آخر تحديث:02:32(بيروت)
الإثنين 06/01/2020
share

عبّود وخَلف .. هذا هو الوقت

عصام الجردي | الإثنين 06/01/2020
شارك المقال :
عبّود وخَلف .. هذا هو الوقت فشِل النموذج الاقتصادي وحاضنته الريوع والفوائد (علي علّوش)

مرّت دول وشعوب كثيرة بما يمرّ به لبنان في أزمته المالية – النقدية، والاقتصادية – الاجتماعية المدوّية. لكن الأزمة عندنا تختلف عمّا عداها، وقد تكون أسوأ الأزمات. فالأسوأ من نتائجها لم يظهر بعد. الأزمات المشابهة تصدت لها دول وسلطات حكومية بموجب الدساتير والقوانين. في لبنان دهمت الأزمتان معًا. أزمة نظام سياسي وأزمة اقتصادية بأفرع وشمول.

فشِل النموذج الاقتصادي وحاضنته الريوع والفوائد. فكان من الطبيعي أن تُضرب في الصميم أركان النموذج. وفي مقدمها النظام المصرفي وسعر تثبيت سعر الصرف. المشهد الراهن يكفي ويزيد. نمو سالب. صدّ أصحاب الحقوق في المصارف عن الوصول إلى حقوقهم. وتراجع في سعر الصرف بنحو الثلث في فترة لا تزيد عن الشهرين. جفاف التحويلات النقدية وعجز ميزان المدفوعات. أي صنبور العملات الأجنبية الذي كان يغذي النموذج الاقتصادي والنظام السياسي. ويحتاجه النظامان مستدامًا كي يستديما. وهما مكشوفان على الخارج وقت لا نملك قدرة على التحكم بمصادر التحويلات النقدية والمالية من دول محكومة هي الأخرى باعتبارات شديدة التقلّب. دورات اقتصادية هابطة. تغير في أسعار الموارد الطبيعية. النفط والغاز في مقدمها. ومخاطر جيوسياسية كبيرة. والحال تنطبق على دول الخليج العربي، مصدر التحويلات الخارجية الوازنة إلى لبنان. لم يحطّ المشهد فجأة على لبنان. سنوات تسع منذ 2011، وأجراس النذر تقرع على صفيح الخطر الآتي، وكأن شيئًا لم يحدث ولن يحدث. استمررنا. سقط النموذج الآن. ولا أحد يريد الاعتراف بذلك. بعد القعر تبدأ الفوضى إلى قيعان أخرى أشد خطورة لاسيما على المستوى الاجتماعي والمجتمعي.

طارت مقدمة الدستور
الدولة عاجزة وفي أزمة تأليف الحكومة باتت اختصارًا لأزمة حُكم. تعطلّت مقدمة الدستور اللبناني. وتشكل فلسفته وديباجة كل ما يلي من مواد الدستور. الاقتصاد الحرّ، وحق الملكية الفردية، والقطاع الخاص وكل ما له علاقة بالحقوق والواجبات والقوانين الناظمة ذوات الصلة، واقعة في فوضى الحقوق المجمّدة والمقنّنة في المصارف. وسلطة النظام السياسي الذي دمّر الدولة، أُسقط في يدها وعاجزة حتى عن استنان قوانين تنظم الفوضى حدًا أدنى. الأشنع والأشد تخريبًا، أن ما زال في "الجمهورية القوية" البائسة من يضع العراقيل في وجه تأليف حكومة بفائض من سلطة القوة على حساب قوة السلطة. ويصر على "هذا نريده وهذا لا نريده. نحن من يقرّر من هم وزراء طائفتنا". أي "تيّارنا بالنتيجة". وما هي حقائبهم الوزارية. وإذ يبرز إسم يوحي ثقة، أو اثنان يوحيان بسجل نظيف وعقل منتج، يُستبعدان بالمنطق نفسه. أهي الكراهية أم الحُمق؟ أم جفاف الأخلاق الوطنية بأكثر من جفاف ميزان المدفوعات وأوقع. وصرنا في تأليف الحكومة، كركّاب طائرة بلا محطة للهبوط ولا مستقرّ، ووقودها أوشكت على النفاد. إذ أن الأزمة الشاملة الاقتصادية والسياسية أكبر من حكومة. وبالكاد يروم الشعب منها معبر "ترانزيت" لالتماس البرّ خطوة أولى في "سفر الخروج" الطويل من أزمة غير مسبوقة. هكذا يسقط النموذج الاقتصادي والنظام السياسي. وكلاهما في حال إنكار بعد. دولة تبحث عن دستور. وشعب يبحث عن حقوقه في المصارف. والبلد متروك لعاديات الزمن وصُروفه. وكراسٍ تبحث عن رجالها.

ليست قضية بوليسية!
التحويلات المالية إلى الخارج. لم تتوقف محاولات إضفاء الطابع البوليسي على هذه القضية. أحد أعضاء لجنة المال والموازنة النيابية قال، أن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وعد اللجنة تزويدها معلومات عن التحويلات. وفي اللقاء الدوري مع جمعية المصارف قبل أسبوع أبلغ سلامة مسؤولي الجمعية إن هيئة التحقيق الخاصة لم تتلقّ مراجعات من المصارف الخارجية التي تلقّت التحويلات. لأن عليها تحديد أصحابها ومصدر الأموال. كما أن مسؤولي الامتثال في المصارف اللبنانية لم يخطروا الهيئة الخاصة بأي حركة أموال غير طبيعية. ووعد سلامة بتوفير المعلومات عن التحويلات حين استكمال المعطيات. واضح ان كل ما ورد يركّز على تحويلات أموال مشكوك بنظافتها. منها ما هو عائد لفساد سياسي وإداري في القطاع العام، أو من مصادر تمويل مشتبهة وغير سليمة في القطاع الخاص. في الحالين، فهذه الأموال خرجت من المصارف. أي إنها قطعت مرحلة استمارة (إعرف عميلك KYC) قبل إيداعها. وفيها كل المعلومات عن عملاء المصارف بما في ذلك الحِمض النووي و"قياس القدم"! التحويلات مرحلة ثانية مفترضة لأموال نظيفة. إلاّ اذا كانت تلك الأموال أو جزء منها أودع خلافًا للوائح امتثال والقانون رقم 44 المتعلق بمكافحة تبييض الأموال وأموال الارهاب. هنا يُفتح ملف آخر مختلف تمامًا عن تحويل الأموال النظيفة الذي يحميه الدستور والقانون. ومثل تلك العمليات لُحظت منذ بداية 2019 وارتفعت وتيرتها في صيف السنة نفسها. وفي حال حصول تحويلات "نظيفة لسياسيين وأصحاب نفوذ" بعد فرض قيود على التحويلات بلا قوانين، أو تحويلات لكبار المساهمين في المصارف ولمديرين، ومُنعت عن عملاء آخرين من رجال أعمال وتجار وصناعيين، ووضعت سقوف للسحوبات على صغار المودعين، فهذه العمليات تنطوي على هواجس كبيرة وغير أخلاقية وسوء إدارة وائتمان. بالاضافة إلى تمييزها بين مودع وبين آخر. إخطارات المصارف الخارجية التي تلقّت التحويلات يأتي دورها في الدرجة الثانية بعد المصارف اللبنانية وهيئة التحقيق الخاصة اللبنانية. ويفترض أن يبدأ الملف من هنا ليكتسب صلابة أي مطالبة باستعادة الأموال المشتبهة. أو التي حُولت على نحو مشتبه في فترة الإقبال على السحوبات من المصارف. وكما ذكرنا في المقالة السابقة، كل التحويلات بالحجم موثّقة بتقرير شهري لدى لجنة الرقابة على المصارف من دون معرفة أصحابها، لكون اللجنة لا تطلع على الأسماء وتسري عليها السرية المصرفية. الهيئة الخاصة في وسعها حين الاشتباه الاطلاع على حجم التحويلات وأسماء أصحابها وليست مقيّدة بالسرية. واللوائح متاحة لرئيس الهيئة وحاكم مصرف لبنان والمدّعي العام المالي بصفته عضوًا في الهيئة.

سنختصر. لننسَ استعادة الأموال المنهوبة وأموال الفساد السياسي الأوليغارشي، طالما ننشد إصلاحًا من نظام فاسد، وسلطة غير أخلاقية وأوعية إدارية متهتّكة. لنلتفت إلى ما بقي من أموال ومقومات. ولنصارح الناس بالحقيقة وسنوات الآلام الأتية. من سيقوم بهذه المهمة؟ القضاء برئاسة سهيل عبّود. ونقابة المحامين برئاسة ملحم خلف. وقد كان للأخير الأسبوع الماضي موقف رجلٍ. وحفيد مارون عبّود صاحب سيرة من الثُقاة. إئتلاف العدالة مع ثورة الشعب ودعمه يحدث فرقًا. هذا هو الوقت.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها