آخر تحديث:00:19(بيروت)
الإثنين 30/09/2019
share

آلية مصرف لبنان.. الجدوى والمحظور

عصام الجردي | الإثنين 30/09/2019
شارك المقال :
آلية مصرف لبنان.. الجدوى والمحظور النظام السياسي المفلس ما زال يراوغ وينافق (ريشار سمور)

ستُحل قضية توفير التمويل بالدولار الأميركي والعملات الأجنبية لشركات استيراد المحروقات والقمح والأدوية، بالآلية التي سيعلنها مصرف لبنان. وعلينا أن نتوقع أزمات مماثلة ليست بعيدة. اللحوم والسكر والبن وغيرها من السلع الغذائية والاستهلاكية التي يستورد لبنان نحو 70 في المئة حاجاته منها بالعملات الأجنبية.

لكن الأزمة الكبرى لا تبدو حلولها ممكنة بصرف الاعتمادات. بل بصرف النظام نفسه غير للقابل للصرف. صرفه أصعب من العملات الصعبة. التظاهرات الشعبية الأهلية في بيروت والمناطق التي شهدنا أمس، هي بداية على الأرجح. النظام السياسي المفلس الذي ما زال يراوغ وينافق ويعضّ على امتيازاته بالنواجذ، يقول لنا أنا الوطن. الناس الذين نزلوا إلى الشوارع أمس قالوا لا. لم يبق من الوطن مكارم لبنيه. إستبيح كل شيء فيه. الإنسان والماء والهواء والحيوات الثلاث. كان لافتاً الخليط البشري الذي نزل إلى الشوارع بصرف النظر عن عديده. من نخب ثقافية وطلبة إلى عاطلين من العمل، ومعدومي الحال، وأصحاب الحاجات الخاصة أو ذويهم. التوزع الجغرافي والمناطقي. نخال أن زعماء الطوائف والمسؤولين في الحكم والحكومة، راحوا يحملقون في شاشات التلفزة، وهم يسمعون الشتائم تنهال عليهم. فتوجسوا من الآتي. لأن مصالحهم تحول دون إصلاح النظام. بينما بات النظام نقيض الدولة والوطن والشعب. مرةً جديدة تلجأ السلطة إلى مصرف لبنان الذي أذعن للنظام السياسي.

"الملاذ شاغر"!
إذا كانت السلطة تستخدم مصرف لبنان ملاذاً. هل يجوز إهمال تعيين نواب حاكم مصرف لبنان ليكتمل هيكله الإداري والتنظيمي والقانوني؟ قامت القيامة ولم تقعد بعد على قرار وزارة الخزانة الأميركية إدراج جمّال ترست بنك في لائحة العقوبات. فكان على حاكم مصرف لبنان رياض سلامة لمواجهة الوضع وحقوق المودعين والموظفين، أن ينفرد بقرار قبول تصفية المصرف ذاتياً. والمهمة أساساً للمجلس المركزي في المصرف الفاقد النصاب منذ 31 آذار 2019. للعلم فقط، حاكم مصرف لبنان لم يتوقف عن إصدار التعاميم إلى المصارف في ظل شغور المجلس المركزي بداعي "استمرارية المرفق العام". هل من يقنع "فتى العهد الأغرّ" بالكفّ عن تعطيل ملء الشغور في المجلس؟ وها هو الآن لحِق بصفته وزيراً للخارجية، باللبنانيين إلى كندا يبشّرهم "أن هناك فتنة جديدة تحضر هي فتنة الاقتصاد". "وأن شركاء في الداخل يتآمرون على البلد واقتصاده". "المتآمرون" هم معارضو سياساته في الحكومة ومجلس النواب. هل هذه هي قوة لبنان؟ وهل تستقيم دعوات الوزير للمغتربين اللبنانيين للاستثمار في بلد يتآمر مسؤولوه عليه وعلى اقتصاده؟ في دول متحضرة، يُقال وزير كهذا من الحكومة أو يُطرد.

الشركات وما أرادت
فهمنا أن آلية مصرف لبنان لتمويل اعتمادات شركات استيراد المحروقات السائلة، والقمح والأدوية، تقوم على توفير الدولار الأميركي والعملات الأجنبية، لاستمرار بيع تلك السلع من المستهلك بالليرة للبنانية. الشركات ظهرها إلى الحائط انفردت بالدولة الهشّة. إذ لا يجوز في منطق الأمور أن تستورد سلعاً بالعملات الأجنبية، ومرغمة على بيعها بالليرة اللبنانية وبتسعيرة من الدولة. هذه هي الحال. الشركات راكمت أرباحاً طائلة عقوداً من الزمن. وقطاعاتها تشكو ضيق المنافسة على نحو أقرب من الاحتكار. ويفترض أن تملك حسابات كبيرة جداً من العملات الأجنبية في لبنان والخارج. ضاق ذرعها في خلال أسبوعين مع شحّ العملات الأجنبية في السوق. لا تريد توفير فترة سماح للوطن المعذّب والمواطن. يدها طائلة في النظام الزبائني الأوليغارشي. وتجارتها  استراتيجية على علاقة مباشرة بالأمن الاجتماعي والوطني. سيؤمن مصرف لبنان بموجب الآلية العملات للاستيراد. شركات القطاعات الثلاثة ستسلم محطات توزيع المحروقات بالليرة اللبنانية وتبيع الأخيرة بالعملة نفسها. هكذا يفترض بشركات استيراد القمح. تسلمه إلى المطاحن بالليرة. والأخيرة تسلم الدقيق إلى الأفران بالعملة نفسها. وتبيع الأفران الرغيف بالتسعيرة الرسمية لوزارة الاقتصاد والتجارة. الآلية ذاتها تنطبق على شركات استيراد الأدوية جملة وتجزئة بينها وبين الصيدليات والمستهلك. وبتسعيرة وزارة الصحة. إشارة إلى أن عدداً كبيراً من شركات استيراد المحروقات له ملكية مباشرة أو ادارة استثمار في محطات توزيع المحروقات. وعدد من أصحاب المطاحن يملك شركات لاستيراد القمح. بينما تسيطر مجموعة من المستوردين على سوق الأدوية بشكل جائر. وتحتكر عدداً كبيراً جداً من استيراد الأدوية المهمة من دون منازع. ويمتلك بعضها أو مقربون منها صيدليات.

حلولٌ أم نزفٌ للمركزي
بعيداً من شروط الآلية الأخرى التي ستتم بالتنسيق مع المصارف، كأن تودع الشركات المستوردة مصرف لبنان بمساعدة المصارف بيانات مالية توضح حجم الاستيراد السنوي، وطاقتها التخزينية، واستهلاك السوق المحلية من السلع الثلاث، لتقدير حجم التمويل الذي بات على مصرف لبنان توفيره مثل فوائد الدين العام. لا بدّ من التوقف أمام بعض الوقائع.

أولًا: بعد اعتماد آلية مصرف لبنان ليس كما قبلها. فقد بات أي خلل في الآلية يعني خروج الدولار الأميركي والعملات من الجهاز المصرفي اللبناني وموجودات مصرف لبنان القابلة للتصرف والحرّة والمنهكة. بالإضافة إلى ضبط السوق المحلية، مصرف لبنان سيمول من عملات أجنبية اشتراها بفوائد باهظة بالهندسات المالية. الأمر لم يعد مجرد مسألة بسيطة. دول النظام الاقتصادي الحرّ التي تمول فاتورة الاستيراد من مصارفها المركزية، إنما تعبّر عن عمق الأزمة. يحصل ذلك في الدول التي تفرض قيودا مالية ونقدية.

ثانياً: في المحروقات، ضرورة مراجعة بيانات الشركات معدّلة موسمياً. في التأكيد فصل الصيف، وخصوصاً أيلول لا يوفران تقديرات واقعية يمكن اعتمادها قاعدة على مدار السنة. إستهلاك البنزين يرتفع في الصيف. بعامل التوقيت النهاري وحركة النقل بين بيروت والجبال والمحافظات والحركة السياحية. في الشتاء يرتفع استهلاك المازوت ويتراجع البنزين. ولكل من المادتين سعرها وتمويلها.

ثالثاً: تهريب الدولار في ضوء الأزمة لم يعد وقفاً على التهريب المادي، بل وعلى المنتجات المقومة بالدولار الأميركي التي يوفر مصرف لبنان تمويلها. ألوف السيارات والشاحنات تعبر يومياً من لبنان إلى سوريا وبالعكس. ويمكن أن تملأ خزاناتها بالوقود لاسيما من منطقة البقاع. وتتاجر بها في سوريا وتعود إلى ملئها بعد العودة. شاحنات الترانزيت لديها طاقة تخزين كبيرة جداً من الوقود. لو سلكت الأسلوب نفسه لأحدثت فرقاً كبيراً في استهلاك الوقود لاسيما مادة المازوت لزوم محركاتها التي يزداد الطلب عليها في فصل الشتاء. الشاحنات وسيارات الأجرة والخاصة السورية يمكنها اعتماد لبنان لتأمين الوقود وبما يفيض عن حاجتها الفعلية. مراقبة مقطوعية محطات توزيع الوقود مسألة بالغة الأهمية. البيانات موجودة لدى شركات الاستيراد ويمكن العودة إليها سنتين إلى الوراء. وموجودة لدى المصارف وهي أدقّ طالما أن شركات الاستيراد تملك محطات وتستثمرها لحسابها. رقابة الكيل ونسبة الأوكتان باتا يحدثان فرقاً. المستهلك كان عرضة للتجاوزات من زمان في هذين الشأنين.

رابعاً: ما ينطبق على المحروقات السائلة ينطبق على الرغيف. معروف أن كل السائقين العموميين على خط بيروت دمشق ينقلون الرغيف اللبناني. يسهل لهم العبور براحة على الجمارك السورية. وتسهل لهم بيعه لتجار سوريين في الداخل. المجال مفتوح للسيارات الخاصة وغيرها لسلوك الأسلوب نفسه. ومع وجود النازحين، وحركة العبور الدائمة عبر الحدود، لنا أن نتوقع استهلاكاً كبيراً من القمح. الأمر نفسه في الأدوية الأسهل نقلًا والأغلى ثمناً. لاسيما أدوية الأمراض المستعصية. وقد تراجع إنتاج سوريا من الأدوية خلال الحرب.

لذلك، تحتاج آلية التمويل للحد من انتهاكها وتداعياتها المحتملة على موجودات مصرف لبنان، إلى آلية تنسيق من وزارات الطاقة والاقتصاد والصحة. وفي المقام الأول من الجمارك اللبنانية. إستمرار معابر التهريب المدعومة سياسيا، مع سوق الدولار الأميركي السوداء في سوريا، عواقبه وخيمة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها