آخر تحديث:00:02(بيروت)
الخميس 05/09/2019
share

"جمال ترست بنك": خنق البيئة الشيعية الحاضنة لحزب الله

عماد الشدياق | الخميس 05/09/2019
شارك المقال :
"جمال ترست بنك": خنق البيئة الشيعية الحاضنة لحزب الله كثيرون من شيعة أفريقيا كانوا يرتاحون لمعاملة المصرف ويشعرون أنه جزء من ثقافتهم وبيئتهم (المدن)

شغل ملف اتهام "جمال ترست بنك" بتسهيل الأنشطة المالية لـ"حزب الله" حيزاً كبيراً في الرأي العام والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، نهاية الأسبوع الفائت. كما حضر على جدول أعمال طاولة الحوار الاقتصادي التي عقدت في قصر بعبدا أمس الإثنين. هذا الواقع شجع عدداً من المدراء السابقين والحاليين، بالإضافة إلى بعض المصادر، على الكلام، رغبة منهم في الدفاع عن المؤسسة التي عملوا فيها أو تعاملوا معها، وكذلك لاستغرابهم الاتهام الأميركي. "المدن" تواصلت مع عدد منهم، ووقفت عند تفاصيل كثيرة مما ورد في البيان الصادر عن الخزانة الأميركية يوم الخميس الفائت.

إبن بلدة جويّا وأموال الشيعة
واحد من المدراء المطلعين على تفاصيل عمل المصرف عن كثب، رفض الكشف عن اسمه، قال لـ"المدن": "خلال عملي بالمصرف لم أرَ أي أمر يوضع في إطار عدم الامتثال لإجراءات مكافحة تبييض الأموال. التعاطي مع سائر العملاء لم يكن إلا تجاري – مصرفي. كنا نأخذ أقصى درجات الحذر لنتأكد من أن العملاء لا تشوبهم أي تهم اتجار بالمخدرات أو الأسلحة. هم مواطنون صالحون وغير إرهابيين. كنا نحرص ألا يكون أحد منهم متهما بالتهرب الضريبي من وزارة المالية أو الخزينة الأميركية أو أي جهة رقابية أخرى. هذا ما كان مطلوباً منا في حينه، وأكثر من ذلك لا يمكننا فعل شيء، لست مخولاً القول إن كانت العقوبات الأميركية بمكانها أم لا.. فأنا شخصياً ومن موقعي السابق، استغربت العقوبات كثيراً".

المصدر نفسه يستطرد، بالقول: "ربما الحيز الجغرافي الذي يشغله جمال ترست بنك، (بنت جبيل، النبطية، الغازية، صور، البص، اللبوة، الفرزل...) معروف بكثافة سكانه الشيعة، وهذا طبيعي لأن المرحوم علي الجمال مؤسس المصرف من الجنوب، من جويا ذي الكثافة الشيعية، فإمكانية استقبال زبائن مقربين من حزب الله سياسياً أو من المتعاطفين معه أمر وارد جداً، لكن إن سألتني هل كان هناك تعامل مباشر بين المصرف وحزب الله فالجواب طبعا: كلا. كانت إدارة المصرف ملتزمة جداً بإجراءات الحيطة والحذر الصادرة من مصرف لبنان والجهات الرقابية الأميركية، ولم يكن ممكنا معرفة ميول العملاء السياسي، ولا نعلم إن كان ذلك مطلوباً أم لا"!

ربما البحث في تفاصيل القرار الأميركي وتوقيته، قد يقود إلى أن المستهدف الرئيسي من القرار كان بيئة "حزب الله" نفسها. إذ يبدو ذلك جلياً مما أخبرنا إياه مصرفي آخر في جمال ترست بنك، ويقول أن "وجود جمال ترست بنك في الجغرافيا النائية والفقيرة جعلته مميزاً بمجال الـ microfinance، هو يملك منذ عقود سجلات واثباتات، تشير إلى أنه يموّل فعلا مشاريع زراعية وتجارية متواضعة جداً، قروضاً لشراء بقرة أو تمويل مزرعة دجاج أو زراعة حقل خضروات أو صناعة مخللات ومربيات.. حتى مؤخراً كانت القروض متواضعة وتقف عند حدود شراء براد أو غسالة أو تلفزيون. هذه القروض يستفيد منها سكان جغرافيا محددة، هم مواطنون من الطائفة الشيعية في مناطق بنت جبيل، مرجعيون، النبطية، قانا، صور، البص، الغازية، صيدا، الفرزل، اللبوة، بعلبك، ويُحمر. بعض هذه المناطق خالٍ غالبا من المصارف، أو فيها مصارف تطلب شروطاً وضمانات قاسية للإقراض. إذن، المستهدف من انهيار جمال ترست بنك، هو البيئة الحاضنة للحزب، خصوصاً أن شخصية مالك المصرف أنور علي الجمال المنفتحة، لا تشبه حزب الله بشيء! هذه القاعدة الشعبية، شئنا أم أبينا، كانت تشعر بالراحة في التعاطي مع المصرف. كثيرون من شيعة أفريقيا كانوا يرتاحون لمعاملة المصرف ولو كان ذلك بأكلاف مرتفعة. يشعرون أن المصرف جزء من ثقافتهم وبيئتهم، وهو فعلا يتكلم لغتهم. أضف إلى ذلك أن معاقبة جمال ترست بنك سترسل حتما إشارة صارمة للمصارف الأخرى المشابهة (فينيسيا، الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، اللبناني السويسري) لتوخي المزيد من الحذر، من خلال مراجعة الحسابات جيداً ومجدداً، بغية إعادة النظر بأي حساب ليس مشبوها وحسب، وانما مشكوك أنه ربما قد يشكل خطراً ما في المستقبل"!

"مؤسسة الشهيد" و"القرض الحسن" 
وربطاً بما سبق ذكره، من الصعب القول أن الخزانة الاميركية تحاملت على المصرف، والمرجح أنها تملك معلومات تورطه. ولهذا أقدمت على هكذا اتهام. وثمة جهة عليها أن تتحمل مسؤولية ما حصل. يرد المصدر السابق في هذا الصدد: "الموضوع يشبه حوادث السير، ولا مرة كان الحق على أحد مئة في المئة. إمكانية وقوع الخطأ واردة، لكن ثمة فرق بين ارتكابه عمداً أو حصوله عن غير قصد. أُدرجت في السابق أسماء على لائحة أوفاك الأميركية، وحينما وجدنا هذه الأسماء من بين عملائنا بلّغنا هيئة التحقيق الخاصة بمصرف لبنان فجمدت حساباتهم. بحالات أخرى أُقفلت الحسابات تنفيذاً لتعليمات المصرف المركزي (أحيانا يطلب تجميدها وأحيانا اقفالها) قد تكون مسؤولية البنك في ذلك، مجرد هفوة أو ثغرة بالإجراءات، وليس التغاضي عن تجاوزات نافرة ومتعمدة".

مدير سابق في "جمال ترست بنك" يعود بالذاكرة ويقول: "في السابق، قبل تصنيفها منظمة إرهابية، كان مؤسسة الشهيد وكذلك مؤسسة القرض الحسن العائدتان إلى حزب الله تملكان حسابات في جمال ترست بنك، وقد تعامل معها المصرف من خلال اصداره اشعارات دفع أو شيكات تصرف لعوائل الشهداء، لكن يوم أصدرت الخزانة الأميركية قراراً يقضي بإخضاعها للعقوبات، قامت إدارة جمال ترست بنك بحجب الحسابات العائدة لها، تنفيذا للتعليمات. لكن المواطن اللبناني المستفيد من المؤسستين أو الذي يعمل بواحدة منهما بصفة موظف، ربما بقي عميلا للمصرف بصفته الشخصية".

وأضاف: "خلال فترة وجودي بالمصرف لم يكن هناك حسابات لمؤسسة الشهيد أو القرض الحسن، كما ذكر تقرير الخزانة الأميركية، لكن لا أستبعد أن يكون ثمة أفراد منهما زبائن بالمصرف!"، ولدى سؤاله عن كيفية افتراض الخزانة الأميركية وجود حسابات للمؤسسات المشبوهة أو لموظفين لها في المصرف، قال: "يستحسن توجيه هذا سؤال إلى الخزانة الأميركية نفسها، فالمصرف نفذ تعليمات هيئة الرقابة الخاصة اللبنانية والخزانة الاميركية في حينه، لكن السؤال: إن وضعت الخزانة مؤسسة الشهيد على لائحة العقوبات، هل يعني ذلك أنني كمصرف لبناني مطالب بأن أوقف التعامل مع موظفيها والمقربين منها أيضا؟ هنا تحديدا يكمن الخلل، بهذه المنطقة الرمادية تستنسب الخزانة الأميركية قراراتها. ولهذا تضطر المصارف أن تذهب في الإجراءات إلى أقصى الحدود، فتجمد حسابات الممولين والموظفين والأقرباء، ما يعني أن التطبيق بات مطاطياً جداً". أما عن سبب ذكر النائب أمين شري في بيان اتهام الخزانة الاميركية، فكشف أن "شري كان عميلاً سابقاً في المصرف قبل قرار استهداف نواب حزب الله بمدة طويلة، وقد أُغلق حسابه وحساب واحد من أقاربه بطلب من إدارة المركزية للمصرف".

أنور الجمّال وعلاقاته 
وعن امكانية "جمال ترست بنك" الدفاع عن نفسه بوجه هذه التهم، قال مصرفي آخر: "في النظام القضائي الاميركي أنت بريء حتى تثبت إدانتك. طبعاً يحق للمصرف الدفاع عن نفسه في المحاكم الأميركية، لكن التجربة تخبرنا أن أغلب المصارف التي سقطت بشباك العقوبات، قد سقطت بتهم قبل بلوغ مرحلة الإدانات الدامغة. يكفي أن تتهم الخزانة الاميركية مصرفاً بعدم التزامه بإجراءات مكافحة تبييض الأموال حتى يفقد سمعته كلياً، فيتهافت المودعون إلى فروع المصرف لسحب الأموال. أي مصرف يمر بأزمة كهذه سيكون عاجزاً عن إعادة الودائع كلها لأنها في السوق، وهذا ما سيحصل مع جمال ترست بنك الذي قاطعته المصارف الأجنبية المراسلة في اليوم التالي، فيما الشركة المولجة بإصدار بطاقاته الائتمانية البلاستيكية (CSC) أبلغته أيضاً بوقف تعاملها معه فوراً، لأنها تتخوف من أن تشملها العقوبات".

مصدر مصرفي مقرب من "جمال ترست بنك" فضل عدم الكشف عن اسمه لحساسية الموقف، يرفض تشبيه أزمته بأزمة بنك "اللبناني الكندي". بنظره المتهم هناك لا يشبه أنور الجمّال أبداً، "أنور شخص منفتح وهادئ، ساهم بتوسيع المصرف خارج القرى الشيعية وكان على تواصل مع الجهات الرقابية في لبنان وأميركا وأوروبا. كان على علاقة جيدة مع كل الأطراف السياسية في لبنان. سابقا كان يمكن القول بسهولة أن والده علي الجمال مقرب من الرئيس بري وحركة أمل، والطائفة الشيعية ككل بحكم نشأة المؤسسة في البيئة الشيعية إبان الحرب الأهلية، كان الفرز الطائفي محتوما. جمال ترست بنك يكاد أن يكون المصرف الشيعي الوحيد في حينه، إن صحّ القول. خصوصا في خضم هيمنة مسيحية وسنية على القطاع المصرفي. لم يكن لأنور الجمال أعداء في السياسة أبداً، ولا يسعني إلا القول أن الجمال مواطن لبناني بامتياز".

الحل اللبناني
الآن الجميع يسأل ما الحل، هل يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الخلف، ومن المخول برسم خارطة الطريق؟ يرد المصدر نفسه على هذه التساؤلات بالقول: "الأزمة سياسية بامتياز رغم تداعياتها المصرفية. لقد باتت مسألة سمعة تخص مصرفاً لبنانياً يصعب ترميمها. مصرف لبنان هو المعني الوحيد بالحل، هو مطالب ببذل الجهود لإعادة الثقة إلى المواطنين. أتوقع أن يقوم بإيجاد حل سريع يرمم سمعة المصارف اللبنانية وليس سمعة جمال ترست بنك فحسب. لأن سمعة القطاع كله على المحك". أما عن تفاصيل الحل، فيشرح المصدر سيناريو بيع مُفترض (يسبقه تنظيف من خلال تعيين شخصية مصرفية مستقلة تتولى المهمة بتفويض من مصرف لبنان) يُتوقع أن يدرس المصرف المركزي ملفات المصارف المرشحة لشرائه، ولا يستبعد أن يحصل ذلك بتمويل من مصرف لبنان نفسه حتى يسهّل الاجراءات على الشاري".

من جملة المواضيع التي تُؤخذ بالاعتبار، حسبما يشير المصدر، خارطة انتشار فروع الشاري، "إن كانت متطابقة لتوزيع فروع جمال ترست بنك، فامكانية اغلاق فروع الأخير وصرف موظفيه واردة جدا، وسنكون بالتالي أمام كارثة صرف تعسفي بكلفة اجتماعية باهظة، أما إن كان مصرف لبنان مهتم بسياسة الشمول المالي، فقد يشجع مصرفا يفتقر للفروع الكثيرة أو يملك فروعا لا تتطابق جغرافيا مع فروع جمال ترست بنك، فيشجعه على الشراء ليرفع من حجم انتشار فروعه ويبقي على موظفيه السابقين". لكن هنا يظهر سؤال: من هي الجهة التي سيكون متحمسة لشراء مصرف زبائنه "مشبوهين" وأغلب فروعه ضمن البيئة الحاضنة لحزب الله؟ الجواب عند مصرف لبنان والجهة المتحمسة للشراء.. إن وُجدت!


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها