آخر تحديث:00:14(بيروت)
الثلاثاء 27/08/2019
share

مصرف لبنان يموّل الدَين العام: سد الجوع بالتهام النفس!

علي نور | الثلاثاء 27/08/2019
شارك المقال :
مصرف لبنان يموّل الدَين العام: سد الجوع بالتهام النفس! ليس واضحاً مدى قدرة مصرف لبنان على الاستمرار بهذا النمط من عمليات التمويل للدين العام (الأرشيف)

في تقريرها الأخير، تحدّثت وكالة ستاندر آند بورز للتصنيف الائتماني عن توسّع الحصّة المملوكة من مصرف لبنان من سندات الخزينة اللبنانيّة، في مقابل تراجع حصّة المصارف الخاصّة من هذه السندات. فالتقرير أشار إلى أنّ حصة مصرف لبنان من هذه السندات بلغت حتّى شهر حزيران الماضي حوالى 56 في المئة، بينما لم تبلغ هذه النسبة حسب أرقام وزارة الماليّة أكثر من 31.6 في المئة في نهاية سنة 2014. وبينما يتوسّع مصرف لبنان في تمويل الدين العام بشكل مباشر، يستعمل لهذه الغاية بالتحديد الأموال التي يتلقّاها من المصارف، بواسطة الهندسات الماليّة التي يجريها. وحسب المعطيات المتوفّرة، يبدو أنّ هذه التطوّرات ترتبط بشكل وثيق بالمعالجات التي يجريها مصرف لبنان في ظل الأزمة، وبأوضاع سندات اليوروبوند في الأسواق، كما ترتبط بامتناع المصارف عن الاكتتاب بشكل مباشر في هذه السندات لعوامل تتعلّق ببنية الفوائد في الأسواق.

سندات اليوروبوند: مصرف لبنان يمول السداد
في شهري نيسان وأيار الماضيين، استحق على الدولة اللبنانية ما يقارب 1.65 مليار دولار من سندات اليوروبوند (التي تصدر بالعملة الصعبة). وبدل أن تقوم وزارة الماليّة بتأمين هذا المبلغ عبر الاستدانة مجدداً من الأسواق، بشكل مباشر، عبر إصدار سندات يوروبوند جديدة، عمدت إلى الحصول على هذا التمويل عبر الاستدانة من مصرف لبنان. كل هذه التطورات كانت تساهم تدريجيّاً في رفع الحصّة المملوكة من مصرف لبنان من الدين السيادي، مع العلم أن إجمالي قيمة سندات اليوروبوند المملوكة من مصرف لبنان ارتفعت بفعل هذه العمليات إلى حدود 2.9 مليار دولار لغاية شهر حزيران الماضي.

في الواقع، يستمر كل من مصرف لبنان ووزارة الماليّة في اعتماد هذا النمط من العمليّات لتمويل سداد سندات اليوروبوند المستحقّة بالعملة الصعبة، منذ إشتداد عوارض الأزمة سنة 2018. ولعلّ السبب الأساسي يعود إلى التحولات التي جرت في أسعار سندات اليوروبوند خلال الفترة الماضية في الأسواق. فمع دخول لبنان تدريجيّاً في الأزمة الحاليّة، انخفضت بالتوازي أسعار سندات اليوروبوند في الأسواق، وارتفع بالتالي متوسّط العائد عليها من حدود 4.5 في المئة سنة 2013 إلى 10 في المئة حتّى نهاية السنة الماضية. وفي حال أرادت وزارة الماليّة إجراء أي إصدار جديد لسندات اليوروبوند، من المفترض أن تواكب هذه التحولات عبر رفع الفائدة بالقدر نفسه، لتأمين الطلب عليها في الأسواق. ولعلّ هذا بالضبط ما تحاول وزارة الماليّة تفاديه، عبر تأمين التمويل من الاستدانة من مصرف لبنان بدل إصدار سندات يوروبوند جديدة، خصوصاً أن رفع الفائدة إلى مستوى العائد الحالي في الأسواق سيشكّل عبئاً لا تستطيع الميزانيّة العامّة تحمّله في المستقبل.

وبمعزل عن ظروف الأسواق، ترتبط هذه التطورات أيضاً بعمليات وهندسات مصرف لبنان، التي يجريها منذ سنة 2016، في سياق التعاطي مع آثار الأزمة الماليّة. فالعوائد المرتفعة جدّاً لهذه الهندسات، والتي تهدف إلى امتصاص السيولة بالعملة الصعبة من الأسواق، لا تدع أي حافز للمصارف التجاريّة للاكتتاب في أي إصدار مقبل لسندات اليوروبوند، إلا إذا تم رفع الفوائد على هذه السندات بشكل موازي. وعملياً، لا يبدو من الواقعي أن تقوم الدولة برفع الفوائد بالقدر ذاته، خصوصاً أنّها ستكون قد التزمت بفوائد مرتفعة جدّاً لفترات طويلة، وهو ما سيرفع خدمة الدين بشكل كبير.

سندات الخزينة بالليرة: المصارف تمتنع
إذاً، في حالة سندات اليوروبوند بالعملة الصعبة، تفادت وزارة الماليّة القيام بأي إصدار جديد للاستدانة من الأسواق حتّى الآن. أمّا بالنسبة لسندات الخزينة بالليرة اللبنانيّة، فثمّة إصدارات جديدة تقوم بها وزارة الماليّة منذ نهاية السنة الماضية. لكنّ وزارة الماليّة لم تنجح منذ بداية هذه السنة إلا ببيع ما قيمته 9.4 ألف مليار ليرة لبنانيّة من هذه السندات، مقارنةً بـ16.3 مليار ليرة خلال الفترة نفسها من العام الماضي. والسبب ببساطة هو امتناع المصارف اللبنانيّة عن الاكتتاب الدوري في هذه السندات، بينما يقوم مصرف لبنان والمؤسسات العامّة الأخرى بالاكتتاب بجزء محدد منها، لإبقاء قدرة الدولة على سداد المستحقات السابقة وخدمة الدين.

أما سبب هذا الامتناع، وحسب تصريحات المسؤولين في هذه المصارف، فيعود تحديداً لعدم قناعة المصارف اللبنانيّة بالفوائد المعروضة على هذه السندات، خصوصاً بعد الارتفاع المعتبر في الفوائد على الودائع والتسليفات بالليرة اللبنانيّة، وفي مقابل العوائد المرتفعة التي توفّرها عمليات توظيف الأموال لدى مصرف لبنان. وهكذا يقوم مصرف لبنان مجدّداً باستقبال توظيفات المصارف بالليرة لديه وبفوائد مرتفعة، بينما يقوم من الناحية الأخرى بالاكتتاب بجزء من سندات الخزينة بفوائد أقل، وهو ما يرفع بدوره الحصّة المملوكة من مصرف لبنان في الدين العام.

هل يستمر هذا النمط؟
بين الفوائد المرتفعة التي يدفعها لتوظيفات المصارف، والفوائد الأقل من تمويله للدين العام، ثمّة كلفة موجودة في ميزانيّة مصرف لبنان. وبينما يبدو واضحاً سبب إصرار كل من مصرف لبنان ووزارة الماليّة على اعتماد هذا النمط التمويلي في المرحلة الحاليّة، لا يبدو من الواضح مدى قدرة مصرف لبنان على الاستمرار في تنفيذ هذا النوع من عمليات التمويل للدين العام.

أمّا البديل عن هذا النمط المكلف على ميزانيّة مصرف لبنان، فهو رفع الفوائد على سندات اليوروبوند وسندات الخزينة بالليرة لدفع المصارف والمستثمرين للاكتتاب بها، وهو ما سيترك آثار كبيرة على كلفة خدمة الدين والعجز في الميزانيّة العامّة. مع العلم أن نسبة العجز في الميزانيّة العامّة ترتبط بدورها بالتزامات الحكومة أمام الجهات المانحة في مؤتمر سيدر. وبين الخيارين الصعب والأصعب، يبدو أن المسألة برمّتها ستبقى مصدر تأزّم على المستوى المالي للدولة، سواء جرى تحميل الكلفة للميزانيّة العامّة أو لميزانيّة مصرف لبنان.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها