آخر تحديث:01:17(بيروت)
الجمعة 05/07/2019
share

إشارات مخاطر غير مسبوقة

عصام الجردي | الجمعة 05/07/2019
شارك المقال :
إشارات مخاطر غير مسبوقة ما كان يجب استمرار مصرف لبنان في قبول تمويل شطط السياسيين (Getty)

لا ندري ما يصح إدراجه تراتباً من المخاطر والتنبيهات التي تضمنها تقرير بعثة صندوق النقد الدولي إلى لبنان. سنتسق أولاً مع ما وصفه التقرير رسائل أساسية (Key Messages) "لما يتطلبه تعزيز الاقتصاد اللبناني باتخاذ إجراءات في مجالات ثلاثة":

1- خطة مالية متوسطة الأجل ذات صدقية تهدف إلى تحقيق فائض مالي أساسي كبير ومستدام من شأنه أن يخفض بشكل مطرد نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بمرور الوقت. 
2- الإصلاحات الهيكلية الأساسية لتعزيز النمو والقدرة التنافسية الخارجية، بدءاً من تحسين الحوكمة. وكذلك تنفيذ خطة إصلاح قطاع الكهرباء وتوصيات الرؤية الاقتصادية.

3- تدابير لزيادة مرونة القطاع المالي من خلال ميزانية عمومية أقوى لمصرف لبنان. والاستمرار في بناء مخازن رؤوس أموال المصارف.

حساسية الاحتياط النقدي
بالرسالة الثانية نبدأ. بأوزان المخاطر التي لحظها التقرير، لأنها وتد الرسائل الثلاث. تحسين الحكم أو الحوكمة (Governance) بلغة الفرنجة السائدة، مفتاح الإصلاحات المطلوبة التي استعصت حتى الساعة على نظام سياسي مفلس وفاسد. الحكم والحوكمة اللذان قصدهما التقرير، يعنيان في المقام الأول دولة دستور، وقانون ومؤسسات. كل المخاطر التي نواجه، ومكامن الضعف التي أشار اليها التقرير، وليدة النظام السياسي. وبات تهديداً حقيقياً للدولة والوطن. عن أي حكم يتحدث تقرير صندوق النقد. وعن أي حوكمة شرطاً للبدء بالإصلاح؟

الرسالة الثانية كانت لتكون الأولى، لأننا نحسبها أهم وأخطر. وصلنا إلى المحظور. الملاذ الأخير مصرف لبنان والمصارف. ليست المرة الأولى التي ينبه الصندوق إلى وجوب احتفاظ مصرف لبنان باحتياط صافٍ يعتد به. سبق وأعد تقريراً قبل فترة ليس للنشر، تضمن معلومات مقلقة عن تراجع ذلك الإحتياط. الكلام عن الإحتياطات المجمّعة فوق 30 مليار دولار أميركي، إنما معظمها لتوظيفات المصارف للحفاظ على سعر الصرف والوفاء بمتطلبات الدولة. التقرير نعى نهائياً إمكان اكتتاب المصارف بـ11 تريليون ليرة بفائدة 1 في المئة. ويطلب التقرير من المصارف تعزيز أموالها الخاصة ورساميلها واحتياطها، بحيث تتلاءم مع أوزان المخاطر على توظيفاتها في مصرف لبنان، بما يلبي متطلبات بازل 3. ويتحدث في مكان آخر عن تعزيز ضمانات الودائع المصرفية في حال تصفية المصارف المُعسرة. لم نسمع هذا الكلام المباشر من قبل.

والحقيقة، أن مصرف لبنان حين أقدم على هندسات مالية غير مسبوقة في 2016، طلب إلى المصارف تحويل نتائج أرباح تلك الهندسات، إلى رساميلها الخاصة وليس لتوزيع الأرباح. وكان حاكم مصرف لبنان رياض سلامة على بيّنة من المسار المالي المأزوم للدولة، ولما قد تواجهه المصارف من ضغوط في الرساميل لو استمر مسار العجز والتمويل على حاله. ونبّه رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب مما يحصل. واستمر العجز في المسار وأسوأ. من 8.5 في المئة عجزاً متوقعاً إلى الناتج في موازنة 2018 ارتفع إلى 11.5 في المئة. ما كان يجب استمرار مصرف لبنان في قبول تمويل شطط السياسيين. هو مصرف الدولة نعم. لكنه في مسار تمويل عجزها، يعطي الدولة وكالة مفتوحة للتصرف بما ليس لها لحكم لا يستحق. القرار السياسي لا يلغي أصول اقتراض الدولة من مصرف لبنان، وأوانه وحجم الإقتراض والسداد.

فتات الحسومات
يشكك تقرير الصندوق في خفض عجز موازنة 2019 بواقع 7.59 في المئة. ويتوقعه 9.75 في المئة، اذا طبّقت الحكومة إجراءاتها، وعبرت الموازنة في مجلس النواب. ودون الإجراءات صعوبات ومعارضة قوية في الشارع، من دون أن تقتفي الحكومة نصائح الصندوق بزيادة ضريبة القيمة المضافة إلى 15 في المئة وفرض ضريبة على البنزين. بالغت الحكومة كثيراً في قدرتها على تحقيق الفتات من حسومات التقاعد في الأسلاك العسكرية والمدنية. ومن علاوات الموظفين وحقوقهم المكتسبة. الدولة العميقة تفعل ذلك في الملمّات حؤولاً دون غرق السفينة. لكنها تبدأ من حيث يجب. من أقبية ثروات مالها المنهوب في الأملاك البحرية والبرية. وعلى مرأى من الناس المطلوب أن يضحوا. كل الإجراءات المتاحة والمدعومة شعبياً لتحصيل حقوق الخزانة والمكلًف، تعجز عنها دولة هشة. نريد تطبيق القوانين وجباية الضريبة كما هي. لا يمكن أي إجراء يتعلق بالتجارة والرسوم الجمركية والضرائب المتصلة بها تحقيق نتائج تفوق كل ما تحاول الحكومة فرضه على متوسطي الدخول والمكلّفين، من دون ضبط المعابر والتهريب عبر الحدود مع سوريا. كل لبناني مستعد للتضحية. لكن من أي حانوت يشتري ثقة مفقودة. بينما النظام يرفض التنازل عن الإمتيازات.

الكهرباء وفضائحها
تحدث التقرير عن الكهرباء أكثر مما تحدث عن لبنان. لا أحد يعلم حتى الساعة متى توفّر الكهرباء على مدار الساعة. ومتى تنتهي فضيحة البواخر وملف المحروقات من خارج ادارة المناقصات. هل يُعقل ألاّ تتحرك النيابة العامة من تلقائها للتحقيق في هذا الملف الذي ورّط اللبنانيين بنحو 40 مليار دولار أميركي ديناً وبلا كهرباء؟ يربط تقرير الصندوق النمو الإقتصادي بنجاح خطة الكهرباء. لكنه عندما يتحدث عن الحكم والحوكمة، يغض الطرف عن أن الخطة كما أُقرت استثنت خضوعها لرقابة ديوان المحاسبة. ردً ديوان المحاسبة الإستثناء. لا أحد تكلم عن مآل الخطة في حلتها الجديدة. زيادة سعر الكهرباء الذي يعتبره الصندوق دعماً ويقترح التقرير إلغاءه، هو ليس دعماً لخِدمة غير موفورة وكفية في الأساس. هو جائزة الحكم الفاشل لمستقوين على الدولة. معظمهم من زبائنها. والجمهور قابل بزيادة السعر وراضٍ. لكن هاتوا  الكهرباء؟

لقد أعدت بعثة صندوق النقد تقريرها، بعد أن جالت أياماً على مصرف لبنان، ووزارة المال، ووزارة الإقتصاد والتجارة، ومعظم الدوائر الحكومية. الأهم مناقشاتها مع المصارف ومؤسسات القطاع الخاص. هكذا تقتضي المادة الرابعة من نظام الصندوق لإعداد التقارير السنوية. نتائج التقرير خلاصة البعثة، قبل أن يحال التقرير إلى الهيئة التنفيذية في الصندوق ويعود بصيغته النهائية إلى الحكومة اللبنانية. قد تستلحق البعثة ما سقط. أيام المناقشات، كانت الحكومة وسدنة النظام يتنابذون على حصصهم في المجلس الدستوري. وتعيينات المراكز الإدارية الرئيسة. وحين الإنتهاء من التقرير، حصلت الأحداث الدامية في الشحّار الغربي. فحالت دون وصول مصلح سياسي إليها كان أعد نفسه ليحاضر في الإصلاح ومدونات السلوك الحسن ودرء الفتنة عن لبنان!


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها