آخر تحديث:17:42(بيروت)
الأربعاء 28/10/2020
share

سقوط التدقيق الجنائي والشركة تستسلم: مصرف لبنان لم يتعاون

علي نور | الأربعاء 28/10/2020
شارك المقال :
سقوط التدقيق الجنائي والشركة تستسلم: مصرف لبنان لم يتعاون تمكّن مصرف لبنان من فرض حواجز تمنع الشركة من "إقتحام" دهاليزه (علي علّوش)

بداية، ومن التيار الداعم للعهد ولرئيس الجمهورية، الذي يكرر كل يوم شعار التدقيق والمحاسبة، أعلن اليوم الأربعاء رئيس لجنة المال والموازنة، ابراهيم كنعان، أن "العقد مع شركة التدقيق الجنائي غير قابل للتطبيق".

أيضاً، منذ البداية، بدأ مصرف لبنان بوضع العراقيل أمام عمل شركة آلفاريز آند مرسال المكلّفة بإجراء التدقيق الجنائي، رافضاً التعاون بذريعة الحواجز التي يفرضها قانوني السريّة المصرفيّة والنقد والتسليف، وبذريعة مبدأ إستقلاليّة المصرف المركزي الذي لا يسمح لوزارة الماليّة التفاوض مع شركة أجنبيّة لتوقيع عقد للتدقيق في أعمال المصرف. بدأت العرقلة من خلال التمنّع عن تسليم المعلومات في المرحلة الأولى، ورفض الإجابة عن أسئلة الشركة، وصولاً إلى رفض إعطاء الشركة صلاحيّة التعامل المباشر مع إداريي مصرف لبنان للحصول على المعلومات.

بحجة القوانين
في مرحلة من المراحل، لم يوافق حاكم مصرف لبنان حتّى على إعطاء الشركة غرفة صغيرة داخل مبنى المصرف المركزي للقيام بالمهام التي أوكلت بها، رغم أن المنطق يفرض ممارسة مهام التدقيق من داخل المصرف نفسه. باختصار، لم يعترف رياض سلامة بمشروعيّة عمل الشركة منذ الأساس، ولم يترك عقبة إلا ووضعها أمام الشركة منذ إنطلاق عملها، علماً أن عدم وجود حكومة مكتملة الصلاحيّات ساهم في تمكين الحاكم من التعنّت في وجه مسار التدقيق الجنائي بهذا الشكل الفاضح.

وزارة الماليّة تدخّلت بالتأكيد، عملاً بأحكام عقد التدقيق الذي يعتبر أن الوزارة هي العميل الذي فوّض الشركة إجراء التدقيق، والذي يعتبر أن فرض إمتثال المصرف المركزي لعمليّة التدقيق هو من واجبات الوزارة بالدرجة الأولى، لا بل يعتبر العقد أن توقيع الوزير على العقد بحد ذاته يفترض إمتلاكه صلاحيّة هذا التوقيع والقدرة على وضع العقد حيّز التنفيذ. ولذلك، عملت الوزارة بعد بروز تلك العراقيل على جمع الحاكم بوفد الشركة، وعلى حث الحاكم على تقديم ما يمكن تقديمه من مستندات تحت سقف ما يعتبره مصرف لبنان الحواجز القانونيّة التي تحد من عمل شركة التدقيق. علماً أن الوزارة تمتلك أيضاً أيضاً أسبابها لمحاولة إنجاح مسار التدقيق ولو كان تدقيقاً شكلياً لا يفضي إلى أي نتائج ذات قيمة، لكون هذا التدقيق يرتبط بشروط صندوق النقد.

وبالفعل، أنتج جهد الماليّة تعاوناً شكلياً من قبل مصرف لبنان، الذي وافق على تلقي لائحة المعلومات المطلوبة والاستفسارات من الشركة، وعلى إرسال الأجوبة وبالبيانات "ضمن حدود القوانين المرعيّة الإجراء". أمّا المخرج، فكان إرسال المعلومات من خلال مفوّض الحكومة لدى المصرف المركزي، الذي يقع عمله ضمن النطاق الإداري لوزارة الماليّة، والذي يعطيه قانون النقد والتسليف صلاحيّة التدقيق في أرقام وميزانيّات مصرف لبنان.

معلومات عامة
وهكذا تمكّن مصرف لبنان من فرض حواجز تمنع الشركة من "إقتحام" دهاليز المصرف المركزي، عبر الحؤول دون التعاطي أو الاحتكاك المباشر مع إداريّي المصرف وتوجيه الأسئلة والاستفسارات إليهم. مع العلم أن فرض هذا النوع من البروتوكولات يعتبر نكتة في عالم التدقيق الجنائي المالي، كون عمليّة التدقيق الجنائي بحد ذاتها تفترض البحث والتحرّي في أدق تفاصيل البيانات والإجراءات مع الأطراف المعنيّة، كما تفترض وجود أخذ ورد وتفاعل مع الأشخاص الذي أتخذوا القرارات المشمولة بهذا التدقيق.

في كل الحالات، أرسل مصرف لبنان بواسطة مفوّض الحكومة في المصرف المركزي المعلومات والإجابات المطلوبة من قبل الشركة في 13 تشرين الأوّل الماضي. وما إن وصلت هذه الوثائق إلى مكاتب الشركة حتّى تبيّن أنّ آلاف الأوراق التي جرى إرسالها ليست سوى معلومات متاحة للعموم على موقع مصرف لبنان الرسمي، وفي الميزانيّات التي يفصح عنها دوريّاً. وبذلك، يمكن القول أن ما يمكن أن تفعله آلفاريز آند مرسال بهذه الإجابات لا يتجاوز حدود الدراسات العامّة، التي لطالما أعدّتها في السابق الشركات الاستشاريّة الماليّة بالإستناد إلى هذا النوع من المعلومات المتاحة لأي شخص.

ورطة الشركة
فهمت آلفاريز آند مارسال أنّها تورّطت في مهزلة غريبة عن أصول التدقيق الجنائي، وأنّ ثمّة ما هو أكبر منها ومن لجنة التدقيق الجنائي التي عيّنها وزير الماليّة لمساعدتها وللإشراف على مسار التدقيق. لا بل بدا واضحاً لآفاريز آند مرسال أنّ من جاء بها لإجراء التدقيق لم يرد منذ الأساس إنجاز تدقيق فعلي وحقيقي في مصرف لبنان، ولعلّ أبرز المؤشّرات التي تدل على ذلك نوعيّة لجنة التدقيق التي جرى تعيينها، والتي تفتقد لوجود أي خبير متخصص في عمليّات التدقيق في المصارف المركزي. ببساطة، أصبحت ورطة آلفاريز آند مرسال عبئاً عليها وعلى سمعتها، وصارت الشركة تبحث عن المخرج المطلوب بأي ثمن.

عمليّاً، أمام آلفاريز آند مارسال حتّى يوم الثلثاء المقبل لتعطي ردّها بشكل رسمي، وفقاً لأحكام العقد. لكنّها في الواقع اتخذت قرارها منذ الآن وأبلغته لمن يعنيه الأمر: الشركة رفعت العشرة، وهي لن تتمكّن من القيام بالتدقيق المطلوب منها بالمعلومات التي قام مصرف لبنان بتزويدها إياها. وبذلك، يمكن القول "قُضي الأمر"، وصار التدقيق الجنائي وفقاً للمسار الذي نص عليه العقد الموقع بحكم المنتهي. في المحصّلة، ووفقاً لأحكام العقد، وبعد تلقّي وزارة الماليّة كتاب إعلان الإنسحاب الرسمي، سيحق لآلفاريز آند مارسال أن تحتفظ بجزء من الدفعة الأولى التي قدّمتها الدولة للشركة عند توقيع العقد (40% من إجمالي الأتعاب)، على أن تُعفى الدولة من دفع باقي الأتعاب.

الانسحاب والاعتذار
في كل الحالات، وبانتظار تلقّي الوزارة كتاب الانسحاب الرسمي، يمارس الفرنسيون، من خلال الوفد الفرنسي الموجود داخل مصرف لبنان، مساعي اللحظات الأخيرة لمعالجة المسألة، بمحاولة إقناع الحاكم بتليين موقفه من عمليّة تزويد الشركة بالمعلومات المطلوبة. لكنّ يمكن القول أنّ هذه المساعي مازالت بعيدة عن تحقيق أي تقدّم يُذكر، خصوصاً في ظل تشبّث الحاكم بالتطبيق الحرفي للقوانين اللبنانيّة، التي تفرض عدم الإفصاح عن أي معلومات مصرفيّة داخليّة، باستثناء تلك المتاحة أساساً للعموم. أمّا في حال حصول تسوية في اللحظات الأخيرة، فسيكون الحل توقيع ملحق لعقد التدقيق، يتم فيه تمديد المهل المحددة لتزويد الشركة بالمعلومات، وتمديد المهلة الممنوحة للشركة لاتخاذ قرار مباشرة عمليّة التدقيق الجنائي.

أما السيناريو الأكثر ترجيحاً، فهو اعتذار الشركة عن مواصلة عمليّة التدقيق بأسرها، وانسحابها من المسار في الوقت الراهن، على أن يُترك للحكومة المقبلة مسألة إطلاق تدقيق جنائي جديد في المصرف المركزي، ومعالجة الثغرات القانونيّة التي عرقلت المسار السابق. أمّا النتيجة الوحيدة لمسار التدقيق السابق والمتعثّر، فستكون في هذه الحالة هدر جزء من الأتعاب التي جرى دفعها لشركة التدقيق خلال الفترة الماضية.

وهكذا، يمكن القول أن مسار التدقيق الجنائي قد اغتيل عن سابق تصور وإصرار وتصميم، أولاً من خلال المضي في عقد لا يمكّن الشركة من تجاوز العقبات القانونيّة المتعلّقة بالسرية المصرفيّة وسريّة معلومات مصرف لبنان، وثانياً من خلال تعيين لجنة إشراف غير متخصصة ولا تملك خبرة التعامل مع هذا النوع من أعمال التدقيق، وبالتالي لا تملك القدرة على دعم الشركة وتذليل الصعوبات التي تقف في وجهها، وثالثاً من خلال عدم تحرّك لجنة المال والموازنة بالتوازي مع بدء الشركة بأعمال التدقيق، لإصدار ما يلزم من تشريعات لتذليل العقبات القانونيّة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها