آخر تحديث:00:01(بيروت)
الجمعة 09/08/2019
share

لبنان الخيار.. لا واشنطن ولا طهران

عصام الجردي | الجمعة 09/08/2019
شارك المقال :
لبنان الخيار.. لا واشنطن ولا طهران يأتي الموقف الأميركي في لحظة مالية ونقدية واقتصادية شديدة الحرج للبنان (دالاتي ونهرا)

ضد تدخل الولايات المتحدة وغيرها من الدول في شؤون لبنان السيادية. في صرف النظر عن مفاعيل البيان الذي أصدرته السفارة الأميركية في بيروت، المتعلق بحادث قبر شمون ومساره السياسي. لكنه إشارة لها أكثر من معنى. أولًا، أن واشنطن دخلت مباشرة على خط الصراع السياسي الداخلي في لبنان، بعد أن بدا منذ 2011 واندلاع الثورة في سوريا والتطورات الجيوسياسية في المنطقة، أن لبنان متروك على رصيف الأزمة الإقليمية في انتظار انقشاع مسارها. ثانياً، رسالة إلى "حزب الله" وطهران مفادها أن واشنطن معنية بعدم الإخلال بالتوازن في التركيبة السياسية والطائفية اللبنانية، جرّاء نفوذ الحزب في لبنان وقوته العسكرية، واستخدام ذينك النفوذ والقوة لمصلحة طهران في الصراع الأساسي بينها وبين واشنطن في المنطقة. ثالثاً واستطرادًا، رسالة إلى الحكم في لبنان كي يمارس مسؤولياته السيادية على هذا الصعيد.

اللحظة المالية الحرجة
بيد أن الموقف الأميركي الذي يأتي في لحظة مالية ونقدية واقتصادية شديدة الحرج للبنان، ستكون له تبعات تزيد الوضع سوءًا على الصعد المشار إليها، لو لجأت واشنطن إلى استخدام أسلحتها في المجالات المذكورة. وهي متاحة، جرّبتها في إيران وراضية عن نتائجها. وتؤكد واشنطن إنها ستمضي في عقوباتها على "حزب الله". لكن السؤال بعد بيان السفارة، إلى أي حد ستصعّد واشنطن عقوباتها على الحزب؟ وهل تتوسع كمًا ونوعا في بيئة الحزب السياسية إلى مرحلة الضرر الكبير بالأوضاع المالية والنقدية والاقتصادية في لبنان؟ القطاع الخاص الأوروبي وفّر على دوله عناء الإمتثال. وقال لن يتعامل مع طهران في ظل العقوبات. ولا سلطة للمفوضية الأوروبية عليه، ولا للحكومات الأوروبية.

لكن الأمر ليس كذلك في شأن ما ينتظره لبنان ويعمل عليه للحصول على تعهدات مؤتمر سيدر، وعلى قروض ميسّرة من المؤسسات الدولية. فالقرارات هنا تصنعها الحكومات الأوروبية وليس القطاع الخاص الأوروبي والمؤسسات الدولية، كالمصرف الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومؤسسة التمويل الدولية، والمصرف الأوروبي للإستثمار، والصناديق العربية، وكلها خاضعة لقرارات حكومية. إمّا مباشرة، وإمّا من هيئاتها التنفيذية ومجالس إداراتها من خلال سيطرتها على الحصص الأكبر في رساميل المؤسسات المستقلة نظريًا عن الحكومات. وكذلك على رأس الهرم الإداري فيها، وعلى حصص التصويت المرجحّة بالأسهم. وبالتالي، فمساحة العبث المتاحة للسيد دونالد ترمب واسعة، لو قرّر الضغط على دول مؤتمر سيدر والوكالات المشاركة التي ناهز عددها نحو 42. من هنا أهمية أن يبادر لبنان فورًا إلى تفعيل العمل الحكومي، ودعوة مجلس الوزراء إلى الإنعقاد بلا استئخار. وترك القضاء يتابع ملف قبر شمون بلا ضغينة وخلفيات وفروض سياسية. وأن يشرَع في مناقشة مشروع موازنة 2020، الذي يقول وزير المال علي حسن خليل إنه بات جاهزًا لعرضه في آب الجاري. وليس ترمب من يعاقب لبنان و"حزب الله" في هذا الميدان. بل الحكم في لبنان يفعل والسلطة السياسية. خصوصًا، وإن فروض الدروس المفيدة للحصول على تعهدات سيدر لم ننجزها بعد. ولا نملك من المعلومات يقينها، بأن فريق سيدر الدولي مقتنع بعد إقرار موازنة 2019، في أننا وفّينا ببعض الشروط التي تجعله على استعداد للمباشرة في الوفاء بتعهداته، وجدولتها تبعًا لمشاريع البنية التحتية المعدّة للتنفيذ.

المخرج أمامنا
نعيد تكرارًا إننا لسنا في حاجة إلى سيدر من أساسها. لأننا نملك مقومات النهوض من الوضع المالي لنعيد النمو إلى الاقتصاد ونجتنب الهاوية. ما يعوزنا فقط أن نستشعر هول أزمتنا ونتائجها أولًا. ونشعر أننا في دولة دستور وقانون ومؤسسات يحكمها شرفاء شفّافون ذوو ضمائر ومشاعر وطنية وإنسانية. ونبدأ في موازنة 2020 بجباية أموال الخزانة الكبيرة من مَواطنها الحقيقية. الضرائب، والحيازات العامة الخاضعة للبلطجة بحرًا وبرًا وجوًا. وتنفيذ قرار وقف التهريب عبر الحدود مع سوريا، وفضح القائمين به وإحالتهم إلى القضاء. وأن نوقف نزف الموارد البشرية التي باتت نسيًا منسيّة. وهي ثمار سنوات من العلم والتحصيل المعرفي ونفقات الأهلين والأسر من اللحم الحيّ. وأن نضع حدّا لنزف العملات الأجنبية وعجز ميزان المدفوعات. سواءٌ من تسرُب مليارات من العمالة الأجنبية، أم من عقم صادراتنا. أم من خلال مليارات أخرى بعدما أوصدنا أبواب التدفقات الخارجية كما كانت عليه، وبتنا بلدًا مصدرِّا للسياحة بدلًا من بلد يستقطب السائحين. والفيصل كم ينفق السائحون وليس عديدهم. لقد أوصدنا الأبواب في وجه الاستثمارات الأجنبية والمحلية في بيئة مناوئة للنمو، ومحابية للفوائد الطاردة للإستثمارات. الفخّ الذي نحن فيه الآن ليس منه خلاص بهذه السياسات. إمّا شراء سلامتنا بالفوائد للحفاظ على سعر الصرف. وهذه مهمة باتت في ظروفنا في حجم وطن. وإمّا توفير شروط الإستثمار لتحقيق النمو وفرص العمل. والشروط لا تتوفّر في بيئة من العجز المالي والفوائد المرتفعة. علمًا أن النقد والاقتصاد أمران مترابطان في الأساس. فالنقد يكتسب قوته من الاقتصاد. وتنقيد الاقتصاد بالريوع والفوائد يفرغ الإثنين معًا من القيمة المنضافة وشروط الرفاه والإستقرار الاجتماعي والسياسي.

السفارات كل السفارات
استلحقت وأنا في خاتمة المقالة مساء أمس، بيانًا لـ"حزب الله" يدين فيه بيان السفارة الأميركية في بيروت. وفيه، "إن حزب الله بمقدار ما يستنكر هذه السياسة الأميركية الوقحة في شأن يخص اللبنانيين وحدهم، يرى في هذا البيان إدانة صريحة لكل أدعياء الحرية والسيادة والاستقلال الذين صمتت أفواههم وانكسرت أقلامهم". يستدعي بيان الحزب لنقول ونسأله. أن موقف واشنطن أكثر من مسٍّ بالسيادة والتدخل في الشؤون السياسية المحلية. لكن نسأل، هل باتت "السيادة الناجزة الملعونة" بين خيار من إثنين. إمّا التحاق البلد الصغير الذي قاتل العدو الصهيوني في سبيل الحرية والتحرير والسيادة بطهران، وإمّا الإرتماء في أحضان الولايات المتحدة؟ هذا المنطق يستحضر ما قاله الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش، الذي يبُزّ ترمب عنصرية وكراهية، بعد أحداث أيلول 2001 والهجوم على نيويورك: "على العالم أن يختار بين الولايات المتحدة وبين أسامة بن لادن"! لبنان هو خيار الأصوات الحرّة والأقلام التي لا تنكسر بالتأكيد. وسيادة لبنان، ورفاه شعبه وحريته والعدالة الإجتماعية. زوّار السفارات على أنواعهم سياديين وفاسدين لا علاقة للأحرار بهم. ولا للمواطنين البسطاء الساعين إلى رزقهم علاقة. آن لهذا البلد السلام. ولشعبه العيش بكرامة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها