آخر تحديث:00:04(بيروت)
الجمعة 17/01/2020
share

حكومة قمعِ الثورة

عصام الجردي | الجمعة 17/01/2020
شارك المقال :
حكومة قمعِ الثورة مبادئ الثورة العامة تحتاج إلى مواقف بالتجزئة لتكتمل (عباس سلمان)

هل بدأت خطة منهجية لضرب الثورة اللبنانية الأولى في تاريخ لبنان؟ من الآخر نبدأ. المشهد الذي شهده اللبنانيون في شارع الحمراء من تحطيم واجهات بعض المصارف كان منفرًا. ويتعارض مع سلمية الثورة شعارًا رفعته في يومها الأول. خصوصًا إنه لا ينتج قيمة مضافة لقضايا الثورة وأهدافها والعكس صحيح. يؤدي إلى صدعها، وارتداد جمهور واسع عنها. ويتيح للحكومة الجديدة بعد تأليفها أن تبدأ بسيناريو مفاده، "ها قد ألّفنا حكومة خلوًا من رموز سياسية سابقة. ومن اختصاصيين كما شئتم. أعطوها فرصة للعمل واخرجوا من الشوارع لنلبّي مطالبكم". وفي الحقيقة أن الحكومة ليست من المستقلّين، بل من لدَن السلطة والنظام. أتى بها من يقبض على زمام الحكم اليوم، أي التيار العوني و"حزب الله" و"حركة أمل". الباقون من متعلقات السلطة غادروا السفينة لأن التسويات السياسية التي عقدوها وأنتجت انتخابات رئاسية وحكومة، أخلّت بها الأطراف الثلاثة المذكورة.

وقبل ذلك كان قانون الانتخاب المذهبي وليس الطائفي فحسب، وافق عليه الزاهدون في السلطة اليوم، وأقصى جمهورًا واسعًا من الفئة العمرية بين الثامنة عشرة واثنين وعشرين من اللبنانيين عن حق الاقتراع. وهو جيل هذه الثورة وعصبها. والحقيقة أيضًا، أن المطالب ليست لائحة نقابية قطاعية. بل قضايا بحجم الوطن، ودولة دستور وقانون ومؤسسات وعدالة. وحكم نظيف عفيف. وإنسان موفور الكرامة. لذلك لا تُؤتى دولة كهذه من خارج تغيير عميق في النظام السياسي على أنقاض نظام استباح كل شيء. ويرفض التخلّي عن امتيازاته والبلد يغرق إلى أعمق. هذا هو الوجه السياسي لقضية الثورة وقضاياها.

قلنا أن المشهد كان منفرًا في شارع الحمراء. مع علمنا أن المشهد الآخر للانسان المكسور الجائع والمريض والعاطل من العمل، الذي يبيت ليلته على خيبة ويصحى عليها مع أسرته وأطفاله، لم يحرّك من أعصاب المسؤولين عصبًا. ألقي القبض على مفتعلي الشغب. لم تتبنّ الثورة أفعالهم  وباتوا في عهدة القضاء ولم يُفرج عنهم. فليتابع القضاء ملفهم إلى النهاية ويعلن النتائج، لمعرفة هؤلاء "الأشباح المجهولين". وقد شهدنا من "الأشباح" من يعتدي على الثوار مباشرة أكثر من مرّة، ويهتف بشعارات مذهبية سياسية مكشوفة، ومعادية لأسمى ما حملته هذه الثورة وأعلنته. وهو كسر حواجز الطائفة والمذهب والمنطقة. هذا الذي أرعب النظام السياسي بالكامل. وأدعياء الميثاقية الكذوب و"عرق الطائفة الأنقى" الجدير بتمثيلها في السلطة. هددوا بشارع في مقابل شارع وفشلوا. ليس لعلة افتقارهم إلى الجمهور، بل لافتقارهم إلى قضية يجمعون جمهورهم عليها غير الطائفة والمذهب. فقضية الوطن والناس بما في ذلك جمهورهم في مكان آخر. في شوارع الثورة وشعاراتها. أُلصق بناس الثورة في بداياتها كل المثالب الذميمة. العمالة والسفارات. وكل وصفات الأبلسة ليقذفوا بها شيطانًا رجيمًا! لا نتيجة. ثم بمحاولة الالتفاف عليها "لأن المطالب محقّة ونحن ندعمها" ولكن!

القوم في السرّ!
"لا يخدعنّك صُراخ القوم بالوطن  فالقوم في السرّ غيرُ القومِ في العلن". على ما أنشد ذات يوم الشاعر معروف الرصافي. الطابور الخامس لا يفعل فعله بعد انكشافه سلفًا. هكذا نقتبس من الجنرال إميليو مولا وفرانشيسكو فرانكو في الحرب الأهلية الأسبانية 1936. صدِقوا، رغم كل الذي فينا حاليًا، لا يعلو لدى المنظومة السياسية خصوصًا تلك التي ستؤلّف هذه الحكومة خلال ساعات، همٌ على وضع حدٍ للثورة والنيل من مكانتها لدى الشعب. لن تجرؤ السلطة على القمع، ولن تفلح في الطوابير الخامسة، طالما حافظت الثورة على سلميتها ومبادئها. ما حصل من شغب في اليومين الماضيين ليس سوى محاولة لجرّ الثورة إلى العنف وتشويه صورتها ليسهل الإنقضاض عليها من الداخل. وزيرة الداخلية ريا الحسَن التي تعاملت حضاريًا مع الثوار، استنكرت ونفت أن يكون استخدام القوة المفرطة من عناصر مكافخة الشغب جاء بأوامرها. من أمر أذن؟ ومن أمر بالتصدي للإعلاميين والاعتداء على المصورين؟ لافت كلام الوزيرة عن "تعب عناصر الأمن" شهورًا في الشارع. هذا صحيح. وكذلك عناصر الجيش اللبناني. الأزمة لم تنأى بارتداداتها عن معاشات قوى الأمن والجيش وتعويضاتهم وظروفهم المعيشية. سيكون أسوأ ما ترتكبه السلطة السياسية أن تزجّ بالقوى الأمنية والعسكرية لاستخدام القوة المفرطة في الشارع لغسل أفعالها وما ارتكبت من آثام.

قانون الانتخابات المبكرة
لذلك، نطالب من جديد بإطار مؤسسي للثورة وببرنامج، وقيادة جمعية من ساحاتها. وبمواقف واضحة تتطلبها المرحلة المقبلة والرأي العام. لقد باتت الثورة جزءًا من الحياة السياسية بالأمر الواقع. العفوية أمدت الثورة بالدعم الشعبي الواسع. المبادئ باتت واضحة. لكن كلّما طال الوقت وبلغت الثورة منعطفات حادّة تتطلب مواقف سياسية، كلّما احتاجت الثورة إلى مواقف أكثر تحديدًا. قالت ما ترفض. وقالت ما تريد. إنما في المطلق. الثورة التي يعلو فيها صُراخ الفقراء والطبقة المتوسطة والمثقفين والأساتذة والطلاب والمرأة، هي خليط طبقي من شرائح اجتماعية مختلفة. فيها رجال الأعمال أيضًا، وأصحاب المهن الحرّة والفنانون وغيرهم. واتجاهات فكرية وسياسية ليست من خلفية واحدة. وهذا مصدر قوة بذاته. لكنه يتطلب برنامجًا مرحليًا يجتمع عليه قرار الثورة، تبعًا لكل مرحلة وللتطورات. ومواقف معلنة للرأي العام وللثوار أيضًا.

سلمية الثورة تعني التغيير من ضمن النظام البرلماني الديموقراطي كما يقول الدستور. وقد تدمّر هذا النظام، وديس الدستور بـ"ميثاقية العرق الأنقى" واقتسام المنافع والتبعية للخارج. وبلغت الأزمة حد الارتداد على كنه النظام الاقتصادي والمالي والملكية الفردية والحقوق والواجبات. النظام بلا هوّية الآن. إلّا الزبائنية والفساد واستحصاص كيانات الدولة. هناك الكثير ليتضمنه برنامج الثورة بالتجزئة، ويحتاجه بما يتجاوز الشعارات الكلّية والمبادئ. تعديل قانون الانتخابات مدخل للتغيير السياسي السلمي. والمقصيون من حق الاقتراع دون الثانية والعشرين، مع نحو 52 في المئة الذين لم يدلوا بأصواتهم، قادرون على إحداث التغيير. فليكن تعديل القانون مطلبًا منذ الآن. تعقبه انتخابات مبكرة.

البلد ينهار اقتصاديًا ونقديًا بعد أن انهار ماليًا. هناك الكثير من الاجراءات المطروحة بعد تأليف الحكومة. وكلها قاسية ومضنية. مبادئ الثورة العامة تحتاج إلى مواقف بالتجزئة لتكتمل. الأزمة النقدية والمصرفية في حاجة إلى اجراءات فورية لتفادي الفوضى الشعبية والقلاقل الاجتماعية. إعادة لملمة الوضع المالي والنقدي وتحريك الاقتصاد دونها بناء الاقتصاد من جديد. فطبيعة اقتراحات الحلول تصب كلها في حيازات الدولة ومرافقها ربما وصولًا إلى احتياط الذهب. والمنظومة السياسية لن تتورًع عن محاولة تحميل الثورة تبعات فشلها وعبثها وفسادها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها