آخر تحديث:00:02(بيروت)
الخميس 05/09/2019
share

انخفاض احتياطي العملة الأجنبية: رفع الفوائد لا يكفي

خضر حسان | الخميس 05/09/2019
شارك المقال :
انخفاض احتياطي العملة الأجنبية: رفع الفوائد لا يكفي احتياطات لبنان كافية لتغطية احتياجاته من الاقتراض على مدى 12 شهراً (ريشار سمور)
يحرص حاكم مصرف لبنان رياض سلامة على تطمين اللبنانيين والأجانب لوجود احتياطي كاف من العملات الأجنبية في خزانة مصرف لبنان. فالاحتياطي عادة يعني أن لا خوف على الاقتصاد والمالية، مهما بلغت مؤشرات الأزمة. لكن ما يثير التساؤلات، هو انخفاض معدل الاحتياطي بالتوازي مع المعطيات الاقتصادية السلبية التي تعاني منها البلاد، وآخرها خفض التصنيف الائتماني، ومسارعة القوى السياسية إلى بلورة ورقة اقتصادية إنقاذية تحاول دفع العجلة الإقتصادية، بالتوازي مع محاولة تنفيذ الإصلاحات المنصوص عليها في موازنة العام 2019.

تقديرات ستاندرد أند بورز
سجّلت نهاية شهر آب ارتفاعاً في احتياطي مصرف لبنان لبنان من العملات الأجنبية (من دون الذهب) بنحو مليار و400 مليون دولار، ليبلغ الاحتياطي 38 مليار و660 مليون دولار. ويعود الارتفاع الى تدفق الودائع مباشرة إلى مصرف لبنان، بحسب سلامة، الذي أشار الى أن ارتفاع الاحتياطي "يعكس ثقة المودعين ويعزز الثقة بالليرة اللبنانية، ويساهم بخفض العجز في ميزان المدفوعات".

الإيجابيات التي تضمّنها ارتفاع الاحتياطي، سرعان ما بدأت تهتز، فقد ذكرت وكالة التصنيف العالمية ستاندرد اند بورز يوم الأربعاء 4 أيلول، أن "هناك تقديرات بانخفاض احتياطات لبنان القابلة للاستخدام إلى 19.2 مليار دولار بحلول نهاية عام 2019، من 25.5 مليار دولار بنهاية 2018". على أن احتياطات لبنان "كافية لتغطية احتياجاته من الاقتراض على مدى 12 شهراً".

انخفاض طبيعي
يقلل الخبير الاقتصادي غازي وزني، خلال حديث لـ"المدن"، من أهمية تقديرات الوكالة على المستوى المباشر، فإلى جانب ارتفاع الاحتياطي في نهاية شهر آب، أدخل مصرف لبنان ما يقارب مليار و400 مليون دولار إلى خزانته عبر تدفقات مالية بالعملة الأجنبية من مصادر خارجية. ويعتبر وزني أن ما تسجّله الوكالة من انخفاض، هو عبارة عن سداد لبنان لبعض المستحقات المالية، وهو مؤشر إيجابي وليس سلبياً. فقد دفع المصرف المركزي استحقاقات سندات اليوروبوند بما يقارب مليارين و650 مليون دولار. وهناك استحقاق بنحو مليار دولار عند نهاية العام الحالي، فضلاً عن دفع نحو 2 مليار دولار لخدمة الدين العام ونحو 800 مليون دولار لعجز الكهرباء. وعليه، رقمياً، يسجل الاحتياطي انخفاضاً، لكن الانخفاض لم يذهب في الهواء، وإنما ذهب لسداد الاستحقاقات.

ويستند وزني أيضاً إلى المؤشرات الإيجابية التي أطلقتها الوكالة نفسها، إذ أكدت أنه برغم ضعف تدفقات العملة الأجنبية، من المتوقع أن تحقق حكومة لبنان بعض التقدم بشأن الإصلاحات في الأجل القصير لتحسين ثقة المستثمرين. وتوقعت الوكالة أن يبقى النمو في لبنان ضعيفاً، على أن يتحسن تدريجياً ليقارب معدل 2.2 بالمئة في العام 2022. كما أكدت الوكالة قدرة لبنان على سداد استحقاقاته في العامين المقبلين على الأقل، وهو ما عزز إبقاء الوكالة لتصنيف لبنان عند معدل B- ولم تخفّضه كما فعلت وكالتا فيتش وموديز.

محاولة للتغيير
أخذت وكالة ستاندر أند بورز على عاتقها تصديق جهود الطبقة السياسية الرامية لإجراء إصلاحات جدية، فأبقت على تصنيفها للبنان ولم تخفّضه. لكن يبدو أن سعي السلطة لم يكن مقنعاً للوكالة، كما أن "تسارع وتيرة السحب من الاحتياطي واستمرار انخفاض تدفقات ودائع العملاء، استدعى الإنتباه إلى وجود خطر على "قدرة البلاد على الحفاظ على ربط العملة بالدولار"، والانتباه المستجد يعني سحب وكالة التصنيف يدها من إعطاء لبنان فرصة للخروج من أزمته وتغيير معدلات تصنيفه بعد نحو 6 أشهر، فالفرصة الوحيدة كانت إبقاء التصنيف على ما كان عليه، وبالتالي الإبقاء على بصيص أمل قد يتلاشى خلال الأشهر المقبلة.

وعليه، فإن الأشهر الست المقبلة هي مرحلة مفصلية بالنسبة للاقتصاد ومالية الدولة. ولأنها كذلك، يعمل مصرف لبنان بحسب مصادر داخله، على "حث المصارف التجارية على استقطاب العملات الأجنبية وإيداعها في المصرف المركزي لمدة لا تقل عن 3 سنوات، لقاء فوائد مرتفعة. وهو ما يعزز الاحتياطي الأجنبي". كما تشير المصادر إلى "إمكانية تعزيز احتياطي المركزي عن طريق استثمار سعودي بقيمة مليار دولار وآخر إماراتي بمبلغ مماثل. لكن من غير المعروف إذا ما سيكون الاستثمار وديعة مصرفية أم شراء لسندات يوروبوند. لكن في الحالتين فإن الاستثمار يحسّن وضعية المصرف المركزي".

عدم ثقة
قد تكون محاولات التغيير لانتشال الاقتصاد ومالية الدولة من أزمتهما، مدخلاً إلى الإصلاح. لكن ذلك يصح فيما لو كانت المحاولات صحيحة وبطرق علمية. وفي الواقع، ما تفعله السلطة السياسية هو البحث عن توليفة تشي بالإصلاح وتحافظ على المكتسبات. وهما هدفان لا يجتمعان في الظروف الراهنة، مهما كثرت التصريحات السياسية. فالعقود الثلاثة التي مضت على تشعّب الأزمة السياسية والاقتصادية، لن تُحل كما يتصور رئيس الجمهورية ميشال عون، الذي يعتقد أن لبنان سيخرج من الأزمة الاقتصادية الراهنة بعد اعتماد إجراءات "الحد من التضخم الوظيفي ومن المساعدات غير المنتجة وسلفات الخزينة غير المبررة وغيرها". كما لن يساعد العمل القائم "لخفض العجز في فاتورة الطاقة، وبدء التنقيب عن النفط والغاز في أواخر السنة الجارية"، لأن أرضية تحقيق هذه الأمور غير متوفرة، لا سياسياً ولا اقتصادياً. إذ أن عون يقر بعجز الاعتماد على سياسة الاقتصاد الريعي. لكن هل هناك إمكانية سريعة لنقل الاقتصاد من ريعي إلى انتاجي؟.

ليس من السهل الحديث عن تحويل طبيعة الاقتصاد خلال 6 أشهر. وفي الحالة اللبنانية، ليس الأمر منظوراً خلال 10 سنوات. وهذا ما تلحظه وكالات التصنيف والمجتمع الدولي، اللذان يعبّران عن عدم الثقة تجاه الإجراءات التي تتخذها السلطة السياسية تحت مسمى الإصلاح.

ومع ذلك، لم يتجه المجتمع الدولي إلى التخلي عن لبنان، وتحديداً عبر التراجع عن دفع الأموال المتفق عليها في مؤتمر سيدر، إذ أكد المبعوث الفرنسي المكلف متابعة تنفيذ مقررات مؤتمر "سيدر" بيار دوكان، التزام المجتمع الدولي بسيدر، لكن هناك قرارات "يجب أن تؤخذ بسرعة لإقناع المجتمع الدولي واللبنانيين". أي ان الثقة على المحك بانتظار ما ستعتمده الحكومة، بدءاً من إقرار موازنة العام 2020.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها