لولا أنّه متيقّن من تكاتف معسكر كبير إلى جانبه، من مجلس النوّاب الذي لم تبادر كتله إلى تذليل العقبات القانونيّة، وسحب الذرائع التي تلطّى خلفها مصرف لبنان لعدم التعاون، إلى وزارة الماليّة التي صاغت بعناية عقد الدقيق الذي امتلأ بالألغام الكفيلة بتفجيره لاحقاً، وصولاً إلى العهد نفسه الذي لم يبادر إلى التدخّل لتعديل العقد منذ البداية. علم سلامة منذ البداية أن ما بحوزة مصرف لبنان من أسرار، كفيل بدفع الجميع للحرص على إسقاط التدقيق الجنائي، من دون أن يبذل الكثير من الجهد، تماماً كما علم أن تقاطع المصالح بين أرباب النظام المالي وأركان النظام السياسي، كان كفيلاً بالإطاحة بجميع الإصلاحات الأخرى.

في الخلاصة، سقط حلم التدقيق الجنائي، ومعه سقطت آمال المودعين بمعرفة مصير دولاراتهم، التي تلاشت في دهاليز المصرف المركزي. لن يعلم أحد خبايا الهندسات الماليّة، ولا ألاعيب العمليات الاستثنائيّة المكلفة التي حصلت في السنوات الأخيرة، كما لن يعلم أحد هويّة أولئك الذين تمكّنوا من تهريب الدولارات في عزّ الانهيار على حساب باقي المودعين. ثمّة أسرار لن تنكشف. ما سنشهده في الفترة المقبلة، ليس سوى بعض المناورات والعراضات غير المنتجة، كإرسال مشاريع قوانين تهدف إلى السماح بإجراء التدقيق الجنائي، قبل أن تنام مشاريع القوانين هذه في أدراج لجنة المال والموازنة، على النحو الذي نامت فيه مشاريع قوانين كثيرة. مع العلم أن ثمّة من بدأ بالترويج لمقولات تبرر التغاضي عن إجراء هذا التدقيق بأسره، كحالة النائب إيلي الفرزلي الذي بات يعتبر أن رفع السريّة المصرفيّة كفيل بالطعن بمصداقية النظام المصرفي، وكأن النظام المصرفي يعيش اليوم أجمل أيامه. ببساطة، من المستبعد أن تدب الحياة في مشروع التدقيق الجنائي، فمرتكب الجرم لن يسعى إلى الكشف عن ما اقترفت يداه.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها