آخر تحديث:16:25(بيروت)
الأحد 18/10/2020
share

القبول بالكابيتال كونترول بعد فوات الأوان: أموال المودعين اختفت

علي نور | الأحد 18/10/2020
شارك المقال :
القبول بالكابيتال كونترول بعد فوات الأوان: أموال المودعين اختفت أكثر 23.4 مليار دولار غادرت النظام المالي اللبناني (علي علّوش)

فاتنا القطار وسبق السيف العذل. هذا ما يمكن استنتاجه من اجتماع لجنة المال والموازنة الأخير، والذي حاولت اللجنة من خلاله إعادة إحياء مشروع قانون الكابيتال كونترول. عمليّاً، يمكن القول أن عودة اللجنة لمناقشة مشروع القانون يأتي بضغط دولي وفرنسي واضح، يهدف إلى تحريك مجموعة من مشاريع القوانين، التي تصب في إطار الإصلاحات التي طلبها صندوق النقد خلال الفترة الماضية، في محاولة لكسب بعض الوقت بانتظار تشكيل الحكومة الجديدة. ولهذا السبب تحديداً، كانت ملاحظات الصندوق التي جرى تلخيصها في أربع صفحات بوصلة نقاشات اللجنة، التي ضمّت ممثلين عن جمعيّة المصارف ومصرف لبنان، لمعرفة قدرة المصارف على الامتثال لبنود هذا القانون في حال إقراره.

طارت الأموال بغياب القانون
ما إن بدأت النقاشات مع اللجنة حتّى تبيّن أن صافي موجودات المصارف الخارجيّة يتفاوت بشدّة بين مصرف وآخر، فيما يسجّل صافي هذه الموجودات، بالنسبة إلى القطاع المصرفي ككل، عجزاً بقيمة ثلاثة مليارات دولار. وبذلك، تبيّن لأعضاء اللجنة أن المصارف باتت غير قادرة على الالتزام بأي معايير موحّدة لضبط السيولة بالدولار الأميركي المتوفّرة بحوزتها، من ناحية تحديد الحالات الاستثنائيّة التي يُسمح فيها بإجراء تحويل الدولارات إلى الخارج، لكون وجود هذه الدولارات بات غير مضمون في كثير من المصارف. أما الاستنتاج البديهي، فكان أن إقرار القانون كان ضروريّاً منذ بداية الأزمة، لتوحيد إجراءات ضبط السيولة بين جميع المودعين، والحفاظ على ما تبقى من أموال في المصارف، وقبل أن تتمكّن المصارف من تهريب الأموال لمصلحة قلّة من الفئة النافذة ماليّاً وسياسياً. أمّا الآن، فبات القانون لا يقدّم ولا يؤخّر بالنسبة إلى المودعين.

في الواقع، حين نتحدّث عن تطيير الأموال منذ بداية الأزمة، فنحن نتحدّث عن ما يقارب 11 مليار دولار التي ذهبت من موجودات المصارف الخارجيّة، منذ شهر تشرين الأوّل الماضي، وعن أكثر من 12.4 مليار دولار التي اختفت من موجودات مصرف لبنان الخارجيّة، وهو ما يعني أن أكثر 23.4 مليار دولار غادرت النظام المالي اللبناني، لم يصب سوى جزء صغير منها في عمليّات استيراد السلع الأساسيّة. علماً أن إقرار القانون منذ تشرين الأول الماضي كان سيسمح بمنع التحويلات التي صبّت في خانة تهريب ودائع المحظيين والنافذين. كما كان سيسمح بإعطاء الغطاء القانوني للمصارف لتأجيل سداد إلتزاماتها لدى المصارف المراسلة في الخارج.

صندوق النقد والكابيتال كونترول
باختصار، لعبت المصارف لعبتها وهرّبت ما يمكن تهريبه، ولم يعد هناك ما يمكن أن يراهن عليه المودعون بشكل جدّي من هذا القانون في حال تم إقراره. لكنّ صندوق النقد، ومعه الفرنسيون وجميع المانحين المحتملين، مازالوا يصرّون على تمرير القانون قبل منح أي مساعدات أو إعطاء أي قروض، لكون القانون سيمثّل ضمانة بعدم تهريب أموال هذه القروض أو المساعدات إلى الخارج، على النحو الذي جرى من خلاله تهريب أموال المودعين، وكون القانون قادر على توفير الحصانة القانونيّة اللازمة للمصارف أمام دائنيها في الخارج.

أما أبرز ما يريده الصندوق من هذا القانون، فهو توفير خريطة طريق لعمليّة توحيد أسعار الصرف المتعددة، وهي مسألة أصر عليها وفد صندوق النقد في جميع مفاوضاته مع الحكومة اللبنانيّة.

عمليّاً، تشير مصادر مصرفيّة إلى أن صندوق النقد، وبمعزل عن مشروع القانون، نجح بالفعل في دفع مصرف لبنان للاقتراب من رؤيته لعمليّة الكابيتال كونترول، ولو خارج الإطار القانوني، وتحديداً في ما يخص الاتجاه نحو توحيد أسعار الصرف. فالضوابط المشددة على السيولة بالليرة اللبنانيّة التي فرضها مؤخراً مصرف لبنان، إلى جانب الضوابط الأكثر صرامة المفروضة أساساً على السيولة بالدولار، ليست سوى خطوة باتجاه لجم سعر صرف السوق السوداء بعد امتصاص السيولة بالليرة من الأسواق، وهو ما سيدفع سعر صرف الدولار في المستقبل إلى الانخفاض تدريجيّاً، إلى حد الإقتراب من سعر صرف منصّة مصرف لبنان للتداول بالعملات الأجنبيّة، على أمل توحيد السعرين لاحقاً.

مع العلم أن الحد من ضخ السيولة بالليرة اللبنانيّة في السوق، وفرض ضوابط مصرفيّة أو كابيتال كونترول على هذه السيولة، لطالما مثّل مطلباً دائماً لصندوق النقد منذ حصول الإنهيار، وتحديداً بهدف محاولة توحيد أسعار الصرف. وفي الواقع، بلغ إلحاح الصندوق على هذا المطلب حد توجيه الانتقادات اللاذعة لحاكم مصرف لبنان خلال المفاوضات مع لبنان، بسبب تأخره في فرض هذا النوع من القيود، واستمراره بضخ السيولة بالليرة في الأسواق من خلال التعميم 151، الذي يسمح بسحب الودائع المدولرة بالليرة اللبنانية. وهكذا، يبدو أن مصرف لبنان قرر تعديل إجراءات ضبط السيولة التي يمارسها اليوم، بحكم الأمر الواقع وخارج أي إطار قانوني، لتتماشى مع نظرة الصندوق للكابيتال كونترول، عبر إضافة الضوابط الأخيرة على السحوبات النقديّة بالليرة.

أما الخطوة المقبلة التي ستجعل مصرف لبنان يقترب أكثر من رؤية صندوق النقد للكابيتال كونترول، فستكون بطبيعة الحال رفع الدعم عن السلع الحيويّة، التي كان يجري استيرادها على أساس سعر الصرف الرسمي القديم، أي القمح والمحروقات والدواء. مع الإشارة إلى كون هذه المسألة متعلّقة برأي الصندوق بمسألة الكابيتال كونترول، لأن الدعم يمثّل عمليّاً استنزافاً للسيولة المتبقية لدى مصرف لبنان، وسعر صرف إضافي من أسعار الصرف التي يسعى الصندوق إلى توحيدها.

وعمليّاً، مجرّد إلغاء هذا الدعم سيعني أولاً إلغاء أحد أسعار الصرف المتعددة المعتمدة، والتي يطالب الصندوق بتوحيدها. أما النقطة الأهم، فهي أنّ الصندوق يعتقد، وبخلاف الرأي الشائع حاليّاً في لبنان، أن رفع الدعم إذا نُفّذ بالتوازي مع ضوابط مشددة على السيولة بالليرة، سيؤدّي إلى انخفاض سعر الصرف في السوق السوداء، واقتراب هذا السعر أكثر فأكثر من سعر صرف المنصّة. ففي حال رفع الدعم، ومع إبقاء دور محدود للمصرف المركزي في توفير الدولارات المطلوبة للاستيراد إنما بسعر السوق، ستكون النتيجة المزيد من الامتصاص للسيولة بالليرة اللبنانيّة، نتيجة سعر الصرف المرتفع المعتمد. وهو ما سيتسبب بالمزيد من الانخفاض بسعر صرف الدولار. 

الكابيتال كونترول المؤلم
باختصار، لن يكون الكابيتال كونترول لصالح المودعين هذه المرّة، بعد أن جرى التواطؤ عمداً طوال الأشهر الماضية لتأخير القانون وتهريب سيولة المصارف. بل سيكون -كما يبدو من جميع المؤشّرات- لصالح شروط صندوق النقد ووصفاته الجاهزة. وقد وجد الصندوق سبيله إلى دفع مصرف لبنان لمباشرة العمل بالصيغة التي يريدها للكابيتال كونترول قبل إقرار القانون، بعد ضغط الوفد الاستشاري الفرنسي الذي أقام لأسابيع في أروقة مصرف لبنان، من دون أن تتبيّن حتّى اللحظة تفاصيل المهمّة التي جاء لأجلها. أما مشروع القانون، فبدأ العمل عليه وفقاً لملاحظات الصندوق نفسها، والتي جرى توزيعها على أعضاء لجنة المال والموازنة، لتكون خريطة الطريق التي سيجري على أساسها مناقشة صيغة القانون.

تجفيف السيولة من الأسواق بالليرة والدولار معاً، ورفع الدعم، ستكونان أداتان كافيتان للتسبب بالكثير من الأزمات الاجتماعيّة والاقتصاديّة بالتأكيد. وهنا يمكن القول أن سمعة الصندوق السيّئة، من ناحية الآثار الإجتماعيّة المؤلمة التي تتركها وصفاته الجاهزة والمعلّبة، لم تأتِ من فراغ. لكن يبدو أن السير بهذه الصيغة من الكابيتال كونترول أصبح من المسلّمات التي يمكن لا يمكن مناقشتها، خصوصاً بعد أن تم تبديد السيولة المتبقية في النظام المالي، وأصبحت البلاد رهينة دعم الصندوق، الذي يشترط هذا النوع من أدوات الكابيتال كونترول بالتحديد.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها