آخر تحديث:08:04(بيروت)
الإثنين 01/07/2019
share

ترامب يروّض مجموعة العشرين

عصام الجردي | الإثنين 01/07/2019
شارك المقال :
ترامب يروّض مجموعة العشرين تشكّل الولايات المتحدة نحو ربع الإقتصاد العالمي (Getty)
مرة ثانية فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب على قمة مجموعة العشرين ( 19 دولة + الإتحاد الأوروبي ) في أوساكا، عدم الإشارة بالإسم الى الرسوم الجمركية وأثرها على حرية التجارة. فعلها مرة أولى في قمة بوينس أيريس 2018. ورفض تضمين البيان الختامي أيضاً أي تعهد لمقاومة الحماية التجارية. لو حقّق الإقتصاد الأميركي نتائج جيدة في 2020، سينطلق ترامب بقوة نحو الإنتخابات الرئاسية لولاية ثانية. ولو نجح، ستُكتب نهاية لهذه المجموعة التي ترقّت أصلاً الى مستوى رؤساء الدول والحكومات لجبه أخطر أزمة عصفت بالإقتصاد الأميركي والعالمي في 2008 منذ أزمة الركود الكبير 1929 – 1931. وكانت من قبل على مستوى وزراء المال ومحافظي المصارف المركزية ورؤسائها. وبذلك يكون ترامب قد أجهز على أهم هيكل سياسي يجمع الدول الصناعية والناشئة في العالم، لبت المشكلات الإقتصادية والسياسية والأمنية. بعد أن غدت المؤسسات الفعلية في القطاعات الثلاثة هياكل مضروبة وغير فاعلة وشبه عاطلة من العمل. منظمة التجارة العالمية، الأمم المتحدة واتفاق باريس للمناخ. وكلها مؤسسات تقودها الولايات المتحدة، واستغرقتها عقود كي يلتحق بها بقية العالم طواعية أو قسراً. ترامب ما عاد يرى مصلحة "أميركا عظمى" من خلال المؤسسات المتعددة الأطراف. 

مفردات لاجتناب ترمب
"نحن نسعى جاهدين لخلق بيئة حرة ونزيهة وغير تمييزية وشفافة، وقابلة للتنبؤ بها ومستقرة في قطاعي الإستثمار والتجارة، ولإبقاء أسواقنا مفتوحة". مفردات ابتكرها البيان الختامي لقمة أوساكا، كي يجتنب مجرد انتقاد الحماية التجارية والرسوم الجمركية التي يفرضها ترامب على الصين ومعظم شركائه التجاريين. وافق ترامب على الفقرة. ولم يرَ ضيراً في أن يصف البيان الختامي "التجارة الدولية والاستثمار، محركين مهمين للنمو والإنتاجية والابتكار. ولخلق فرص العمل والتنمية".

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي لا يوِدّ ترامب ولا الأخير يودِّه، صرح لوسائل الإعلام أن "مجموعة العشرين باتت اليوم بالفعل أقرب إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تسمح لصانعي القرار بالإلتقاء في اجتماعات ثنائية، وتبادل وجهات النظر حول الملفات المهمة. وهي ليست مفيدة بما يكفي". ودعا إلى "بحث موسع لهذا الموضوع". المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستين لاغارد تجرأت على ترامب. لا تخاف على منصبها. محجوز عُرفاً لأوروبا. حذرت لاغارد من أن الاقتصاد العالمي يواجه موقفاً صعباً بسبب النزاعات التجارية. وحضّت صانعي القرار في المجموعة على خفض الرسوم الجمركية، وإزالة الحواجز الأخرى من أمام التجارة.

الشركات لا الحيوات
رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي بذل جهوداً مضنية ليخرج البيان بموقف محدد تجاه التغيرات المناخية، بعد أن انسحبت واشنطن من اتفاق باريس، المكمّل عملياً لبروتوكول كيوتو. وتمّكن من إدخال فقرة في البيان عن اتفاق باريس. "تعيد الدول الأعضاء في المجموعة التأكيد على التزامها بتنفيذه بشكل كامل". إتفاق باريس مصمم كي لا يتجاوز الإحتباس الحراري 2 في المئة فوق مستوى ما قبل العصر الصناعي، ( 1880 ) ومن قبيل الإجتهاد نعتقد، أن ماكرون كان على استعداد لخروج القمة بلا بيان، لو وقف ترامب ضد فقرة المناخ. فالقمة انعقدت على وقع أنباء عن ارتفاع درجة الحرارة في بعض المقاطعات الفرنسية الى نحو 46 درجة. نجم عن ذلك وفيات وأضرار جسيمة. ولم يكن الوضع أفضل بكثير في أنحاء أخرى من أوروبا. وقد لقي الألوف من الفرنسيين والأوروبيين حتفهم في 2013 للأسباب نفسها. ملايين سكان الجزر القريبة من المناطق القطبية مهددة بوتيرة الإحتباس الحراري والغازات الدفيئة. الولايات المتحدة والصين أكبر مَصدرين يهددان المناخ. الصين إلتزمت بعد تردد. إلاّ الولايات المتحدة. وترامب يرى حصة بلاده كبيرة من 100 مليار دولار أميركي لحظها اتفاق باريس للحد من كارثة حتمية تزحف على الحيوات الثلاث وكوكب الأرض. ويعتبر الإتفاق مضراً بشركات "أميركا العظمى"!

الإختلالات
يعتدّ الرئيس الأميركي بصلف، بعدم جدوى مجموعة العشرين بلا واشنطن. والمجموعة لا تنكر أهميتها في تثقيل الأوزان، سياسياً واقتصادياً وأمنياً. لكنها تسأل كيفية تفادي الإختلالات الكبيرة في الأسواق المالية ونمو الإقتصاد العالمي التي باتت صناعة أميركية. الإثنين الأسود، والأربعاء الأسود، والخميس الأسود، في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي. ترمز الى سلسلة فقاعات وانهيارات شهدتها وول ستريت ونشرت تداعياتها على الأسواق الأوروبية والناشئة. تلتها انهيارات مماثلة في أسواق مال الدول الناشئة الآسيوية ودول أميركا اللاتينية. البرازيل والأرجنتين خصوصاً. أزمة 2008 كانت صفعة مدوية لمفهوم العولمة والقرية الإقتصادية الواحدة والتجارة الحرة، الذي وظفّت فيه واشنطن منذ 1982 بقيادة رونالد ريغان كل قدراتها بالتعاون مع رئيسة وزراء بريطانيا مرغريت تاتشر. وقد وضعت تسع عشرة دولة مع الإتحاد الأوروبي في مجموعة العشرين أمام تحدٍ كما لم يطرح من قبل. إلام تستمر الولايات المتحدة في رسم خريطة طريق الأسواق المالية والإقتصاد العالمي في منأى عن شركائها؟ يتأثرون بسياساتها ولا يؤثرون. وكان المقصود في الدرجة الأولى سياسة مجلس الإحتياط الفدرالي الذي يصمم معدلات الفوائد الملائمة للإقتصاد الأميركي بعيداً من مصالح شركائه التجاريين والإستثماريين في دول العالم. والمجموعة عصب الإقتصاد العالمي بنحو 90 في المئة من الناتج العالمي الخام، وزهاء ثلثي التجارة العالمية، وثلثي تعداد سكان العالم. ودول المجموعة تهيمن على الصناعة المصرفية والمالية العالمية. وكل مؤسسات الإقتصاد الدولي. المؤشرات الجمعية تلك غيرها في الحسابات فرادى. الوزن النسبي الأميركي طاغٍ. فالدولار عملة تسعير كل السلع والمعادن النفيسة والخسيسة في العالم. ونحو 65 في المئة من التجارة الدولية. وأكثر من 70 في المئة من الديون العالمية. واقتصاد الولايات المتحدة نحو ربع الإقتصاد العالمي. 

كان الرئيس الفرنسي السابق فاليري جيسكار ديستان يردد أن "الولايات المتحدة تمول عجزها التجاري بيسر لامتلاكها الدولار عملة احتياطية دولية رئيسة". وكان يصف الدولار امتيازاً تحوزه من دون غيرها. الإقتصاد الأميركي الذي كان حقق نمواً في الربع الأول 2019 فوق 3 في المئة، مع تضخم دون 2 في المئة معدلاً على أساس سنوي، وبطالة 3.6 في المئة ( أيار 2019 ) يعود الآن مهدداً بالتباطؤ بفعل سياسات ترمب التجارية والتوتر الجيوسياسي في الشرق الأوسط. ويجر معه الإقتصاد العالمي من جديد. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها