آخر تحديث:00:48(بيروت)
الجمعة 12/07/2019
share

عقوبات لم تُقرأ بأبعادها

عصام الجردي | الجمعة 12/07/2019
شارك المقال :
عقوبات لم تُقرأ بأبعادها "حزب الله" مصنًف إرهابياً من واشنطن (Getty)

مع القرار الأميركي إدراج نائبي "حزب الله"، محمد رعد وأمين شري، في لائحة العقوبات الأميركية، بالإضافة إلى مسؤول جهاز التنسيق في الحزب وفيق صفا، دخل لبنان في مرحلة جديدة مقلقة، خصوصاً أن العقوبات تتزامن مع تصعيد التوتر بين واشنطن وبين طهران، على خلفية تجاوز إيران درجات تخصيب اليورانيوم إلى أكثر من 3.67 في المئة المسموح بها بموجب الإتفاق النووي، وإعلانها بوضوح إنها ماضية في التخصيب بما يؤمن مصالحها، طالما أن خرق الإتفاق جاء من الطرف الأميركي، ولم يتمكن الطرف الأوروبي من الإلتفاف على العقوبات الاقتصادية الأميركية المفروضة عليها.

ردود فعل لبنان الرسمي على القرار الأميركي لا توحي بأن لبنان أدرك خطورة القرار. أو استوعب خطورة أهدافه. وهو ما سنحاول توضيحه.

شكلياً وتقنياً
في الشكل، يجوز السؤال الذي نحسب إنه يراود الكثيرين من المسؤولين والرأي العام، عمّا إذا بقي لنواب "حزب الله" حسابات في المصارف اللبنانية؟ فاذا كان الجواب بالنفي، ما قيمة إدراج نائبي الحزب في لائحة العقوبات؟

أولاً، مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الأميركية  OFAC  يفرض عقوبات على الأفراد والكيانات بالإسم. "حزب الله" مصنّف إرهابياً من واشنطن. ليس كل أفراده بالأسماء في لائحة العقوبات. الأمر ينطبق على النائبين رعد وشري والقيادي في الحزب وفيق صفا.

ثانياً، يعتقد على نطاق واسع، أن لا حسابات لنواب الحزب ولقادته المعروفين في المصارف اللبنانية. وفي الجهاز المصرفي في لبنان عموماً. التعميم رقم 36 الصادر عن مصرف لبنان، والتعاميم الأخرى ذوات العلاقة من الهيئة الخاصة المعنية في مصرف لبنان تحول دون ذلك. وبافتراض وجود حسابات، القرار جاء ليحدد بالإسم حظر فتح الحسابات. 

ثالثاً، يُفترض أن أعضاء مجلس النواب يحصلون على رواتبهم بموجب شيكات صادرة عن المجلس، تصرف من اعتماداته في الموازنة الموجودة في مصرف لبنان. (الحساب 36) أو غيره. هل يصدر مجلس النواب شيكات بأسماء نواب "حزب الله" ويصرفها مصرف لبنان؟ مع إنه احتمال ضعيف لأن القضية تتصل بمصرف مركزي.  لكنه ممكن طالما النواب كانوا خارج لائحة OFAC بالإسماء. السيناريو الآخر، يمكن مجلس النواب أن يسحب نقداً من حساباته في مصرف لبنان، ويسدد رواتب النواب بالطريقة نفسها. ولا يوجد في هذه الحال خرق للعقوبات الأميركية. الدفع بالليرة اللبنانية. والشبّاك المصرفي لبناني.

في صلب الحياة السياسية اللبنانية
أمّا في المضمون فيدخل القرار مباشرة إلى صلب الحياة السياسية اللبنانية، وعمل المؤسسات والسيادة. كلام وكيل وزارة اﻟﺨﺰاﻧﺔ ﻟﺸﺆون اﻹرھﺎب واﻻﺳﺘﺨﺒﺎرات اﻟﻤﺎﻟﯿﺔ، ﺳﯿﻐﺎل ماندلكير، الذي أُرفق بالقرار على موقع الوزارة الإلكتروني كان يجب أن يقرأه المسؤولون اللبنانيون لاستنتاج الآتي من قرارات، وليس القرار بذاته وحسب. قال ماندلكير "ﯾﺴﺘﺨدم ﺣﺰب ﷲ ﻋﻤﻼءه ﻓﻲ اﻟﺒﺮﻟﻤﺎن اﻟﻠﺒﻨﺎﻧﻲ للتلاعب ﺑﺎﻟﻤﺆﺳﺴﺎت ﺑﻐﺮض دﻋﻢ اﻟﻤﺼﺎﻟﺢ اﻟﻤﺎﻟﯿﺔ واﻷﻣﻨﯿﺔ اﻟﺨﺎﺻﺔ بهذه اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ اﻹرھﺎﺑﯿﺔ وتعزيز أنشطة إﯾﺮان اﻟﺨﺒﯿﺜﺔ". واعتبر أن الحزب "يهدد الإﺳﺘﻘﺮار الاﻗﺘﺼﺎدي واﻷﻣﻦ ﻓﻲ ﻟﺒﻨﺎن واﻟﻤﻨﻄﻘﺔ ﻋﻠﻰ ﺣﺴﺎب اﻟﺸﻌﺐ اﻟﻠﺒﻨﺎﻧﻲ. وﺳﺘﻮاﺻﻞ اﻟﻮﻻﯾﺎت المتحدة دﻋﻢ جهود الحكومة اﻟﻠﺒﻨﺎﻧﯿﺔ اﻟﺮاﻣﯿﺔ إﻟﻰ ﺣﻤﺎﯾﺔ مؤسساتها ﻣﻦ اﺳﺘﻐﻼل إﯾﺮان ووكلائها الإرهابيين وﺿﻤﺎن ﻣﺴﺘﻘﺒﻞ أﻛﺜﺮ ﺳﻠﻤﺎً وازدهاراً ﻟﻠﺒﻨﺎن".

كان هذا التطور وما سيعقبه من تهديدات صريحة للبنان، يستدعي موقفاً رسمياً موحداً من لبنان. لننحّي جانباً "الإمبريالية العظمى" ورئيسها دونالد ترمب وعنصريته. "إنجازه الأخير" إنه تمكن من طرد سفير صاحبة الجلالة البريطانية من واشنطن. علّق رئيس الجمهورية  ميشال عون على القرار الأميركي بأن "التدبير (قرار العقوبات) الذي يتكرر من حين إلى  آخر، يتناقض مع مواقف أميركية سابقة، تؤكد التزام لبنان والقطاع المصرفي فيه الإتفاقات الدولية المتعلّقة بمكافحة تبييض الأموال، ومنع استخدامها في اعتداءات إرهابية أو في غيرها من الممارسات التي تعاقب عليها القوانين".  وأسف لاستهداف نائبين منتخبين. "وسوف يلاحق (لبنان) الموضوع مع السلطات الأميركية المختصة ليبنى على الشيء مقتضاه". أما رئيس مجلس النواب نبيه بري، فاعتبر العقوبات على نائبين "اعتداء على المجلس النيابي. وبالتأكيد على كل لبنان"، وطالب الاتحاد البرلماني الدولي بموقف "من هذا التصرف اللامعقول". رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري وصف العقوبات كمثل غيرها السائدة. واستدرك، "لا شك أنّها اخذت منحىً جديداً من خلال فرضها على نواب. ولكن هذا لن يؤثر، لا على المجلس النيابي ولا على العمل الذي نقوم به في مجلسي النواب والوزراء". أضاف: "المهم ان نحافظ على القطاع المصرفي وعلى الاقتصاد اللبناني".

مصير البلد وقراءة الحزب
سنعقّب جمعاً. تؤكد الخزانة الأميركية باللسان اللبناني خصوصاً، أن لبنان ملتزم القوانين. لكنها تؤكد في المقابل أن معركتها مع إيران مفتوحة. و"حزب الله" جزء من المعركة ويجهر بذلك. نعم القرار اعتداء على كل لبنان. وهذه هي المعضلة. الاتحاد البرلماني الدولي أضعف بكثير من الاتحاد الدولي لكرة القدم كي نطلب مساندته ضد "الإمبريالية العظمى". عن أي مجلس وزراء ومجلس نواب نتحدث؟ هل يعلم رئيس مجلس الوزراء ماذا سيفعل وزير الخارجية جبران باسيل في زيارته إلى واشنطن؟ أو متى ستعقد جلسة مجلس الوزراء المقبلة؟

كلمة إلى "حزب الله". جمهور مقاومة العدو الصهيوني هو كل جمهور لبنان. قاوم بالمباشر قبل الحزب ومعه. ودفع الكثير من التضحيات ومستحقات حماية البلد وأرضه. ولا حاجة إلى السردية التي يدركها الحزب تماماً. ومستعد للقيام بهذا الدور في كل الأوقات والظروف. لا يمكن بالكيمياء، والمنطق والقدرات والعقل، ربط لبنان بالصراع الإيراني الإقليمي، وبالملف النووي ومساره. لبنان يتشلع بلا مؤسسات دستورية. كل المؤسسات من دون استثناء. افتقر شعبه. وعاطل من العمل. ومعتدى على هوائه ومائه. وعلى ثروته وموارده. ينهشه الفساد السياسي والإداري والمالي. خزانته مفلسة. مع ذلك، لن يتنكّر لمن قاوم العدو الصهيوني، وألقمه حجراً على بوابة فاطمة، وفي سهل الخيام، وأزقة بيروت، والجبل والبقاع. لكن، أي وطن يمكنه صدّ عدوٍ بهذا النسيج الإجتماعي الممزق وفي غياب الدولة ومؤسساتها؟ لقد انكشف لبنان على كل المثالب التي يمكن أن تصيب دولة وشعب. في هذا المجال يجب أن يعمل "حزب الله". ونحسبه قادراً عليه لإسقاط سيف التهديد الأميركي وحماية لبنان. لم يقرأ لبنان الرسمي العقوبات الجديدة كما يجب. أجزم أن "حزب الله" قرأها جيداً. بقي الفعل.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها