آخر تحديث:13:21(بيروت)
الخميس 22/10/2020
share

القضاء الأميركي يُفرح قلب مصارف لبنان!

علي نور | الخميس 22/10/2020
شارك المقال :
القضاء الأميركي يُفرح قلب مصارف لبنان! لا عزاء للمودعين في مواجهة المصارف! (الأرشيف)

في أوائل العام 2019، رفعت مجموعة من المحامين في الولايات المتحدة سلسلة من الدعاوى بحق مصارف لبنانيّة وعربيّة مختلفة، بزعم استخدام هذه الكيانات المصرفيّة لتمويل أعمال إرهابيّة، تضرر منها موكّلي هؤلاء المحامين. في تلك الفترة، أثارت هذه الدعاوى موجة من القلق لدى المصارف اللبنانيّة، خصوصاً كون المحامين الأميركيين اختاروا محاكم نيويورك تحديداً لرفع هذه الدعاوى. وهو ما يعني أنّ المصارف ما كانت لتتمكّن من التملّص من أي أحكام أو عقوبات يمكن أن تنتج عن هذه الدعاوى، بالنظر إلى هيمنة الولايات المتحدة على النظام المالي العالمي، وكل ما يتعلّق بالموجودات الخارجيّة والتحويلات التي تجري بالدولار الأميركي.

عنصر قوّة مستجد
لكن وللمفارقة، يبدو أن هذه الدعاوى ستكون اليوم سبباً لتفاؤل أصحاب وإدارات المصارف اللبنانيّة، إذ أن أحكامها سمتثّل مصدر قوّة قانونيّة، ستستخدمها المصارف في وجه مودعيها في الخارج، الذين قد يلجأون إلى المحاكم الأميركيّة لتحصيل حقوقهم، بعد أن تمنّعت المصارف عن سداد التزاماتها للمودعين. فعمليّاً، أصدرت محكمة فيدراليّة في نيويورك أوّل حكم للبت بإحدى هذه الدعاوى، وهي دعوى كانت مقامة في وجه بنك الاستثمار الفلسطيني. وقد تبيّن للمحكمة أن المصرف لا يخضع للاختصاص القضائي في المحاكم الأميركيّة. وهو ما يعني إسقاط مسار محاكمة المصرف بأسره.

ورغم أن القضاء الأميركي اختار البدء بالبت في قضيّة تتعلّق بمصرف غير لبناني، من ضمن سلسلة الدعاوى التي شملت 11 مصرفاً لبنانياً، يمكن القول أنّ هذا الحكم سيكون محط اهتمام المصارف اللبنانيّة من ناحيتين. فهذا الحكم، سيعني أوّلاً تشكيل سابقة قانونيّة، يمكن البناء عليها لتخليص المصارف اللبنانيّة من سلسلة الدعاوى المماثلة، المتعلّقة بتمويل الإرهاب. أما الأهم، فهو إمكانيّة البناء على هذا الحكم بالتحديد كسابقة، لمواجهة أي دعوى يمكن أن يقيمها مودعو المصارف اللبنانيّة في وجهها، في محاكم الولايات المتحدة، على خلفيّة تمنّعها عن سداد قيمة ودائعهم. بمعنى آخر، ستستخدم المصارف هذه السابقة للتذرّع بعدم صلاحيّة المحاكم الأميركيّة، لمواجهة هذا النوع من النزاعات القضائيّة.

تفاصيل القرار
ارتكز الإدعاء في القضيّة على اعتبار المصارف اللبنانيّة والعربيّة مسؤولة عن مجموعة من العمليّات الإرهابيّة المزعومة، بحكم إجراء هذه المصارف تحويلات استفادت منها المنظّمات المسؤولة عن هذه العمليّات، أو عوائل الأفراد الذين نفّذوها. في المقابل، تمكّن الدفاع المتمثّل بشركة "سكواير باتون بوجز" للمحاماة من إسقاط الدعوى في حالة بنك الاستثمار الفلسطيني، باعتبار أن البنك لم يستخدم بشكل مباشر المصارف المراسلة الأميركيّة لإجراء التحويلات، بل استخدم مصارف وسيطة دوليّة أخرى، وإن كانت هذه المصارف الوسيطة عادت واستعانت بالمصارف المراسلة الأميركيّة، لإنجاز التحويلات، بحكم كونها تحويلات بالدولار الأميركي.

باختصار، قرر القضاء الأميركي أنّه غير معني بما يعتبره الإدعاء ارتكابات قامت بها المصارف، وأنّه لا يملك اختصاص محاسبة المصارف على هذه الأمور، حتى لو أثبت الإدعاء حصول هذه الارتكابات، طالما أن المصارف لم تعتمد على النظام المالي الأميركي بشكل مباشر ومتعمّد، للقيام بهذه الإرتكابات.

تبعات قانونيّة كبيرة للقرار
من هنا، أصبح بإمكان المصارف اللبنانيّة الدفاع عن نفسها في وجه سلسلة الدعاوى المماثلة التي تواجهها، والمتعلّقة بتمويل الإرهاب باستخدام المنطق ذاته والحجج إياها، خصوصاً أن القضاء الأميركي يعترف بالسوابق القضائيّة، كعنصر يمكن البناء عليه عند البت في أي قضيّة قضائيّة مستقبليّة. والدعوى في وجه بنك الاستثمار الفلسطيني جاءت ضمن سلسلة الدعاوى نفسها التي تواجه المصارف اللبنانيّة. وهنا تشير مصادر مصرفيّة إلى أن الغالبيّة الساحقة من العمليّات والتحويلات المصرفيّة التي بنى على أساسها الإدعاء قضيّته في وجه المصارف اللبنانيّة، مماثلة للعمليّات التي قام بنك الاستثمار الفلسطيني، أي أنّها عمليّات مصرفيّة لم يُستخدم فيها النظام المالي الأميركي بشكل مباشر. وهو ما يعني أنّ القاعدة نفسها التي انطبقت على بنك الاستثمار الفلسطيني ستنطبق على عمليات المصارف اللبنانيّة.

في المقابل، يبدو أن المصارف اللبنانيّة ستتمكّن أيضاً من استخدام هذه السابقة القانونيّة للإستقواء في وجه أي محاولة لمقاضاتها في المحاكم الأجنبيّة، على خلفيّة تعثّرها وتخلّفها عن السداد للمودعين، أو على خلفيّة القرارات الاستثماريّة التي اتخذتها، والتي أدّت إلى هذا الواقع. فالقضاء الأميركي اعتبر أنّ عدم مرور الإرتكابات الجرميّة بالنظام المالي الأميركي بشكل مباشر، سبب كافٍ لاعتبار هذه الإرتكابات غير مشمولة باختصاص المحاكم الأميركيّة. وبالتالي، أصبح النزاع القائم بين المصارف اللبنانيّة ومودعيها خارج اختصاص هذه المحاكم، حتّى لو كان المودع من حملة الجنسيّة الأميركيّة. مع العلم أنّ القرارات الاستثماريّة التي ساهمت بتبديد أموال المودعين، والتي ركّزت عليها الدعاوى السابقة من المودعين في المحاكم الأميركيّة، مرتبطة بعمليّات جرت مع مصرف لبنان، ومع الدولة اللبنانيّة. وبالتالي، فهي عمليّات لم تمر بنطاق النظام المالي في الولايات المتحدة بشكل مباشر.

مشكلة نطاق الصلاحيّة
عمليّاً، تشير مصادر قانونيّة إلى أنّه، وبالرغم من أثر هذا القرار القضائي، يمكن لبعض المودعين الإصرار على المضي في محاولة مقاضاة المصارف اللبنانيّة في الولايات المتحدة بالإرتكاز إلى نقطتين:

النقطة الأولى، محاولة إثبات أنّ وجود حسابات مراسلة للمصارف اللبنانيّة في الولايات المتحدة مكّنها من تسهيل عمليّة استقدام الودائع الدولاريّة من الخارج، واستخدامها في هندسات مصرف لبنان وعمليّاته الاستثنائيّة، مع مسبق علم هذه المصارف بأن هذه العمليّات تشكّل نموذج "بونزي" مكتمل الأوصاف، وبالأخص نظراً إلى عوائد هذه العمليّات غير المنطقي، والتحوّلات المخيفة التي كانت تحصل في ميزانيّة المصرف المركزي. ومن هنا، يمكن محاولة إدخال هذه القضايا ضمن اختصاص المحاكم الأميركية، كون هذه الممارسات استخدمت بشكل من الأشكال النظام المالي الأميركي واستفادت منه.

أما النقطة الثانية، فهي إثبات أن المصارف اللبنانيّة عمدت خلال فترة حصول هذه الهندسات إلى تسويق منتجاتها المرتفعة الفوائد والمخاطر على الأراضي الأميركية. وبالتالي، سيحاول المودعون إثبات صلاحيّة المحاكم الأميركيّة للنظر بهذه القضايا، باعتبار أن جزءاً من الارتكابات حصل داخل الولايات المتحدة الأميركيّة. لكنّ عمليّاً، تشير المصادر القانونيّة نفسها إلى أنّ هذه المسألة ستكون صعبة الإثبات، خصوصاً كون المصارف اللبنانيّة تعرف جيّداً نوعيّة الضوابط التي تمارسها السلطات الأميركيّة على عمليّات تسويق المنتجات الماليّة والمعايير التي تعتمدها. وهي معايير تختلف بشكل جذري عن تلك المعمول بها في لبنان. وبالتالي، فمن الأكيد أن المصارف مارست أقصى درجات الحذر في كل ما يتعلّق بأنشطتها التسويقيّة في الولايات المتحدة، على خلاف حالة بعض الدول الأفريقيّة التي كانت تنظّم المصارف رحلات دوريّة إليها لاستقدام ودائع المغتربين منها.

في الخلاصة، ستبقى قضيّة اختصاص المحاكم المشكلة الأساسيّة التي ستواجه أي مودع يحاول الاتجاه نحو أي محكمة أجنبيّة لانتزاع حقوقه من المصارف اللبنانيّة. أمّا المسألة التي ستزيد الطين بلّة، فهو معرفة المودعين أن المصارف عمدت منذ زمن طويل إلى تضمين عقودها مع المودعين عبارات تؤكّد اختصاص محاكم بيروت حصراً في البت بأي نزاع بين المصرف وعملائه. وهو ما يعني أن المودع وقّع أساساً على تنازل فيما يخص هذا الاختصاص. لذلك، يمكن القول أن القرار القضائي عزز من موقع المصارف القوي أساساً في مواجهة المودعين من ناحية اختصاص المحاكم، كما مثّل في الوقت نفسه عنصر قوّة في مواجهة قضايا تمويل الإرهاب العالقة في المحاكم الأميركيّة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها